تحليل يكتبه: سمير سعيد
أوشك اليوم الحادي عشر من العدوان الصهيوني المتواصل على لبنان على الانتهاء مع خسائر عسكرية كبيرة نسبيًّا في جانب الصهاينة، وبالمقابل إنجازاتٌ وانتصاراتٌ عسكريةٌ للمقاومة اللبنانية.
حتى الآن نجح حزب الله في تحقيق كل أهدافه تقريبًا مقابل إخفاقٍ وفشلٍ ذريعٍ للكيان الصهيوني وجيشه الذي يفخر بعدَّته وعتاده، ليس على مستوى المنطقة فحسب، بل على مستوى العالم أجمع؛ مما يجعل معه حجم انتصار المقاومة في معاركها حتى الآن على نفس المستوى، وهو ما ظهر في وسائل الإعلام العالمية التي أشادت بأداء المقاومة اللبنانية وصمودها، رغم حرب "الأرض المحروقة" التي تشنُّها العسكرية الصهيونية على لبنان برًّا وجوًّا وبحرًا.
ويمكن إيجاز أهداف المقاومة اللبنانية في التالي:
- عودة حزب الله إلى أضواء المقاومة والانتصارات العسكرية على جيش الاحتلال الصهيوني، والتي زالت عنه تقريبًا بعد الانسحاب الصهيوني من الجنوب اللبناني.
- إسقاط أسطورة الجيش الصهيوني الذي لا يقهر في مواجهة حزب الله.
- إثبات أن حزب الله هو القوة العسكرية الأولى في لبنان وأنه عصيٌّ على الافتراس، سواءٌ داخليًّا (في مواجهة مليشيات جنبلاط وجعجع وعون وحتى أمل) أو خارجيًّا (في مواجهة الكيان الصهيوني والولايات المتحدة).
- إعطاء رسالة قوية لكل المطالِبين بنزع سلاح حزب الله بأن هذه المهمة لن تكون سهلةً، بل إنها باتت أصعب من ذي قبل، مع تدعيم الحزب لبنيته العسكرية والمخابراتية.
- إجراء تجارب عملية للأسلحة التي بحوزة الحزب والأسلحة الجديدة التي زوَّدته بها إيران.
- كسب التأييد الشعبي على المستويين اللبناني والعربي.
- تخفيف الضغط الأمريكي الغربي والصهيوني على الجبهة الإيرانية بحكم الارتباط الإستراتيجي بين كل من الحزب وإيران، إضافةً إلى الارتباط العقائدي حيث المذهب الشيعي.
مكاسب حزب الله
ويمكن القول بأن الحزب نجح حتى الآن في تحقيق هذه الأهداف؛ حيث أصبح الآن في دائرة الضوء إقليميًّا وعالميًّا، وأصبحت عملياته وصواريخه تحتل صدارةَ العناوين الرئيسة لوسائل الإعلام العربية والعالمية والصهيونية أيضًا!!
كما نجح الحزب في كسب التأييد الشعبي على المستوى العربي، والآن أصبح من المعتاد أن ترى في كافة العواصم العربية وحتى الغربية مسيراتِ دعمٍ للمقاومة اللبنانية في مواجهة العدوان الصهيوني.
كما أثبت الحزب نجاحًا ميدانيًّا منقطعَ النظير على القوات الصهيونية، خاصةً البرية والبحرية، بعد أن دمر بارجةً عسكريةً ونجح في قنص عدد من قوات الوحدات الخاصة والمختارة في الجيش الصهيوني، كما نجح في استهداف الدبابات الصهيونية (ميركافا- 4) التي توصف بأنها الأكثر تطورًا بين الدبابات في العالم؛ حيث يعتبر هذا الطراز الأكثر أمنًا في العالم، وهو ما يعد تطورًا مهمًّا في مواجهة من نوع آخر بين آلة التصنيع العسكري الصهيونية الأمريكية وآلة التصنيع العسكري الإيرانية التي نجَحت في تطوير صاروخ أمريكي لتزيد فعاليتَه بحيث يواجه أقوى أنواع الدبابات المدرَّعة.
