خاص - إخوان أون لاين

تشكيك، تجييش، تحشيد، قرع طبول، اتهامات للحركة الإسلامية على أوسع نطاق هذه الأيام.. بالتأكيد ليس ذلك بصورةٍ عفويةٍ، بل في سياقِ حملةٍ منظمةٍ وموجَّهةٍ، الأمر لم يعدْ يقتصر على كتبة التدخل السريع، الذين مَرَدُوا على شنِّ الهجوم على الحركة الإسلامية عند كل منعطف، واستمرءوا اتهامها بـ(اللاوطنية) وضعف الانتماء، فليس هؤلاء الموتورون وحدهم من أفلتوا من عقالهم، وأُطلق لهم العنان في ممارسة هوايتهم بالسب والتخوين، فقد انضمَّ الى الجوقة عددٌ من الكتاب الذين كانوا يحرصون على الوقوف في المناطق الرمادية، ويحاولون إظهار بعض التوازن.

 

ولم يقتصر الأمر على تحشيد الأقلام والصحف، بل تعداه إلى تجييش مؤسسات رسمية وشبه رسمية، دُفعت دفعًا لتشويه الحركة الإسلامية والإساءة إليها وتخوينها، وقد يصل الأمر قريبًا إلى حدِّ تكفيرها وإخراجها من المِلَّة، في الوقت الذي يروج فيه البعض لمحاربة الفكر التكفيري!!

 

ما يجري هذه الأيام ينبئ عن فقدان اتزان وتوازن، واندفاع في اتجاهات غير محمودة، تلحق الضرر بالجميع، وأول المتضررين بها والمتلظين بنارها مَن أشعلوا أَوَارَها.

 

وإذا كان الحديث عن تحديات داخلية وخارجية يواجهها الأردن في هذه المرحلة بفعل المتغيرات السياسية وحالة (اللااستقرار) التي تمر بها المنطقة، فإن آخرَ ما يخدم المصلحةَ الوطنية ويعزِّز قدرةَ الأردن على مواجهة التحديات، هو ضرب التماسك الداخلي، والإساءة إلى أكبر القوى السياسية والشعبية في البلاد، دون مسوغٍ مفهوم، أو مبرر معقول.

 

لشهورٍ مضت، سعى البعض لوضع الحركة الإسلامية في موقع الدفاع عن النفس، وحاول حشرها في خانات وزوايا ضيقة: بالاتهام والتشكيك والتخوين تارة، والتخويف والتهديد تارة أخرى، وبمحاولة التدخل في شئونها الخاصة تارة ثالثة.

 

ويخطئ هذا البعض إن ظنَّ أنه بمثل هذه الأساليب غير الحكيمة سيربك الحركة وينجح في إخراجها عن اتزانها وتوازنها، فالحديث يجري عن حركة راسخة في المجتمع، عميقة الجذور، أكسبتها العقود- لا السنوات فقط- خبرة وقدرة على التعامل بحكمة وحنكة وروية وتقديرًا دقيقًا للأمور، بعيدًا عن التوتر والانفعال والتشنج والارتباك وردات الفعل غير العقلانية وغير المحسوبة.

 

لمصلحة من يُساء للحركة الإسلامية؟ وهل يخدم ذلك مصلحة وطنية أو حتى ذاتية؟ هل غيَّرت الحركة الإسلامية نهجَها وخطها السياسي والفكري وخرجت من جلدها، أو أن الآخرين هم مَن بدَّلوا وغيَّروا سياساتهم ومواقفهم وحساباتهم؟!!

 

الناظر المتمعن في مسار العلاقة بين الحركة الإسلامية والحكومات المتعاقبة حتى فترة قصيرة، لا يحتاج جهدًا كبيرًا ليستنتجَ أن الطرفين حرصا لعدة عقود على نظم وإدامة علاقات متوازنة هادئة رغم التباينات الواضحة في الرؤى والبرامج والسياسات والمواقف.

 

طوال تلك الفترة كان التفهم سيِّدَ الموقف، والتعايش السمة العامة للعلاقة، دون أن يعنيَ ذلك أن العلاقةَ كانت على الدوام (سمنًا على عسل)، فقد شهدت العديد من محطات التوتر والتأزم، غير أن الطرفين كانا باستمرار يدركان الحدودَ التي ينبغي أن يتوقفَ عندها هذا التوتر، ولم تكنْ لغة الصدام وكسر العظم واردةً في قاموس الطرفين.

