كتب- أحمد التلاوي
ربما لم يصل جثمانا رجلي الأمن المصريَيْن اللَّذين قُتلا برصاص القوات الصهيونية قبل يومين إلى ذويهما بعد، ولكن تأبى الحكومة المصرية إلا أن تستمرَّ في ممارسة سياستها المعهودة في استفزاز الشعب المصري، وازدرائه، حيث استَقْبَل الرئيس المصري مساء الأحد 4/6/2006م رئيس الوزراء الصهيوني إيهود أولمرت في منتجع شرم الشيخ، وكأنَّ شيئًا لم يكن، وكان من الأجدر والأكثر لياقةً من جانب الحكومة المصرية تأجيل هذه الزيارة ولو بضعة أيام؛ حرصًا على مشاعر الملايين من المصريين الذين لا يزالون يعتبرون الكيان الصهيوني هو العدوَّ الأول لهم.
ولكن في المحصلة أن أولمرت قد وصل إلى شرم الشيخ حاملاً معه حزمة من الملفات والقضايا التي ربما تكون هي الأهم منذ سنوات في أية محادثات مصرية جرت مع أطراف صهيونية، لا سيما مع وجود العديد من الملفات الأمنية- بجانب الأوضاع العامة على الصعيد الفلسطيني- التي سوف يتم فتحها ومناقشتها بتوسع في محادثاتٍ أولمرت مع المسئولين المصريين، وبخاصة الرئيس حسني مبارك الذي أبدى المزيدَ من الاهتمام بالجوانبِ الأمنيةِ من الشأن الفلسطيني- الصهيوني في الفترةِ الأخيرة.
على الجانب الآخر لا يرى المتابعون للشأن للعلاقات المصرية الصهيونية أيَّ نتائجَ ممكن أن تتحقق لهذه الزيارة، وعلى حدِّ وصف الدكتور عماد جاد الباحث في الشئون الصهيونية فإن هذه الزيارة روتينيةٌ لحدٍّ كبير، ولم يكن لها تأثيرٌ ذو بال على القضية الفلسطينية، أيًّا كان رأي الخبراء فإن الزيارة تأتي في وقت مهم وله دلالته، ولو لم يكن هناك ما يناقشه الطرفان لكفى أن الزيارة التي تمَّ تأجيلُها لمدة خمسة أيام تأتي ليلة نكسة الخامس من يونيو 1967، وكأن الكيان الصهيوني يريد أن يحتفلَ بها على أرض مصر وسط غفلة من المصريين.
أولمرت وأجواء ملبَّدة!!
بخلاف موجة الحرِّ الشديدة التي تضرب مصر والشرق الأوسط في هذه الأيام يصل رئيس الوزراء الصهيوني إيهود أولمرت إلى مصر، في أجواء ملبدة برياح ترابية شديدة الوطء، عصفت بكل شيء في المنطقة، فما بين الأزمة الأمنية والسياسية الراهنة في العراق، والفشل الأمريكي الكبير في الملف النووي الإيراني والذي أدَّى إلى تراجعٍ أمريكي أمام الإصرار الإيراني عبر عرض المشاركة في المفاوضات المباشرة التي تديرها الترويكا الأوروبية مع طهران، وصولاً إلى التعقيد الكبير في الملف الإنساني والسياسي الفلسطيني؛ فإن الكيان الصهيوني يواجه في الوقت الراهن عددًا مهمًّا من الملفات السياسية والأمنية ذات الطابع الحساس الذي يمس الأمن القومي الصهيوني.
وأبرز هذه الملفات هو ملف أمن الحدود بين مصر وقطاع غزة من جهة والكيان الصهيوني من جهة أخرى، ويأتي ملف أمن الحدود مع مصر عبر الشريط الصحراوي الممتد بين رفح شمالاً وطابا جنوبًا عبر أكثر من 250 كيلو متر على رأس قائمة أولويات أجهزةِ الأمن والحرب الصهيونية، حيث تمَّ في الآونة الأخيرة تدوير مجموعة من التقارير في أروقةِ المؤسسات العسكرية والأمنية الصهيونية المعنية التي تحدثت عن عمليات تهريب وتسلل عبر الحدود، كما روَّجت المؤسسة الأمنية الصهيونية لمعلومات لم يتسنَّ التأكد من صحتها، وغالبًا هي معلومات مغلوطة، تبرر بها السلطات الصهيونية العنفَ الزائدَ في تعاملها مع ملف أمن الحدود مع مصر، وتتعلَّق هذه المعلومات بتحرُّكات عناصر مرتبطة بتنظيم القاعدة عبر الحدود بين الجانبين.
ولذلك يمكن فهم العنف المفرط الذي تعاملت به قوات حرس الحدود الصهيونية قبل يومين مع عناصر الأمن المركزي المصري على الحدود في النقطة المقابلة لمنطقة جبل ساجي.