حيث تتمتع بتدريع متطوِّر، وتَستخدم ماسورة ملساء عيار 120 مم قادرةً على إطلاق قذائف موجهة، حتى إنه يُتوقَّع استخدامُها من مدفع الدبابة (ميركافا- 4)، وتشير التقديرات إلى أن تل أبيب قد أنتجت 1500 دبابة ميركافا على الأقل، ولم تصدر تل أبيب الدبابة ميركافا للخارج حتى الآن.
وقد تم تصميم الميركافا على أساس توفير أكبر فرصة ممكنة للحفاظ على حياة طاقمها، فيوجد محرك الدبابة في الأمام من أجل توفير حماية زائدة للطاقم، وتوجد عند بوابة الدبابة مظلةٌ مختصةٌ بوقاية قائد الطاقم من القصف غير المباشر في حالة ضرورة فتحها، والدبابة مصفَّحة بنوعٍ خاصٍّ من الدرع المتباعد، بالإضافة إلى تصفيح خزائن الوقود والذخيرة.
كما أثبت الحزب من خلال تصدِّيه لقوات الاحتلال وعدم تضرُّره بشكل واضح أنه أكبر قوة عسكرية في لبنان وحتى أكبر وأقوى من الجيش اللبناني الذي لم يسمع أحدٌ عنه حتى الآن وسط كل هذه المعارك سوى أخبار حول قتل عناصره أو ضرب آليات ومقرات تابعة له فقط.
وهذا الوضع جعل قادةَ المليشيات يتحركون لمعاونة الاحتلال الصهيوني عسكريًّا ومخابراتيًّا، وعلى رأسهم الزعيم وليد جنبلاط والزعيم الماروني الجنرال سمير جعجع، وهما مشهوران بعلاقاتهما المشبوهة مع الكيان والقوى الخارجية منذ الحرب الأهلية اللبنانية، والتحرك الحالي يهدف إلى تحجيم الحزب ومساعدة الكيان في هذا التحجيم استعدادًا للقضاء على الحزب.
أما فيما يتعلق بتخفيف الضغط على الجبهة الإيرانية فقد نجح الحزب في هذا أيضًا وإن كان مرحليًّا، فقد جاءت عمليات حزب الله قبل قمة مجموعة الثماني الكبرى، وقد كان هناك إجماعٌ غربيٌّ قبل القمة على فرض عقوبات على إيران واتخاذ خطوات أكثر شدةً معها ليأتي موضوع الحرب بين الحزب والكيان؛ ليغطي على كل شيء ويتم تأجيل الإجراءات الغربية تجاه الملف الإيراني لحين معالجة أمر الحرب الدائرة في لبنان!!
أما عن خسائر الحزب فكانت وفْق بعض وسائل الإعلام الغربية والصهيونية لا تتعدَّى الـ10% من قوة الحزب، وهو ما يعني أن الحزب ما زال بقوته، فقط كانت خسائر المدنيين والخسائر اللبنانية على كافة المستويات هي التي فاقَت الحدودَ لتتحوَّل لبنان إلى دولة منكوبة.
على الجانب الآخر كانت هناك أهدافٌ من الحملات العسكرية على لبنان، وسعَى الجيشُ الصهيونيُّ بكافة أذرعه لتحقيقها، فما هي هذه الأهداف؟ وما هو الذي تحقق منها؟!
يمكن تلخيص أهم الأهداف الصهيونية التي وضعتها المؤسسةُ العسكرية الصهيونية في النقاط التالية:
- إطلاق سراح الجنديين الصهيونيَّين المأسورَين لدى حزب الله، وإلى الآن لم يحقق الكيانُ الصهيونيُّ أيَّ تقدم إزاء ذلك، لا من خلال المخابرات أو العمل العسكري، فحتى هذه اللحظة لا تعرف حكومة الكيان مصيرهما ولا أين يوجدان!!
- التخلص من قيادات الحزب، من خلال تصفيتهم على يد العملاء، أو عن طريقهم تحديد أماكن وجود هذه القيادات، ومن ثم تقوم الوحدات المختارة الصهيونية أو سلاح الجوّ بإنجاز المهمة، وحتى الآن لم ينجح الكيان في تصفية أو اغتيال أي قيادة من حزب الله، وهو ما يُعَدُّ فشلاً كبيرًا مع حجم العملاء الضخم الذي يمتلكه الكيان في لبنان، إضافةً إلى الدعم العسكري والتعاون مع بعض القوى داخل لبنان.
