تقرير- حسين التلاوي

تنعقد يومي الجمعة والسبت القادمين في كوبا جلسات القمة الـ14 لحركة دول عدم الانحياز، وكانت القمة قد افتتحت أمس الإثنين 11 من سبتمبر باجتماع وزير الخارجية الكوبي فيليبي بيريز روكا مع ممثلين عن 116 دولة من أعضاء الحركة و30 من ممثلي دول وحركات جاءت لتحضر القمة بصفةِ مراقب، وتقول المؤشرات إن تلك القمة تعتبر قمة التصدي للنفوذ الأمريكي وما يدعم ذلك هو وجود عدد من الدول أعضاء الحركة تعيش علاقاتها مع الولايات المتحدة توترًا بدرجةٍ أو بأخرى إلى جانب انعقادها في كوبا التي تعتبر نموذجًا على التصدي للنفوذ الأمريكي والتي تسعى لاستغلالِ القمة لتفعيل دور الحركة في التصدي لمخططات الاستقطاب في السياسة الدولية، وبالتالي للنفوذ الأمريكي، فهل تنجح تلك القمة في تحقيق أهدافها بالتصدي للهيمنة الأمريكية بالفعل..؟!

 

رفض الاستقطاب

جاءت نشأة حركة عدم الانحياز كنتيجة للنظام العالمي الذي نتج من الحرب العالمية الثانية وهو النظام ثنائي القطبية بين الاتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة والذي شهد بداية "الحرب الباردة" بين الجانبين، فقد ظهرت هذه الحركة في أواخر الأربعينات كفكرة في أذهان العديد من قيادات العالم الثالث للتصدي لمحاولات القوى الكبرى استقطاب القوى الدولية الناشئة وجعلها تابعة لها، وبمرور الوقت ومع تزايد محاولات الاستقطاب اتخذت الفكرة أبعادًا تطبيقية ومن ثم نشأت الحركة بصورة رسمية على يد بعض زعماء العالم الثالث وفي مقدمتهم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر وأول رئيس وزراء للهند جواهر لال نهرو إلى جانب الرئيس اليوغسلافي جوزيف بروز تيتو وكذلك الرئيس الإندونيسي الراحل أحمد سوكارنو في العام 1955م في يوغسلافيا خلال المؤتمر الذي عرف باسم "مؤتمر بريوني" والذي كان قد مهَّد له مؤتمر التضامن الأفروأسيوي والذي عُقد في إندونيسيا في ذات العام وأصدر إعلانًا عرف فيما بعد بـ"إعلان باندونج".

 

وزادت أهمية هذه الحركة عندما وجدت فيها القوى التحررية حول العالم مفتاح الخلاص من الاستعمار بالإضافةِ إلى ما شعرت به القوى حديثة الاستقلال من أن تلك الحركة تقدم البديل عن التبعية بما يكفل الحفاظ على الاستقلال والثروات الوطنية لتلك البلاد، وبالتالي تمهيد الطريق لعملية تنموية مستقرة بعيدًا عن استغلال القوى الدولية لتلك الثروات، وقد نصَّت المبادئ الأساسية لتلك الحركة على احترام الحقوق الأولية للإنسان، كما هو مدرج في ميثاق الأمم المتحدة وكذلك احترام حق السيادة لكل الدول وعدم التدخل في شئونها الداخلية وعدم الانتماء إلى الأحلاف الجماعية، فما هو واقع تلك الحركة بالفترة الحالية...؟!

 

هيمنة "11 سبتمبر" الأمريكية...

في أثناء الحرب الباردة وكذلك في الفترة التي تلت تلك "الحرب" شهد العالم تقدمًا كبيرًا باتجاه معسكر الرأسمالية، وهو الأمر الذي ساهم في سيطرةِ الغرب على الاقتصادِ العالمي وبالتالي في تبعية جزءٍ كبيرٍ من اقتصادات الدول أعضاء تلك الحركة للنفوذ الغربي وبالتالي الأمريكي؛ وذلك بعد أن انفرد الأمريكيون بقيادة العالم، وقد أدَّى ذلك إلى تقلص نفوذ الحركة بصورةٍ كبيرةٍ في المجتمع الدولي، كما أنَّ سياسةَ الاستعمار الاقتصادي التي اتبعها الغرب باتجاه الدول النامية أدَّت إلى العديدِ من الأزمات الاقتصادية في تلك الدول؛ الأمر الذي أدَّى لانخفاض صوت الحركات التحررية والاستقلالية والتوجه نحو الغرب باعتباره مَن يملك مفاتيح الاقتصاد العالمي وبالتالي مفاتيح حل الأزمات الاقتصادية.

 

ولكن رغم ذلك بقيت بعض القوى التي تحاول الخلاص من الهيمنة الأمريكية والعمل على تشكيل قوة سياسية واقتصادية تتصدى لمشاريع الهيمنة الأمريكية، ومن بين تلك القوى كانت دول جنوب آسيا التي دخلت في عددٍ من التجمعاتِ السياسية والاقتصادية إلا أن أحداث 11 من سبتمبر جاءت في طريق تلك التجمعات لتكرس مرحلة جديدة من الهيمنة الأمريكية بدأت فيها الولايات المتحدة في صياغة أحلاف على أسس جديدة وهي أسس الحرب على ما تسميه الإدارة الأمريكية بـ"الإرهاب".