ويرتبط هذا الملف أيضًا بمسألةٍ مهمةٍ للغاية، وهي رغبة رئيس الوزراء الصهيوني الحالي إيهود أولمرت في ترسيم حدود نهائية للكيان الصهيوني بحلول العام 2010م طبقًا لبرنامجه الانتخابي الذي على أساسه خاض وحزبه كاديما الانتخابات العامة المبكرة التي جرت في الكيان الصهيوني في الثامن والعشرين من مارس الماضي.
ولذلك فإن رغبة الحكومة الصهيونية الجديدة في فرض حدود "مقدسة" للكيان الصهيوني جعل مؤسساتها الأمنية والعسكرية تبحث ملف أمن الحدود مع مصر على أنه ذو أولوية مطلقة، بحيث تفهم جميع الأطراف الإقليمية المحيطة بالكيان أن المساسَ بهذه المسألةِ سيكون ثمنه باهظًا، أي أنه نوعٌ من ترسيخ الحقائق، وتثبيت المفاهيم على الأرض من جانب الكيان الصهيوني.
وهي خطوةٌ ليست منفردةً أو خاصةً بملف الحدود مع مصر فحسب، بل إنها مفاهيمُ سعت السياسة الصهيونية الرسمية- حتى منذ أن كان أولمرت رئيسًا للوزراء بالإنابة أو الوكالة قبل تثبيته رئيسًا للوزراء في انتخابات مارس الماضي- لتثبيتها فيما يخص باقي المناطق الحدودية للكيان الصهيوني.
فتم الإعلان عن ضم غور الأردن في الضفة الغربية، مع وضع خطة زمنية للانسحاب الأحادي من باقي المناطق الفلسطينية المحتلَّة في العام 1967م، يبدأ تنفيذها بنهاية العام الحالي ومطلع العام المقبل 2007م في حال عدم نجاح المفاوضات مع الطرف الفلسطيني، على أن يتمَّ رسم الحدود النهائية للكيان الصهيوني في نهاية العقد الأول الحالي.
ولذلك يمكن أيضًا فهم التصعيد الحالي من جانب جيش الحرب الصهيوني والموساد في الجنوب اللبناني؛ حيث تمَّ اغتيال اثنين من الجهاد الإسلامي في صيدا، وكذلك شهدت مناطق الجنوب وشمال فلسطين المحتلة في العام 1948م مؤخرًا اشتباكات هي الأعنف من نوعها في السنوات العشر الأخيرة، وكلها تطوراتٌ لا يمكن فصل بعضها عن بعض، وتدخل في نطاق ملف تأمين الحدود الصهيونية.
على مستوى آخر تأتي زيارة أولمرت إلى مصر في ظلِّ تردٍّ سياسي ملحوظ في الأراضي الفلسطينية بفعل حالة التخبط التي تعيشها السلطة الوطنية الفلسطينية برئاسة محمود عباس، وهذا التردِّي أخذ مظاهرَه في معاقلِ حركة فتح ذاتها، حيث أدَّت الخطوة الخاصة التي تبنَّاها محمد دحلان (أحد القيادات الأمنية السابقة في الحكومة الفلسطينية الماضية)- بنشر قوة أمنية خاصة بحركة فتح في مدينة جنين وقوامها 2500 جندي- إلى حالة من الاستياء الشديد في الأوساط الفلسطينية كافة، حيث بدت الخطوة وكأنها تحدٍّ للحكومة الفلسطينية الشرعية المنتخبة، حيث هي فقط مع مؤسسة الرئاسة الفلسطينية التي من حقها نشر أو سحب قوات الأمن من شوارع المدن الفلسطينية، ووَضُح الخطأ الذي وقع فيه دحلان عندما جرت اشتباكاتٌ صباح الأحد 4 يونيو بين القوةِ الجديدة المنتشرة في جنين ومجموعة مسلحة من كتائب شهداء الأقصى الجناح العسكري الرئيسي لحركة فتح.
كما أنه من المرجَّح أن تتحولَ الأزمة الإنسانية والمعيشية الفلسطينية الحالية في الأراضي الفلسطينية إلى أزمة أكثر خطورةً في طبيعتها، والمقصود هنا أن تنقلبَ من الطبيعةِ الإنسانية إلى المستوى السياسي والأمني الذي أول ما سوف يطال بلهبه الكيان الصهيوني.
مصر والملف الأمني
كانت الزيارة الحالية لأولمرت إلى مصر مقرَّرةً في الأسبوع الأخير من شهر مايو المنصرم، بعد أن ينهيَ رئيس الوزراء الصهيوني زيارتَه للولايات المتحدة، وفي أعقاب انتهاء الدورة الأخيرة التي استضافتها شرم الشيخ من منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، ولكن تمَّ تأجيلها لبضعة أيام بناءً على رغبة الجانب الصهيوني.