- تحقيق هدف تكتيكي يتمثل في شنِّ غارات جوية وبرية تضرب مواقع الحزب ومنصَّات الصواريخ, وبذلك توقِف إطلاق الصواريخ التي هزَّت الكيان، مُسبِّبةً الرعب والفزع لدى كافة سكان الكيان، وبالإضافة إلى وقف النزيف الاقتصادي الذي تسبَّبت فيه هذه الصواريخ من أضرارٍ جسيمةٍ لعدد من القواعد العسكرية وميناء حيفا، وانهيار السياحة، وتضرُّر كافة القطاعات الاقتصادية، وإغلاق كافة مؤسسات الكيان في الشمال، إضافةً إلى تضرر محطات الكهرباء والمياه, وهو ما لم تفلح قوات الاحتلال في تحقيقه، فحتى الآن ما زالت الصواريخ تتحرك وما زالت تتساقط كالمطر وما زالت الخسائر في ازدياد.
- الهدف الثالث تجريد حزب الله من سلاحه تمهيدًا للقضاء عليه كحركة عسكرية والتخلص منه كأحد بؤر القلق العسكري للكيان، والتي تهدد استقراره واستقرار الحكومة معه، وهذا فشل فيه الكيان وجيشه؛ حيث ما حدث هو العكس، الحزب ما زال بكامل قوته العسكرية حتى الآن، وما زال يوجه ضرباته في كل مكان، بل وتزايَدَ خطرُه العسكريُّ، وأصبح يمثل تهديدًا كبيرًا لكل مناطق شمال ووسط الكيان، وصواريخه تطول كل بقعة في هذه المناطق.
- اتباع الجيش الصهيوني تكتيك التوغلات و"اختبار الدفاعات"؛ حيث يتم فيها إرسال فرق استكشاف لعملية محدودة ثم تعود، وخلالها يتم اختبار دفاعات الخصم وطريقة انتشاره، والتكتيك الذي يستخدمه والصواريخ التي لدى حزب الله، وهذا ما فشلت القوات الصهيونية فيه حتى الآن، فقد تم صدُّ عمليات التوغل مع قنص عدد كبير من قوات الوحدات الخاصة، ووقف زحف الدبابات، بجانب الفشل المصاحب في تحديد طريقة انتشاره وأماكن تواجده.
- إثبات إيهود أولمرت (رئيس الوزراء) وعمير بيرتس (وزير الدفاع) (المدنيان) بأنهما قادران على إدارة الكيان والمؤسسة العسكرية الصهيونية، وبمتابعة الأنباء الواردة من داخل الكيان اتضح أن أولمرت ليس لديه أية خبرات عسكرية هو ووزير دفاعه، ومن ثم تركا الأمر لمسئولي المخابرات والجيش بعمل أي شيء لإنقاذ سمعة الاثنين وحكومتهما.
- وفي الإطار نفسه كشف موقع "عنيان مركزي" العبري أن وزير الدفاع عمير بيريتس كثيرًا ما يتعرض لمواقف محرجة بالنسبة لسؤال وسائل الإعلام، وخاصةً المراسلون العسكريون، حول الوضع في لبنان وغزة، وأخذ يبحث خلال الأيام الماضية عن أي قيادة عسكرية سابقة مقرَّبة منه في حزب العمل لمنصب مستشار وزير الدفاع؛ حتى يقوم الأخير بإفهام بيرتس بما يدور من حوله بعد أن أصبح "مغيبًا" داخل وزارته!!
وبناءً على ما سبق علَت الأصوات داخل الأحزاب الصهيونية المتطرفة وبين جموع المستعمرين اليهود، وخاصةً مستعمرو شمال فلسطين، باستقالة رئيس الوزراء ووزير دفاعه؛ لأنهما لا يقدران على إدارة المعركة وحماية أمن الكيان، فيما تتولى الهزائم العسكرية على يد المقاومتين الفلسطينية واللبنانية، وأبرز ما جاء في هذا الإطار ما نشرته "يديعوت أحرنوت" (12/7/2006م) تحت عنوان "الهزائم تتكدَّس يا أولمرت" لتعدد الصحيفة الخسائر التي جناها الكيان على يد المقاومتين في فلسطين ولبنان في عهد أولمرت.
