تقرير- أحمد التلاوي
يبدو أن مفاجآت السياسة الأمريكية لن تنتهي في المنطقة العربية، فمع مفاجأة قيام نجل الرئيس المصري بزيارة الولايات المتحدة قامت واشنطن- وفي نفس اليوم وهو الإثنين 15 مايو 2006م- بإعلانها رفع اسم ليبيا من قوائم الإرهاب، كما أعلنت عن فتح سفارة لها في طرابلس وتبادل السفراء.
ما حدث وصفَه البعض بأنه محاولةٌ من الولايات المتحدة لإحداث فرقعةٍ إعلاميةٍ وسياسيةٍ تغطي على فشلها في العراق، وموقفها من إيران، خاصةً أن البعض رأى أن الهدف الأساسي من هذه الخطوة الأمريكية هو إرسال رسالةٍ لطهران بأنها يمكنها صداقة واشنطن إذا خطَت نفس خطوة طرابلس فيما يتعلق بالسلاح النووي؛ حيث تبنَّت الإدارة الأمريكية- ممثلةً في البيت الأبيض ووزارة الخارجية- مجموعةً من القرارات المتلاحقة التي أدَّت في النهاية إلى انقلاب كبير في العلاقات الأمريكية- الليبية بشكل لم يكن أحد من المراقبين يتوقعه.
لماذا هذا الحدث؟!
لا يمكن بحال أن يتم اجتزاء الحدث الأخير المزدوج المتعلق برفع ليبيا من القائمة الأمريكية لمكافحة الإرهاب، وأن تقرر واشنطن عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى مستوى تبادل السفراء، وهما حدثان منفصلان في الواقع، عن السياق العام للسياسة الأمريكية في المنطقة العربية، كما لا يمكن القول بأن هذه الخطوة "جديدة" أو "مفاجئة" بشكل كامل.
العقيد الليبي معمر القذافي

فمنذ فترة طويلة تدور تحت السطح داخل الولايات المتحدة- وتحديدًا داخل دوائر صنع القرار الأمريكي- مجموعةٌ من الأفكار حول السياسات التي ينبغي استعمالها تجاه ملف العلاقات مع ليبيا مع تقديم العقيد الليبي معمر القذافي فروض "الطاعة والولاء" للغرب، مع قيامه أولاً ومن العام 2003م بالإعلان عن التخلِّي عن "برامجه" لإنتاج أسلحة الدمار الشامل وصواريخ أرض- أرض الموجهة بعيدة المدى، والتعاون مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بقضية مكافحة "الإرهاب"، بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م.
وذلك مع تقديم كلِّ ما ترغب الولايات المتحدة في إدخاله على السياسة الليبية من تغييرات، خاصةً تجاه الملف الصهيوني والقضية الفلسطينية، فبدأ العقيد القذافي في تسوية قضية لوكيربي المتعلقة بتفجير طائرة الـ"بان أميريكان" فوق قرية لوكيربي بأسكتلندا في العام 1988م، والذي أدَّى إلى مقتل 270 شخصًا كان معظمهم من الأمريكيين، وكذلك الطائرة الفرنسية التي سقطت فوق صحراء النيجر، وتفجير الملهى الليلي في ألمانيا، ووافق القذافي على دفع حوالي سبعة مليارات دولار كتعويضاتٍ عن هذه الحوادث، بجانب تبني بعض الإجراءات لتسويتها سياسيًّا مع البلدان المعنية، لا سيما بعد أن أثبتت محكمةٌ أسكتلندية- عُقدت وقائعها في مدينة لاهاي الهولندية- تورطَ عبد الباسط المقراحي أحد ضباط جهاز المخابرات الليبي في عملية لوكيربي، وحُكِمَ عليه إثر ذلك بالسجن مدى الحياة، فيما تمَّ تبرئة الضابط المتهم الآخر، وهو الأمين خليفة فحيمة، ويقال إنه من أقارب القذافي؛ لذلك تمَّ تبرئته تحسبًا من الغرب لأن تكون هناك رجعة في العلاقات مع ليبيا.
على مستوى آخر بدأت طرابلس في الابتعاد عن القضية الفلسطينية والفضاء العربي، وتقديم مواقف أكثر هدوءًا من الكيان الصهيوني، فتمَّ تبادل بعض الزيارات السرية لمسئولي الطرفين، كما روَّجت بعض وسائل الإعلام في العامين 2004م، 2005م، وفتح القذافي المجالَ أمام اليهود من ذوي الأصل الليبي ممن هاجروا من ليبيا إلى الكيان الصهيوني في العقود الماضية، مع تعويض البعض الآخر منهم من غير راغبي العودة إلى ليبيا عن ممتلكاتهم التي خلَّفوها وراءَهم بعد هجرتهم.
ودعت القيادة الليبية إلى خيار الدولة الواحدة متعددة الهوية كعلاجٍ للقضية الفلسطينية من وجهة نظرها، وبغضِّ النظر عن الكيفية التي طرح بها العقيد القذ