تقرير- أحمد التلاوي
أطلق الشيخ حارث الضاري- الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق- مبادرةً للمصالحة الوطنية، وأعلن في تصريحات تليفزيونية أنَّه مستعدٌّ للقاء المرجعية الشيعية العُليا في العراق من أجل إنهاء الخلاف في البلاد وإخراجها من "الحالة الخطيرة" التي يعيشها، نافيًّا أن يكون للأزمة بعدٌ طائفيٌّ أو مذهبيٌّ، واصفًا الخلافَ بأنَّه سياسيٌّ تقف وراءه بعض الجهات المدعومة من الاحتلال.
وتأتي مبادرة الضاري في توقيت حسَّاس بالنظر إلى أنَّها تترافق مع تصاعد كبير لأعمال العنف في البلاد، وخاصةً في العاصمة بغداد، على الرغم من الخطة الأمنية التي يُطَبِّقها الاحتلال والحكومة العراقية فيها، بالإضافة إلى انسحاب القوات الأجنبية من مناطق في البلاد وتسليمها السلطة للعديد من الجهات التي تثور حولها شبهات بالطائفية؛ ما يعزز المخاوف من اندلاع حرب أهلية في البلاد، وهي الحرب التي بدأت العديد من التصريحات تخرج بشأنها.
كما أنها تترافق مع بعض التحركات الأخرى من جهات عربية سُنِّية- وخاصةً العشائر- ومن جانب آخر مع مواقف رسمية، فهناك تصريحات نائب الرئيس العراقي عادل عبد المهدي حول وجود اتصالات بين الحكومة وفصائل من المسلَّحين؛ بهدف إنهاء العمليات المسلحة وانخراط تلك الجماعات في العملية السياسية، وبالتالي فإن التحركات السياسية تتفاعل إلى جانب تفاقم مستوى أعمال العنف بالعراق، فما الهدف من هذه التحركات؟ وما فُرَص تحقيقها نتائج إيجابية؟!
منظومة تحرك سنية
تكتسب المبادرة التي أعلنها الأمين العام لهيئة علماء المسلمين أهميتَها من أنَّها تأتي من أكبر مرجعية دينية سنية في العراق، الأمر الذي يؤكد أنَّ العرب السُّنَّة يريدون بالفعل الاندماج في العملية السياسية التي تؤدي في النهاية إلى خروج قوات الاحتلال بكافة جنسياتها من البلاد، ويمكن إضافة العديد من المؤشرات التي تؤكد وجود تحرك سُنِّي مكثف:
1- يعقد اليوم المؤتمر العام الأول للعشائر العراقية في العاصمة بغداد؛ بهدف مناقشة العنف الطائفي الآخذ في الازدياد بصورة مطردة؛ بما قد يؤثر على الوحدة الوطنية في البلاد، وتشكِّل القبائل السنية الأغلبية بين القبائل العراقية، الأمر الذي يعني أن انعقاد هذا المؤتمر يعبِّر عن رغبة القبائل السنية في حشد الجهود لدعم العملية السياسية، إلا أن الهدف الرئيسي منها هو إنهاء الاحتلال ودعم الوحدة الوطنية، وقد أكد ذلك نائب رئيس الوزراء لشئون الأمن والخدمات الدكتور سلام الزوبعي، الذي قال إن شيوخ ووجهاء العشائر يلعبون دورًا كبيرًا في تجسيد مبادئ الوحدة الوطنية بين العراقيين، وذلك خلال استقباله لعدد من شيوخ ووجهاء عشائر منطقة المحمودية ومدينة الحلة.