 

العلاقة التي يمكن وصفها بـ (الإيجابية) حتى وقت قريب بين الحركة الإسلامية والحكومات المتعاقبة، والتي كانت محط إعجاب وتقدير من أوساط سياسية داخلية وخارجية، وموضع نقد وعدم رضا من أطراف أخرى محلية وخارجية، لم يكن ممكنًا نسجها واستمرارها دون رغبة وإرادة قوية من الطرفين وقناعة منهما بأنها تحقق المصالح العامة قبل الخاصّة. وكان واضحًا طوال تلك الفترة أن هذه العلاقة ستكون عرضةً للاضطراب والاختلال في اللحظة التي تضعف فيها إرادة أيٍّ من الطرفين ويَفقد قناعته ورغبتَه باستمرار علاقة التعايش والتفهم.

 

الحكومة تروِّج هذه الأيام أن الحركة الإسلامية غيَّرت وبدَّلت في مواقفها وتوجهاتها، وتعزو التوتر والتصعيد في العلاقة إلى هذا التغيير المزعوم، وحين يطرح عليها السؤال: ما التغيير الذي طرأ على الحركة الإسلامية فكرًا وممارسةً وسلوكًا؟ لا تجد إجابةً مقنعةً، ويتم الحديث حينًا عن اختراق مزعوم من قِبَل حركة حماس للحركة الإسلامية في الأردن، والحديث حينًا آخر عن أن الحركة الإسلامية تؤيِّد أفكارَ التكفير، أو على الأقل لا تواجهها أو تخوض حربًا ضدها، وقد يجري تحميلها مسئولية انتشار هذا الفكر الذي يتناقض مع فكرها وقناعاتها ومنهجها!!

 

ولا تحتاج هذه المبررات المزعومة إلى جهد للردِّ عليها وتفنيدها وإظهار كم هي ضعيفة غير مقنعة، وأَوْهَى من بيتِ العنكبوت، تساق لتبرير التغيير الواضح الذي طرأ على موقف الآخر تجاه الحركة الإسلامية، بل تجاه مجمل الحركة السياسية الأردنية.

 

العالمون بحقيقة الأوضاع في الحركة الإسلامية، والمسئولون في الأردن قبل غيرهم يدركون أن كلَّ حركة إخوانية محلية ترسم سياساتها وتوجهاتها بصورة مستقلة، ويجمعها ببقية شقيقاتها الإخوانية أطر فكرية عامة في القضايا الكبيرة التي تخصّ الأمة، بعيدًا عن الخصوصيات والتدخلات، فضلاً عن الاختراقات المزعومة، وهذا ما يفسِّر عدم سعي الحركات الإخوانية- ومن بينها حماس- لإنشاء تنظيمات فرعية لها في الأقطار التي توجد فيها حركات إخوانية أخرى، بخلاف الفصائل الفلسطينية التي حرصت على إنشاء فروع لها خارج فلسطين، في أي ساحة تيسر لها ذلك.

 

بالتالي يغدو الحديث عن اختراق حمساوي للحركة الإسلامية ضربًا من الهرطقة والوهم والخيال، ونوعًا من الدس والتحريض والبحث عن أي أوراق تبرِّر الهجوم على الحركة الإسلامية وتوجيه سهام النقد لها.

 

أما فرية أن الحركة الإسلامية تقف وراء انتشار الفكر المتطرف في الأردن أو خارجه، وأنها تدعم الأفكار التكفيرية، فهي مقولةٌ أشد ضعفًا وتهالكًا من سابقتها، فكيف يستقيم الزعم بأن الأخوانَ يدعمون أفكارًا تُهاجم فكرَهم ومنهجَهم ولا تتورَّع عن تكفيرهم؟ هل يصدِّق عاقلٌ أن حركةً سياسيةً فكريةً واعيةً تسعى لدعم أفكار معارضيها، بل ومكفِّريها؟

 

