تقرير- حسين التلاوي

كان للإخفاق الصهيوني في تحقيق الأمن جراء الانسحاب من قطاع غزة- على الرغم من مرور عام على ذلك الانسحاب بالإضافة إلى الهزيمة التي مُنِيَ بها الصهاينة في لبنان مؤخرًا- تداعياتٌ كبيرة على القيادات السياسية والعسكرية الصهيونية، إلى جانب الأثر الكبير الذي تركته في أسلوب تعاطي الصهاينة مع العرب، وقد وَضُحَ ذلك على المستوى الميداني في التصعيد الوحشي ضد الفلسطينيين في غزة لإعادة الهيبة إلى الجيش الصهيوني لمحو آثار الهزيمة التي لحقت به في الجنوب اللبناني.

 

كذلك كان هناك أثر سياسي عميق، وهو التأكد من عجز القوة الصهيونية عن حل المشكلات واكتشاف الصهاينة أنهم ليسوا بالقوة التي تكفل لهم تحقيق أهدافهم السياسية، وبالتالي جاء الأثر السياسي للهزيمة الصهيونية في لبنان ممثلاً في تأجيل رئيس الوزراء الصهيوني إيهود أولمرت خططَ الانسحاب أحادي الجانب من الضفة الغربية، والتي كان أولمرت يعد العدة لتنفيذها بصورة فعلية في الفترة القادمة لولا الحرب على لبنان.

 

عام على الانسحاب

خلال الفترة التي تلت الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة، أُثيرت العديد من القضايا التي تستحق الانتباه:

 

 عملية الانسحاب الصهيوني من غزة (أرشيف)

 

1- لم ينسق الصهاينة مع السلطة الفلسطينية، وحاولوا أن يتركوها لكي تتحلل ذاتيًّا جراء ما حسبوه أنه فوضى ستقع في القطاع، الأمر الذي يبرِّر لهم بعد ذلك الدخول إلى غزة بصورة شرعية بدعوى الدفاع عن "الأمن الإسرائيلي"، إلا أن ذلك لم يحدث، فعلى الرغم من أن الوضع قد اضطرب قليلاً في غزة إلا أنه عاد واستقر وأجرى الفلسطينيون انتخاباتٍ نزيهةً في يناير من العام الجاري أسفرت عن صعود حركة المقاومة الإسلامية حماس لتولي الحكومة الفلسطينية، ما أدى إلى تنامي تيار المقاومة، وبالتالي فإن المقاومة كانت هي البديل عن الفوضى التي أرادها الصهاينة في القطاع.

 

وقد دعا هذا الوضع الصهاينة- بدعم من الأمريكيين وبعض القيادات في حركة فتح- إلى اتخاذ العديد من الإجراءات لضرب الحكومة الفلسطينية، ومن بينها الحصار السياسي والتوغل العسكري في القطاع، إلى جانب عمليات خطف نواب ووزراء الحكومة الفلسطينية التابعين لحركة حماس وتصفية قيادات المقاومة، وهي الإجراءات التي أدت إلى الأزمة الإنسانية الحالية في قطاع غزة، والتي أسهمت في أمرين الأول ارتفاع شعبية تيار المقاومة، وهو ما وضع في تطور أداء الفصائل الفلسطينية على المستوى النوعي في عمليات إطلاق الصواريخ إلى جانب حدوث توافق فلسطيني على حكومة وحدة وطنية دعت إليها حماس في البداية، ولم يسمع لها أحد بسبب الضغوط الصهيونية.

 

2- النتائج العكسية التي أدَّى إليها التدخل الصهيوني في قطاع غزة بعد الانسحاب لتفادِي صعودِ تيار المقاومة ارتدت في الداخل الصهيوني على شكل أزمة سياسية كبيرة للغاية، حيث استقال حزب الليكود من الحكومة السابقة، وبالتالي بدأ الحديث عن انتخابات مبكرة أدت إلى فوز متوقع لحزب كاديما بزعامة إيهود أولمرت، إلا أن الفوز لم يكن مقنعًا حيث جاء فقط بسبب محاولة الصهاينة "تكريم" رئيس الوزراء السابق أرييل شارون مؤسس الحزب، وبالتالي أدى الفوز غير المقنع إلى حكومة توازنات سياسية في الداخل الصهيوني جاءت ببعض الشخصيات التي لم يكن لها أن تأتيَ في مناصبها، ومن أبرزها زعيم حزب العمل عمير بيريتس الذي جاء في منصب وزير الحرب في إطار توافقي، حيث كان يطلب وزارة المالية أو الخارجية، إلا أن أولمرت رفض ومنحه تلك الوزارة "تعويضًا"، كما كانت هناك ثغرة في منح وزيرة العدل تسيبي ليفني وزارة الخارجية، الأمر الذي أربك السياسة الخارجية الصهيونية وجعلها غير قادرةٍ على التفاعل مع متطلبات الظروف المتغيرة سواء إقليميًّا أو دوليًّا.