2- تأتي دعوة الضاري بعد انضمام الحزب الإسلامي في العراق للعملية السياسية في البلاد؛ بهدف رئيسي هو إخراج الاحتلال، وقد أكد نائب رئيس الجمهورية والأمين العام للحزب طارق الهاشمي أن دخول الحزب في العملية السياسية- على الرغم من وجود الاحتلال في البلاد- يأتي كاجتهاد من أجل إنهاء الأزمة السياسية وعدم الرغبة في تهميش قطاع واسع من العراقيين عن المشاركة السياسية، وقد أدَّت مشاركة بعض الشرائح السنية بقيادة الحزب الإسلامي في العملية السياسية إلى وصول الهاشمي لمنصب نائب رئيس الدولة، بالإضافة إلى تولِّي محمود المشهداني منصبَ رئيس البرلمان، وقد كان المشهداني مرشح جبهة التوافق الوطنية العراقية التي يمثل الحزب الإسلامي أكبر مكوِّن سياسيٍّ لها.
3- تحمل الأجواء السياسية في العراق حاليًا مؤشراتِ حوارٍ بين الحكومة والعديد من فصائل المقاومة العراقية؛ بهدف دمج تلك الفصائل في العملية السياسية، إلا أن تلك الفصائل لا تريد المشاركةَ السياسيةَ لمجرد المشاركة ولكن لإنهاء الاحتلال كهدف رئيسي لها.
وبصفة عامة أسفرت المشاركة السياسية من جانب السُّنَّة عن نجاح المشاركين في حمل مطالبتهم بتعديلات في الدستور، وفي مقدمتها إلغاء البنود التي تقول بالفيدرالية كنظام حكم للبلاد، وهو ما سيقود في مرحلة من المراحل لتقسيم البلاد، وبالتالي فإن مشاركة السنة في العملية السياسية قد أدَّت إلى وقف مخططات التقسيم ومنح الفرصة لتعديلات دستورية تلغي هذا الخطر تمامًا، بالإضافة إلى العمل على الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية للعراق بإجراء التعديلات الدستورية التي تضمن ذلك.
في هذا السياق من الرغبة التوافقية السنية تأتي مبادرة الشيخ حارث الضاري أمس؛ حيث إنها تسعى لإكمال ما بدأ وإنقاذه في ذات الوقت، فالمبادرة تسعى إلى منع نشوب حرب أهلية في البلاد، الأمر الذي يتفق مع الأهداف السنية في منع تقسيم البلاد عبر الدستور.
كما أنها تعمل على فضح مخططات الاحتلال من خلال التأكيد على وجود بعض الجهات المستفيدة من وجوده، والتي تعمل على استغلاله في حماية مخططاتها التي تهدف بالدرجة الأولى إلى تقسيم العراق على أسس طائفية تنتهي بدولة شيعية في الجنوب وأخرى سنية في الوسط وثالثة كردية في الشمال؛ حيث أكد الضاري أن الأصل في تدهور المشهد العراقي حاليًا هو الخلاف السياسي المدفوع من جانب الاحتلال الأمريكي الذي يُعتبر مستفيدًا من تقسيم العراق في ضرب التجربة القومية بالعراق وإيجاد دول تابعة له في المنطقة العربية هو المسئول الأول عن وجودها.
بهذه الكلمات عبر الضاري عن أساسين مهمَّيْن يرتكز عليهما العمل السياسي السُّنِّي، وهما: الوحدة الوطنية سواء بالحفاظ على وحدة العراق أو منع نشوب حرب أهلية في عراق موحَّد تنتهي به إلى عراق منقسم، إلى جانب الأساس الثاني وهو إنهاء وجود الاحتلال وتحميله المسئولية عن أيةِ خسائر أو ارتباك على المستويين السياسي والميداني تعاني منهما البلاد حاليًا؛ ما يجعل خروجه هو المحور الأساسي لحل الخلافات العراقية، إلا أنَّ السؤال الذي يفرض نفسه حاليًا هو: هل تنجح مبادرة الضاري في إحداث تطور سياسي ملموس يُنهي دمويةَ وضبابيةَ المشهد العراقي والمستمرة منذ بدء الاحتلال في العام 2003م؟!
معوقات
هناك العديد من المعوِّقات التي قد تقف في وجه تحرك الضاري، وهي المعوقات التي تستند إلى الاعتبارات الطائفية بالأساس، إلى جانب المصالح الشخصية وتداخل الاحتلال الرافض لأية تسويات في العراق تؤدي إلى المصالحة الوطنية؛ بما يجعل النظامَ العراقي متماسكًا بنفس توجهاته القومية ويحظَى بالديمقراطية، وفي مقدمة تلك المعوقات:
- طموح بعض الجهات الشيعية (وليس كل الشيعة في العراق) إلى الفيدرالية.