 

فقد وضعت الإدارة الأمريكية نسق جديد للسياسة الدولية وهو أن الولايات المتحدة هي القوة الرئيسية في العالم وأنها هي التي تضع القواعد التي يجب أن تسير من خلالها السياسة الدولية والتي تؤدي في النهاية إلى تبعية القوى العالمية المختلفة للخطى الأمريكية لتحقيق الإستراتيجيات التي تكفل تحقيق مصالح الأمريكيين التي هي نفسها المصالح الصهيونية في العالم العربي، ويرجع هذا التطابق إلى هيمنةِ التيار السياسي المعروف بـ"المحافظين الجدد"، وهو التيار الذي يقع الكيان الصهيوني في قلبِ اهتماماته السياسية، وتتبلور قواعد النظام العالمي الجديد في أنَّ التبعيةَ للخطط الأمريكية تحقق الكثير من "الفوائد" على المستويات السياسية والاقتصادية، وبات المجتمع الدولي كله يعلم أن الباب الرئيسي لدخول "الأمبراطورية الأمريكية" هو الباب الصهيوني، وبالتالي فإنَّ القاعدةَ الثانيةَ هي ضرورة التقارب أو إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الكيانِ الصهيوني، وقد ظهر ذلك واضحًا في العام الماضي عندما اجتمع العديد من مسئولي العالم الثالث- ومن بينهم وزير الخارجية الإندونيسي الذي كانت بلاده من المؤسسين لحركة عدم الانحياز- مع المسئولين الصهاينة على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة التي عقدت العام الماضي؛ وذلك عقب بدء الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة وقد شعر المسئولون في تلك الدول بأن الانسحاب رفع الحرج عنهم فيما يتعلق بالتواصل مع الصهاينة لخطب ود الأمريكيين.

 

القاعدة الثالثة الأكثر خطورةً التي وضعها الأمريكيون في نظامهم العالمي الجديد هي قاعدة عقاب الرافض للسير في ركابهم، فكل مَن يرفض السيرَ في الإطارِ الأمريكي يتم التعامل معه على أنه من "الدول المارقة" أو من "دول محور الشر" أو "أعداء الحرية" وغيرها من التعبيرات التي يطلقها الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بين الحين والآخر، وتتنوع الوسائل التي يقوم الأمريكيون عن طريقها بعقاب تلك الدول ومن بينها العقوبات الفردية، مثلما هو حاصل في الحالة الإيرانية، وتتطور تلك الوسائل حتى الوصول إلى العمل العسكري مثلما حدث في العراق وأفغانستان إلى جانب ما تعيشه السودان حاليًا من خطر الوقوع تحت العقوبات الدولية فيما يتعلق بملف دارفور.

 

فما هي التأثيرات التي تعرضت لها فكرة التنظيمات الإقليمية والتي تسعى إلى الخروج من فخ الهيمنة والتبعية الأمريكية؟! إنَّ الأثرَ السلبي كان واضحًا بصورةٍ كبيرةٍ على بعض التجمعات ومن بينها مجلس التعاون الخليجي الذي تأسس بصورةٍ رئيسيةٍ لزيادةِ التضامن والتكامل بين دول الخليج الست والتقليل من الاعتماد على الخارج ودعم الاقتصادات الخليحية إلا أن فترة ما بعد أحداث 11 من سبتمبر شهدت إقبالاً من دول الخليج على توقيع اتفاقيات للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة بصورة منفردة؛ الأمر الذي يضرب الأساس الذي قام عليه مجلس "التعاون" الخليجي، كما تعطل دخول اليمن في إطار ذلك المجلس بالنظر إلى أنَّ الأمريكيين يحاولون اللعب بورقة الانضمام لذلك المجلس في مقابل التعاون معهم في إطار الحرب على "الإرهاب" وغيرها من الملفات الأخرى التي يريد الأمريكيون فيها التعاون اليمني معهم.

 

أيضًا الاتحاد الأفريقي لم يسلم من محاولات الاختراق والضرب الأمريكية، فقد سعت الولايات المتحدة إلى ضرب تجربة قوات حفظ السلام الأفريقية في إقليم دارفور المتوتر غرب السودان عندما استصدرت قرارًا من مجلس الأمن الدولي تحت الرقم 1706 لنشر قوات تابعة للأمم المتحدة بديلاً عن قوات الاتحاد الأفريقي بدعوى عدم قدرة تلك القوات على إنهاء العنف في الإقليم، كما تسعى الولايات المتحدة إلى دعم بعض القوى الأفريقية ومن بينها نيجيريا لضرب قوى أفريقية أخرى وهي جنوب أفريقيا التي تعتبر نموذجًا على الحيادِ في السياسة الدولية حاليًا أو للضغط على قوى أخرى وفي مقدمتها مصر؛ الأمر الذي يضعف من التجانس بين أعضاء الاتحاد الأفريقي الرئيسيين وهو ما قد يؤدي إلى شل المنظمة الإقليمية وتحويلها إلى ما يشابه جامعة الدول العربية التي نجحت الولايات المتحدة في ضربها قبل أحداث 11 من سبتمبر بفترة طويلة!!