المهم أن وجهةَ النظر المصرية إزاء هذه الزيارة تعتبر وجهة نظر أمنية بالدرجة الأولى، فمصر ترى أن الانسحاب الصهيوني العشوائي أحادي الجانب من قطاع غزة دون التنسيق مع الجانب الفلسطيني أدَّى إلى حالة من التردي الأمني، والتي طالت نيرانها الداخل المصري في شريط طابا- شرم الشيخ المهم للأمن القومي والاقتصادي المصري، وكانت تفجيرات دهب الأخيرة بمثابة جرس إنذار دقَّ في أروقة أجهزة الأمن القومي المصري.
وقد عبَّر مسئولٌ أمني مصري مؤخرًا صراحةً عن موقف مصر من خطط الانسحاب الصهيوني الأحادية من الضفة الغربية، وقال بالحرف الواحد: "إن مصر ترى أن الانسحابَ يشكل تهديدًا محتملاً لأمنها، قياسًا على تجربة غزة، وأضاف قائلاً: "نحن لا نؤيد الخطوات "الإسرائيلية" الأحادية، وسيعمل مبارك على توضيح ذلك لأولمرت خلال اللقاء"، وأكد مسئولون مصريون آخرون أنه من الأفضل أن يجريَ الطرف الصهيوني اتصالاتٍ مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قبل الانسحاب من الضفة الغربية.
وقال المسئول الأمني المصري: إن زعيم التنظيم الذي قام بتفجيرات دهب قد تسلَّل إلى مصر من قطاع غزة، وقال ما نصه: "غزة الآن تهديدٌ كبيرٌ لمصر، فما الذي يدفعنا إلى عدم الاعتقاد بأن الأمرَ سيتكرَّر في الضفة الغربية؟"، وبغضِّ النظر عن صدق المعلومات التي تقدِّمها الأجهزة المصرية، فإن الشاهدَ في التحليل الأخير أن هناك هواجسَ أمنيةً مصريةً عميقةً من وراء الانسحابات الصهيونية الأحادية المتوالية من الأراضي المحتلة في العام 1967م.
وتعتبر الاعتبارات الأمنية التي تطرحها مصر باستمرار من وراء الكواليس مع الطرف الصهيوني غير قاصرةٍ على القاهرة، فحسب بل إن الأردن أيضًا طلبت من مصرَ مباشرةً التعبير عن الآثارِ الأمنيةِ والسياسيةِ المحتملة لتكرارِ تجربة غزة في الضفة الغربية، كما أن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بن الحسين قد وجَّه طلبًا مماثلاً للرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في خطابٍ دعاه فيه مؤخرًا إلى الضغط على أولمرت للدخول في مفاوضات مع الفلسطينيين، وهو ذات الموقف الذي سمعه أولمرت خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة.
فبالنسبة للولايات المتحدة يعتبر خطر تسلل تنظيم القاعدة إلى الأراضي الفلسطينية في ظلِّ حالة الفلتان الأمني القائمة هناك، على قمة الأولويات بالنسبة للدبلوماسية الأمريكية إزاء الكيان الصهيوني في هذا الملف، وفي هذا الصدد قال الصحفي والمحلل السياسي الصهيوني آرون كلاين- في تحليل له في جريدة الـ(يديعوت أحرونوت) الصهيونية- إنه من المتوقَّع أن تُجرَى سلسلةٌ من المباحثات السرية و"الغاية في الصراحة" بين واشنطن وتل أبيب خلال الشهور القليلة القادمة، لتوضيح العناصر الكاملة لخطط الانسحاب وتقييم قابليتها للاستمرار.
وقد أكدت كل من القاهرة وواشنطن وعَمَّان على التمسك ببديل خطة خارطة الطريق التي طرحتها إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في مستهلِّ جولته الرئاسية الثانية قبل عامين، بدلاً من الترتيبات الأحادية، التي تنتويها الحكومة الصهيونية الجديدة بقيادة إيهود أولمرت.
وتبعًا لهذا الحديث فإنه من المرجَّح أن يطلب الرئيس المصري حسني مبارك من إيهود أولمرت خلال محادثات اليوم في شرم الشيخ التخفيف من وطأة الأزمة المعيشية والإنسانية التي يعاني منها الفلسطينيون باعتبار أولاً الجانب الإنساني في الموضوع، وثانيًا خشية أن تؤدِّيَ الأزمة إلى تحولاتٍ أمنيةٍ وسياسيةٍ عميقةٍ تبتلع كل شيء في الأراضي الفلسطينية، وما حولها من مجالٍ حيوي.