- سعى الأمريكيين إلى إنهاء الأزمة الحالية في العراق بأيَّة صورة حتى ولو كانت تقسيم العراق، وهو الأمر الذي أكدت بعض الصحف الأمريكية في الفترة الأخيرة أنَّه بات مطروحًا بقوة على قائمة الخيارات الأمريكية لإنهاء الوضع في العراق؛ حيث تقول التقارير إنَّ الأمريكيين بدأوا ينظرون إلى خيار التقسيم باعتباره الطريق الوحيد نحو فصل الطوائف عن بعضها البعض، وبالتالي منع الحرب الأهلية التي أكدت مصادر في الإدارة الأمريكية أن القوات الأمريكية لن تتدخل فيها حالَ نشوبها، إلى جانب تصريحات مصادر أخرى أكدت أن الحرب الأهلية سوف تدفع الأمريكيين إلى الخروج من البلاد، وهو ما لا يريد الأمريكيون أن يَحدث؛ لأن معناه أنهم خسروا معركتهم في العراق.
- رغبة بعض الجهات الشيعية فيما يسمونه "تصفية الحسابات" مع العرب السُّنَّة؛ باعتبار أنَّهم المسئولون عن المعاناة التي تعرَّض لها الشيعة في حكم الرئيس المخلوع صدام حسين دون الوضع في الاعتبار أنَّ العديد من الأطراف السنية تعرض للقمع البشع في عهد صدام، بالإضافة إلى وجود العديد من الشيعة الذين استفادوا من نظام صدام.
ويؤدِّي توجه هذه الفئة من الشيعة إلى إشعال العنف الطائفي بامتياز، وهو ما يتضح في إعلان أهالي بعض المناطق السُّنِّيَّة في أنَّهم سيدافعون بأنفسهم عن ديارهم في مواجهة "فرق الموت" التي تتشكَّل من العاملين في الأجهزة الأمنية بعد أن نجحت الميليشيات في اختراقها لتحوِّلها إلى أجهزة قمع للسنة لا إلى أجهزة استقرار أمني وسياسي في العراق، وبالطبع تمهد هذه الممارسات الطريق نحو الحرب الأهلية؛ ما يعرقل أي توجه نحو المصالحة في حالة بدء السلاح في الحديث بلسان الطائفة.
هل تنجح المبادرة؟!
وبالتالي فإنَّه من الصعب أنْ تنجح مبادرة الأمين العام لهيئة علماء المسلمين الشيخ حارث الضاري في تحقيق المصالحة الوطنية إلا إذا سعى الشيعة بالفعل لاستغلال هذه الفرصة في التقارب مع العرب السُّنَّة بصورة مؤثرة بالفعل؛ حيث إنَّها ستكون في حال حدوثها على مستوى المراجع الدينية في البلاد بدلاً من الإصرار على لغة "التكفيريِّين" و"الصدَّاميِّين" التي تصر بعض القيادات الشيعية على استخدامها في غالبية تصريحاتهم.
وهو ما أدركه الضاري فجعل من مفتاح مبادرته للمصالحة العراقية لقاءً بين عقلاء العراق من السُّنَّة والشيعة ممن يهتمون بمصلحة الوطن الأم العراق، على أنْ تشمل المبادرة جماعات المقاومة المسلَّحة، وهي نقطة التقاء بين القيادات العربية السُّنِّيَة وبين الحكومة العراقية والتي يسيطر عليها الشيعة والأكراد، وهو موقفٌ عبَّر عنه أخيرًا نائب الرئيس العراقي عادل عبد المهدي.
فهل تجد المبادرة آذانًا صاغية في عراق ما بعد الغزو الأمريكي؟! سؤال تجيب عنه الأيامُ القادمة من تاريخ العراق "الجديد".