تحليل إخباري يكتبه: أحمد التلاوي

دخلت أزمة إقليم دارفور المشتعل غربي السودان مرحلة جديدة من التطورات التي تمس الأمن القومي العربي بشكلٍ لا يمكن أنْ تخطئه عين، مع بدء الأمم المتحدة مساعي فعلية لتجميع نحو 17 ألف وخمسمائة جندي من الـ140 دولة التي أعلنت عن استعدادها للمشاركة في قوةِ حفظ السلام الدولية التي ترغب الولايات المتحدة وبريطانيا في إرسالها إلى الإقليم لتحل محل القوات الأفريقية هناك.

 

والتطورات الأخيرة لهذا الملف توضح بجلاء كيف يتهدد الأمن القومي العربي؛ فالخرطوم ترفض بشكلٍ قاطعٍ تدويل الأزمة في إقليم دارفور على غرار ما جرى في جنوب السودان؛ باعتبار أنَّ الأطراف الداعية لهذا التدويل لها أجندتها الخاصة- والتي تصفها الخرطوم بأنَّها أجندة استعمارية إمبريالية- في هذه المنطقة المهمة من الثَّغر الجنوبي للعالم العربي والإسلامي.

 

كما يُهدِّد هذا التدويل بتحويل السودان إلى عراقٍ آخر بعد ثبوت فشل المشروع السياسي والأمني الأمريكي- الغربي في العراق، ولعل السبب الرئيسي لهذا الفشل هو أنَّ هذا المشروع بدأ بناء على رؤية خاطئة لطبيعة المنطقة العربية والشرق أوسطية السياسية والبشرية، وبناء- كذلك- على تقييمات ومعلومات خاطئة، ومن هنا تنبع تخوفات الحكومة السودانية.

 

وفي السياق فإنَّ الإعلان أخيرًا عن تمديد مهمة الاتحاد الأفريقي في دارفور حتى يوم 31/12/2006م، والاتجاه لرفع مستوى هذه القوات من 7000 جندي إلى ما يزيد على الـ11 ألف جندي لا يعني حل الأزمة القائمة بين الخرطوم والغرب حول ملف تدويل قضية دارفور بل يعني تأجيل المواجهة السياسية فقط بين الجانبين.

 

الفجوة المصرية

وفي الإطار العام لهذه التطورات يمكن رصد فجوة كبيرة فيما يتعلق بالأمن القومي المصري في هذا الملف بين الواقع العملي وما يتهدده على أرض الواقع في هذه البقاع البعيدة عن الحدود المصرية، وبين سياسة وتفكير النظام السياسي الحاكم في مصر إزاء هذه القضية.

 الصورة غير متاحة

 تصاعد الرفض الشعبي لدخول أي قوات أممية إقليم دارفور

 

والحقيقة أنَّ الحكومة المصرية قد تعاملت مع ملف دارفور إلى الآن بشكلٍ تقليدي كما جرت العادة من جانب الحكومات المصرية المتعاقبة في مثل هذه الأزمات، وهذا الشكل من "التعامل التقليدي" يقوم على أساس وضع الاعتبارات التي تمليها مصالح النظام الحاكم فوق اعتبارات الأمن القومي المصري، وهي سياسة ثبت فشلها في أكثر من موضع وأكثر من قضية بحيث أضيرت مصالح كل من النظام الحاكم والأمن القومي للبلاد.

 

والحالة السودانية تُعْتَبر نموذجًا فعَّالاً في هذا الصدد، فعبر عقود ماضية كانت السياسات والمواقف المصرية إزاء التطورات المتعاقبة في السودان عبارة عن سلسلة من الأخطاء المتصلة أدَّت إلى مجموعة من العواقب الوخيمة على الأمن القومي المصري الذي كان هو دائمًا الضحية الأولى لهذه السلسلة من الأغلاط التي جرت بسبب عدم وجود تخطيط مُحْكَم أو قراءة محكمة لحقيقة الأوضاع في السودان وتطوراتها، ومن ثمَّ رسم سياسة صحيحة بناءً على أسس سليمة تضع- أول ما تضع- على قائمة أولوياتها اعتبارات الأمن القومي المصري.

 

وبعيدًا عن التاريخ الماضي لأخطاء إدارة السياسة المصرية للملف السوداني- وبوجهٍ عام تبنى النظام المصري "سياسة مترددة" إزاء السودان بحسب تطور معلوماته عن طبيعة الحكم الجديد في الخرطوم، ففي الفترة الأولى من حكم الإنقاذ وقبل انكشاف الوجه الإسلامي لهذا الحكم الوليد والذي بلوره زعيم الجبهة الدكتور حسن الترابي تبنى النظام سياسة مُحَدَّدة احتضن فيها الحكومة الجديدة في الخرطوم.