 

ما هو مستقبل عدم الانحياز..؟!

لكن الساحة الدولية لا تبدو معتمةً إلى الدرجة التي تمنع أية أضواء من الظهور، حيث أدى توحش الهيمنة الأمريكية لظهور محاولات أو خطوات جادة وفعالة لضرب تلك السيطرة الأمريكية، وقد مثَّل انتخاب اليساري هوجو شافيز عنصرًا حافزًا على تشكيل تكتل دولي مناهض للولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية التي تعتبرها الولايات المتحدة الفناء الخلفي لها، ويستند هذا التكتل على 3 أضلاع رئيسية وهي شافيز في فنزويلا واليساري- كذلك- أيفو موراليس في بوليفيا والذي يعتبر أول رئيسٍ من الهنود الحمر يتولى رئاسة البلاد إلى جانب الرئيس الكوبي فيديل كاسترو أو فيما بعد شقيقه وخليفته المتوقع راؤول الذي لا يبدو أنه سيكون أقل من أخيه تشددًا ضد الأمريكيين؛ وذلك في حال وفاةِ كاسترو بسبب ظروفه الصحية.

 

كما كان انتخاب عمدة طهران محمود أحمدي نجاد رئيسًا لإيران في أغسطس من العام 2005م بدايةً لتشكيل تحالف مناهض للأمريكيين في الشرق الأوسط لتوجهاته التي تسعى لكسر الهيمنة الأمريكية، وهو ما عبَّر عنه الرئيس الإيراني عندما طالب نظيره الأمريكي بعقد مناظرةٍ تليفزيونية دون رقابة حول السياسة الدولية للتعريف بأخطاء الرؤية الأمريكية، ويستند التحالف على سوريا وإيران بالإضافةِ إلى المقاومة الإسلامية في لبنان ممثلة في حزب الله، وهو التحالف الذي استطاع تحقيق العديد من الأهداف السياسية ضد الأمريكيين والصهاينة في الحرب الأخيرة التي جرت في لبنان.

 

وبالتالي فإن قمة عدم الانحياز الحالية يمكنها أن تشهد بداية محاولات لتأسيس تحالف دولي لضرب الهيمنة الأمريكية وذلك لعدة أسباب في مقدمتها:

 

1- انعقاد القمة في كوبا التي- كما سبقت الإشارة- تعتبر واحدة من أضلاع مثلث مناهضة الهيمنة الأمريكية وسيطرة الرأسمالية في العالم، حيث تقول الأنباء إن كوبا تسعى من خلال هذه القمة إلى تحويل حركة عدم الانحياز إلى "كتلة دولية" في مواجهة الهيمنة الأمريكية، كذلك كان الموقف الكوبي برفض مساس القوة الأمريكية بأي عضو من أعضاء الحركة دليلاً على أن تلك القمة ستنتج الكثير من المواقف الرافضة- بصدق- للهيمنة الأمريكية.

 

2- وجود العديد من الدول التي لها ملفات متوترة مع الولايات المتحدة ضمن أعضاء الحركة ومن بينها سوريا وإيران التي دافع الرئيس الكوبي فيديل كاسترو عن حقها في امتلاك السلاح النووي؛ وذلك على الرغم من إعلان إيران أنها لا تريد ذلك السلاح ولكنها فقط تريد من برنامجها النووي أن يكون في خدمة التنمية، كما أن السوريين أكدوا أن القمة ستكون خطوة نحو ضرب الهيمنة الأمريكية.

 

3- مشاركة فنزويلا في تلك القمة في ظل أجواء المواجهة الحالية بينها وبين الولايات المتحدة بسبب محاولات الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز التصدي المشروعات الأمريكية للهيمنة على الاقتصاد العالمي، وقد أخذ شافيز في ذلك الطريق العديد من الخطوات، ومن بينها زيارته لكل من سوريا وإيران إلى جانب زيارته الصين التي باتت الولايات المتحدة تحسب لها ألف حساب، ويمكن لتلك الزيارة أن تؤدي لوجود الصينيين في الفناء الخلفي للأمريكيين من خلال فنزويلا وبخاصة عبر قناة النفط الذي تنتجه فنزويلا بوفرة وتحتاجه الصين بكثرة.

 

ويوجد غير ذلك من العوامل الكثير التي يمكن من خلالها أن تكون القمة القادمة لحركة عدم الانحياز خطوة على طريق تشكيل تحالف لضرب الهيمنة الأمريكية إلا أن الإفراط في التفاؤل أو رفع مستوى التوقعات المحتملة من تلك القمة لن يكون أمرًا عقلانيًّا بالنظر إلى "فحش" التوغل الأمريكي في مختلف مسارات السياسة الدولية، وعليه فإن القمةَ ستكشل ضوءًا في ظلام نفق الهيمنة الأمريكية على العالم قد يؤدي إلى مسيرة عالمية للخروج من ذلك النفق.