ثم ليطرح السؤال بصراحة: من المسئول عن ترويج أفكار التكفير والتشدد في الأردن وفي المنطقة: الحركات الإسلامية العقلانية الراشدة، أم السياسات الرسمية العربية التي هي من جهة أولى تغلق الأبواب أمام أفق العمل السياسي السلمي وتدفع الأمور باتجاه الانسداد والاحتقان السياسي، وتدفع من جهة ثانية عبر ممارساتها القمعية والمتشددة داخل السجون وخارجها وباعتمادها وصفة الحل الأمني بديلاً عن الحوار والحل الفكري والسياسي، فتدفع باتجاه مزيد من التشدد والتطرف، والسياساتُ الرسمية العربية من جهةٍ ثالثةٍ عبر انحيازها المستمر وغير المبرر للولايات المتحدة في ظل جرائمها المباشرة في العراق وأفغانستان وجرائمها غير المباشرة عبر وكيلها الصهيوني، مسئولةٌ عن أجواءِ الغضب والقهر والاحتقان التي تعم المنطقة وعن توفير تربة خصبة للتكفير والتشدد ولتفريخ حالات تفكر بعاطفتها قبل عقلها؟

 

من الواضح أن ثمةَ مخططًا مسبقًا، وهجمةً وحملةً منسقةً، قد وضعت لاستهداف الحركة الإسلامية وتحجيمها وتشويهها والإساءة إليها، تحت أي لافتة أو عنوان أو مبرر، فالمسألة ليست وليدة أحداث معينة، وإنما يتم البحث عن مبررات وحجج للهجوم والاستهداف.

 

يؤكد ذلك بدء الحملة السياسية والإعلامية قبل شهور، واستمرارها وتصعيدها طوال الأسابيع الماضية، واستغلالها لأي مستجد يتيح فرصة الهجوم على الحركة وكَيْلِ الاتهامات لها.

 

أسباب عديدة تفسِّر توقيت الهجوم على الحركة الإسلامية الذي يأخذ صورًا متعددة من التشويه والتشهير والتحريض، فضلاً عن التهديد والوعيد والملاحقة.

 

فلم تَعُدْ خافيةً رغبةُ الحكومة في تأجيل استحقاق الإصلاح السياسي، والنكوص إلى الوراء وإحداث تغييرات كبيرة وانعطافة حادّة في سياساتها وتوجهاتها الداخلية باتجاه تغليب الأمني على السياسي، وتضخيم الحديث عن التحديات والأخطار والتهديدات المحيطة والمحدقة، من أجل تعزيز القبضة الأمنية وتبرير التراجع عن هوامش وسقوف الحرية المتدنية أصلاً.

 

فقد ماطلت الحكومة في تنفيذ الأجندة الوطنية التي صاغتها هي وشكَّلت لجانها، وحوَّلتها إلى توصيات بعد أن وعدت بأن تكون توجهاتها ملزمةً، ما أكد أن حديثها عن التنمية السياسية وتسريع الإصلاح لم يكن أكثر من انحناءة مؤقتة أمام عاصفة الحديث الأمريكي عن نشر الإصلاح والديمقراطية في المنطقة.

 

وتتجه الحكومة هذه الأيام لتمرير قانونها المسمى قانون منع الإرهاب الذي يطلق يد السلطة التنفيذية، وينتهك حقوق المواطنين وحرياتهم، في مؤشرٍ واضحٍ على توجهات المرحلة القادمة، وقد أمعنت الحكومة خلال الشهور الأخيرة في تطبيق قانون الاجتماعات العامة، وتعسفت في استخدام صلاحيات الحكام الإداريين، ومنعت تنظيم فعاليات شعبية في ذكرى الاستقلال وللتأكيد على حق عودة اللاجئين.

 

حديث بعض المسئولين والإعلاميين المحسوبين على الحكومة عن أخطار وتهديدات وتحديات داخلية وخارجية يواجهها الأردن في هذه المرحلة، يميط اللثام عن هواجس تشعر بها الحكومة إزاء مستجدات الوضع السياسي في المحيط الإقليمي.

 

الحكومة- كما تؤكد المؤشرات- تشعر بقلق شديد إزاء المتغيرات التي طرأت مؤخرًا على الساحة الإقليمية، وتروِّج أوساط سياسية وإعلامية في الآونة الأخيرة تصورات عن "حلف" إقليمي مذهبي يشمل إيران وسوريا ولبنان والعراق وفلسطين، ولا تخفي الحكومة قلقها من صعود حركة حماس السياسي في الآونة الأخيرة.