- أعلنت حكومة الكيان منذ أيام أنها ستجتاح الجنوب اللبناني لاستئصال حزب الله نهائيًّا من الجنوب، وبدأت في استدعاء الاحتياط لحشد أكبر عدد من القوات في حملة توغُّل ضخمة مع استمرار سلاح الجوّ الصهيوني في قصفه ممهّدًا لدخول القوات البرية والوحدات الخاصة للفَتْك بحزب الله، كما صرَّح قادة الكيان، ولكن حتى الآن فشل سلاح الجو الصهيوني في تهيئة الأرض لدخول القوات البرية وفشلت القوات البرية في التوغل وكانت الخسائر جسيمةً، ولم تصبح أمام الصهاينة خياراتٌ كثيرةٌ؛ لأنهم يضربون خصمًا غير ظاهر لهم، وما يضربونه اليوم هو الشيء الظاهر من جسور وطرق الإمدادات والمباني، بينما هناك عناصر ومخازن أسلحة وأنفاق يحتاج الوصول إليها دخولاً بريًّا لم ينجح الكيان في إنجازه حتى الآن.
خسائر غير مسبوقة
وقد خسرت حكومة العدو في هذه الحرب مع حزب الله عددًا كبيرًا من الجنود والضباط الصهاينة، وهذه الأرقام حتى الآن غير معلنة، ونسبة كبيرة منها ترجع إلى الوحدات الخاصة والمختارة، الأمر الذي يعني عِظَم الخسائر الصهيونية, كما دمَّرت المقاومة اللبنانية عددًا من الدبابات الصهيونية وتسبَّب قصف الصواريخ على الكيان في تدمير طائرة معدَّلة من طراز إف 16 يبلغ ثمنها ما يقرب من نصف مليار شيكل.
وهناك الهزيمة النفسية؛ حيث الرعب والفزع الذي يسيطر على الصهاينة في كل فلسطين المحتلة، وما زال عددٌ كبير منهم يقبعون في الملاجئ، وهو ما أشار إليه "عنيان مركزي", فتحْت "سبت آخر في الملاجئ" كتب يقول إن هذا هو السبت الثاني, وهو اليوم المقدَّس لدى اليهود, الذي يقضيه الصهاينة في الملاجئ بدلاً من المقاهي والنوادي والمصايف في هذا الجو الصيفي؛ حيث إن يوم السبت هو يوم العطلة، ولكن جاءت صواريخ المقاومة اللبنانية لتفسد على الصهاينة إجازتهم، بل وكل حياتهم، وأصبح الآلاف هناك يُعالجون من الأمراض النفسية التي نشأت على خلفية الوضع الحالي.
وإضافةً إلى هذا الفشل هناك الخسائر الاقتصادية في كافة المجالات، أبرزها السياحة التي وصلت الخسائر فيها 100% في معظم مناطق الكيان، إضافةً إلى هروب الاستثمارات الأجنبية والصهيونية إلى الخارج ووقف وإغلاق عدد كبير من المصانع والشركات بعد أن دمّر بعضها، وبالتالي زيادة نسبة البطالة.
أيضًا هناك خسارةٌ ولكن على مستوى آخر وأخطر، وهي خسارة الحرب الإعلامية وفضح الصورة الحقيقية للصهاينة ومجازرهم وإرهابهم ضد الشعبَين الفلسطيني واللبناني، وهو الأمر الذي دفع رئيس الوزراء الأسباني نهاية الأسبوع الماضي إلى ارتداء الكوفية الفلسطينية تعبيرًا عن اعتراضه على الممارسات الصهيونية في كل من لبنان وفلسطين.
وقد وصل الأمر أيضًا إلى انتقاد الصحف الصهيونية للمجازر التي ترتكبها القوات الصهيونية ضد المدنيين العزَّل في غزة ولبنان: "حرب ظالمة بحق لبنان وفلسطين" (هآرتس 16/7/2006م) و"كفى للحرب.. ألا ترون الصور إلا عبر فوَّهات المدافع" (معاريف 16/7/2006م).
هذا يعني فشل الجهود التي بذلتها الخارجية الصهيونية من اندلاع الانتفاضة الفلسطينية لتجميل وجه الكيان في الخارج.