كتب- سمير سعيد

شهدت العاصمة السودانية الخرطوم مؤخرًا جولةً للحوار بين الحكومة الصومالية الانتقالية وبين اتحاد المحاكم الشرعية الإسلامية الصومالية، وهي القوة الرئيسية حاليًا في البلاد، وذلك بدعوة من جامعة الدول العربية لحل الأزمة الصومالية وإنهاء حالة الفوضى في هذا القطر العربي الأفريقي الفقير والمأزوم.

 

 الرئيس الصومالي عبدالله يوسف

 

جاءت استجابة الحكومة الانتقالية لدعوة الجامعة العربية على غير رغبتها؛ حيث إن الحكومة الانتقالية في بيداوا ضد اتحاد المحاكم الإسلامية صراحةً، وترى في الأخيرة أنها سلبتها كلَّ شيء وتتهمها بأنها تحظَى بدعم دولي ممن تدعوهم بـ"الإسلاميين المتطرفين" وتنظيم القاعدة- الأمر الذى يعني تبنيًا واضحًا للموقف الأمريكي في هذا الصدد- كما تُطَالِب الحكومة اتحاد المحاكم الإسلامية بنزع سلاح أفراده، ووقف تقدم قواته، وفتح الباب أمام الحكومة لدخول العاصمة مقديشيو بترحاب كبير ودون كثير جدل سياسي.

 

ولم تكتف الحكومة الانتقالية بكل هذا، بل طالبت الحكومة بأن يقبل اتحاد المحاكم الشرعية بقرار البرلمان الانتقالي المُطالب بتدخل قوات من الاتحاد الإفريقي لدعم الحكومة لتفرض سيطرتها على البلاد، وقد جعلت الحكومة كل ما سبق شروطًا مسبقةً للحوار مع المحاكم التي لم تقدم في المقابل أيَّ شروط للحوار الذي جرى في الخرطوم، ولكن بعد أن طرحت الحكومة شروطًا كهذه- رغم أنها لا تملك أي أوراق على الأرض- قام اتحاد المحاكم الشرعية هو الآخر بفرض شروط، أهمها رفض قرار البرلمان بدعوة قوات إفريقية للتدخل في البلاد، وأن يكون الحوار بلا شروط من أي نوع.

 

وفيما يتعلق بقبول الحكومة الانتقالية لمساعي جامعة الدول العربية للحوار بين الطرفين فقد كانت الحكومة مجبرةً على قبول دعوة الجامعة لعقد لقاء الحوار في الخرطوم؛ خشيةَ أن تخسر ورقة الجامعة التي تعطيها الشرعية عربيًّا، خاصةً أنها عضو في الجامعة، وهذا القبول يقود الحكومة إلى الاعتراف بالاتحاد وقوته على الأرض، وأنه طرفٌ قويٌّ يملك أوراقًا كثيرةً للتفاوض وله مطالبه التي تتناسب وحجم قوته.

 

وعلى عكس الحكومة التي تطالب بتدخل إفريقي ودولي في الشأن الصومالي، فإن اتحاد المحاكم يرى أن أي تدخل غير عربي للوساطة لحل الأزمة الصومالية غير مطلوب وليس له أي قيمة سوى أنه يزيد الوضع توترًا وسوءًا، ومع عقد جولة الحوار الأولى توصل الطرفان إلى الاعتراف ببعضهما البعض، وإنهاء أي احتمال للقتال بين الطرفين، مع وقف الحملات الإعلامية بين الجانبين، وهو تطورٌ إيجابيٌّ في حد ذاته، ويفتح الطريق أمام المزيد من التقدم في الحوار، وهو ما رحَّبت به الجامعة العربية، إضافةً إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، وعدة أطراف دولية أخرى ولكن يجب النظر بعين الاعتبار إلى أن الأطراف ذات المصلحة في استمرار الفوضى في البلاد- مثل إثيوبيا والولايات المتحدة- لن تعدم الوسيلة لإفشال هذا الحوار خاصةً إثيوبيا التي تعتبر المُحرك الرئيسي للحكومة الانتقالية، ولها سيطرة كبيرة عليها، وحوار من هذا النوع ليس في مصلحتها، خاصةً بعد خسارة أمراء الحرب والمليشيات التي كانت تدعمهم أمام المحاكم؛ مما يفتح الباب لمزيد من التدخل الإثيوبي عسكريًّا وسياسيًّا في البلاد.

 

وبوجه عام فإن ما تم التوصل إليه في الخرطوم يفتح الباب على مصراعيه للعديد من الأسئلة: ما هي حقيقة الوضع الآن في الصومال؟ وما هو موقف الأطراف المتورطة في هذه الأزمة؟ وما هو مستقبل هذا الحوار بين طرفي الفعل السياسي الأساسيين في الصومال؟
لا بد من الإشارة إلى بعض الحقائق حول الصومال، أولها حالة التفتت التي شهدتها هذه الدولة، بدايةً من 18 مايو من العام 1991م، مع إعلان استقلال ما عُرِفَ بـ"جمهورية أرض الصومال" وإعلان نفسها جمهوريةً مستقلةً، في العودة للوضع الذي كانت عليه قبل العام 1960م؛ حيث كانت حينها محميةً بريطانيةً، وفي ذلك العام تم ضمها إلى الصومال الإيطالي ليُكَوِّن