 

الغريب في الأمر أن الحكومة والمحسوبين عليها من سياسيين وإعلاميين لا يتحدثون عن خطر المشروع الصهيوني التوسعي كواحد من التحديات التي تهدد حاضر الأردن ومستقبله، بل يجري الدفاع عن العلاقة الحميمة غير المفهومة أو المبررة مع الكيان الصهيوني الذي لا يتورع عن ارتكاب أفظع الجرائم وأبشعها، غير عابئ بعلاقاته مع الأردن وبقية الدول العربية التي ارتبطت معه باتفاقات ومعاهدات، أليس غريبًا أن تنطلق كلمة واحدة من الرسميين أو المحسوبين عليهم تصف جرائم العدو بأنها إرهاب وإجرام وحشي يستحق الإدانة!!

 

تطورات الأحداث خلال الفترة الماضية أظهرت خطأ حسابات الحكومة التي جاءت رياح التغيير في المنطقة بخلاف توقعاتها وتوجهاتها، وظهر جليًّا حجم الضرر الناتج عن الارتباط بالتوجهات السياسية الأمريكية من حيث تحمّل بعض تبعات فشل المشروع الأمريكي في المنطقة.

 

إن خوض معارك الآخرين وتبنيها في إطار الحرب الأمريكية المزعومة على الإرهاب بعد 11 سبتمبر، يلحق أفدح الضرر بالمصالح الوطنية، ويعود باستحقاقات وأعباء لا مبرر لها. وما يجنِّب الأردن مواجهة انعكاسات سلبية للتحديات الإقليمية والدولية ويحقق المصالح الوطنية العليا، هو ترك مسافة معقولة عن السياسات والتوجهات الأمريكية البغيضة في المنطقة، واعتماد سياسة محايدة بعيدة عن أي توتر أو توتير أو استفزاز أو استعداء في العلاقات الإقليمية، من أجل تحاشي دفع أثمان لا مبرر لها ولا مسوّغ، وحتى لو سلمنا جدلاً بالقراءة الحكومية للتحديات الخارجية، فهل من الحكمة والعقل والمنطق استعجال الأثر السالب لتلك التحديات عبر سياسة التوتير والتصعيد الداخلي والخارجي؟!

 

الأسلوب الأنسب والأنجع لمواجهة التحديات يتم من خلال تحصين الجبهة الداخلية وتماسكها، وتوسيع هوامش الحرية، وإحداث حالة انفراج سياسي، والتفاهم مع القوى السياسية والشعبية وفي مقدمتها الحركة الإسلامية، أما تأزيم الأمور ودفعها نحو مزيد من الاحتقان والتشنج والتوتر، فإنه آخر ما يخدم المصالح ويعين على مواجهة التحديات.

 

إن الرهان على أن كتابات بعض الحاقدين على الحركة الإسلامية ستنجح في خداع المواطن وتضليل وعيه وهمٌ كبير؛ فالشعب الأردني الوفي الذي خبر الحركة الإسلامية عبر عشرات السنين وعرفها حق المعرفة قادرٌ على التمييز بين الصالح والطالح، بين الغثِّ والسمين.

 

هذه الهجمة لا ترهب الحركةَ الإسلامية ولا تخيفها، ولن تدفعَها إلى التخلِّي عن رسالتها وأهدافها، ولن تحرفها عن مسارها ورؤيتها الراشدة وتوجهاتها العقلانية المتوازنة.

 

لمصلحة من إظهار الأردن كطرف مأزوم مستهدف ومهدد؟ هل يخدم ذلك مسيرة الاستثمار التي يتحدث عنها البعض، أو أن الذي يخدمه أردن آمن مستقر محصن الجبهة الداخلية، وثيق العلاقات مع محيطه العربي والإسلامي؟

 

لمصلحة مَن الإساءة إلى الحركة الإسلامية واستهدافها، وهي مكون أساس من مكونات الوطن، وجزء رئيس من نسيجه الوطني، وركيزة مهمة من ركائز الوحدة والبناء والاستقرار والأمن في البلد، فليتوقف هذا العبث.