تقرير- حسين التلاوي

وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 13 من أكتوبر الحالي على ترشيح مجلس الأمن الدولي لوزير الخارجية الكوري الجنوبي السابق بان كي مون لتولي منصب الأمين العام للأمم المتحدة، ليصبح مون البالغ من العمر 62 عاما هو الأمين العام الثامن للأمم المتحدة، وقد حاز مون على أغلبية ساحقة في تصويت أعضاء الجمعية العامة للمنظمة الدولية- البالغ عددهم 192 دولةً- على ترشيحه لينتظر بان كي مون حتى يكمل الأمين العام الحالي للأمم المتحدة كوفي عنان فترته الثانية؛ وذلك لكي يتولى المنصب في الأول من يناير القادم.

 

إلا أنه بعد انتخاب بان كي مون تبقى عدة أسئلة تتعلق بمستقبل المنظمة الدولية ومدى تأثير شخصية الأمين العام للأمم المتحدة على القرارات التي تتخذها المنظمة وحجم النفوذ الأمريكي في تلك المنظمة التي تعتبر الجامعة الوحيدة على مستوى العالم لكل الدول على اختلاف أقاليمها وتوجهاتها السياسية والاستراتيجية والاقتصادية.

 

من هو بان كي مون....؟!

الأمين العام المنتخب للأمم المتحدة بان كي مون ينتمي إلى المدرسة الدبلوماسية التي تميز جنوب شرق آسيا والتي تعتمد على الصبر والتفاوض طويل الأمد وكذلك الحرص على سماع جميع أطراف الأزمات والعمل على التوصل إلى حلول وسط للأزمات إلى جانب الحرص على عدم التصعيد السياسي وعدم الإفراط في تقديم الوعود السياسية لأطراف الأزمات منعا لتفاقم مستوى الأزمات في حالة عدم قدرته على دفع كل الأطراف إلى الوفاء بالتزاماتها تلك، وقد عبر مون عن ذلك بتقديمه نفسه على أنه "وسيط يعمل على نشر الوئام وإقامة التوازن بين الاطراف" أي أن إستراتيجية التوازن قد تكون هي السمة الأساسية لعمل المنظمة الدولية في الفترة المقبلة.

 

ومن المعروف عن مون أيضا أنه إداري من الطراز الأول ويهتم بصورة كبيرة بتوزيع العمل وذلك استنادا إلى شهادات بعض ممن عملوا معه في وزارة الخارجية الكورية الجنوبية وقد وصفه الدبلوماسي الكوري الجنوبي كو كي سيوك بأنه "ذو قبضة حديدية في قفاز من حرير"، وهو ما يُعبِّر عن الحزم والهدوء اللذين يتبعهما مون في معاملاته الدبلوماسية.

 

وبخصوص رؤيته لكيفية عمل الأمم المتحدة، تلافى الأمين العام المنتخب الحديث عن برنامج متكامل لعمل المنظمة الدولية تحت قيادته واكتفى بالقول إنه سوف يعمل على إصلاح الأمم المتحدة، مشيرًا إلى أنه من الضروري أن تعتمد الأمم المتحدة على سياسة الوعد بالقليل وتنفيذ الكثير؛ وذلك حرصًا على صورة ومصداقية المنظمة الدولية أمام الرأي العام العالمي، وهو ما يعني أن مون يدرك بصورة كبيرة واقع الأزمة التي تعيشها المنظمة الدولية إلى جانب تعهده بالعمل على مكافحة الفقر والإيدز وتدهور البيئة والإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل وحماية حقوق الإنسان.

 

وبنظرةٍ على التاريخ الدبلوماسي للأمين العام المنتخب للمنظمة الدولية يمكن إدراك أنه ذو خبرة بالأمم المتحدة حيث تولى منصب الممثل الأعلى لبلاده في الأمم المتحدة لمدة عامين من 2001م إلى 2003م، كما تولى في الفترة نفسها إدارة مكتب رئيس الجمعية العامة الـ56 للأمم المتحدة، وكان قد بدأ مسيرته مع الأمم المتحدة عندما عمل سكرتيرًا أول للبعثة الكورية الجنوبية في المنظمة الدولية في الفترة من من عام 1978م إلى عام 1980م، ثم أصبح مديرًا لمكتب الأمم المتحدة في وزارة الخارجية ثلاث سنوات، أي أنه صاحب خبرة كبيرة في التعامل مع الأمم المتحدة.

 

الأمين العام والكونجرس!!

يفترض المنطق فيمن يتولى منصبًا ما أن يطبع المنصب بشخصيته فتتأثر السياسات الخارجية للدول بشخصية وزير الخارجية، وذلك مهما كانت تلك الدولة صاحبة سياسة خارجية مستقرة وثابتة، إلا أن الأمر ليس بهذه الصورة في الأمم المتحدة، فالأمين العام للمنظمة الدولية لا يستطيع بصورةٍ كبيرةٍ أن يطبع عمل المنظمة الدولية بخبراته الخاصة إلى حدٍّ كبير؛ وذلك مهما كانت طبيعة شخصية ومهارات ذلك الأمين العام، حيث إن هناك العديدَ من العوامل تتحكم في صياغة سياسات المنظمة الدولية من بينها درجة حدة الصراعات التي تنظرها المنظمة فالصراع العربي الصهيوني لم يكن متفاعلاً بصورةٍ كبيرةٍ على سبيل المثال في منتصف التسعينيات بالصورة التي كان عليها في الثمانينيات من القرن الماضي أو مثل الفترة الحالية.

 

إلى جانب ذلك هناك أيضًا المزيد من العوامل إلا أن العامل الأبرز وسطها جميعًا هو العامل الأمريكي؛ حيث أن المنظمة الدولية لا تقوم بتمرير إلا ما يريده الأمريكيون في أغلب الأحوال هكذا وبكل بساطة دون أية مبالغات وما جرى في الحرب على لبنان كان نموذجًا بارزًا، فمجلس الأمن الدولي لم يصدر القرار 1701 الخاص بوقف العدوان الصهيوني على لبنان إلا بعد 34 يومًا من بداية الحرب؛ وذلك بسبب معارضة الأمريكيين لإصدار قرارٍ يوقف الحرب لرغبتهم في منح الصهاينة الفرصة الكافية لـ"الفتك باللبنانيين" و"القضاء على حزب الله"، وفي ملف كوريا الشمالية النووي مرت العقوبات بموافقة كل أعضاء مجلس الأمن، أما الملف الإيراني والعجز الأمريكي فيه فهو يأتي في إطار الاستثناءات التي تؤكد القاعدة وهي سيطرة الأمريكيين على صناعة القرار في الأمم المتحدة.

 

عنصر آخر سيكون مؤثرًا بالسلب على قدرة الأمين العام القادم للأمم المتحدة وهو أن الدبلوماسي الأمريكي جون بولتون يحتل منصب المندوب الأمريكي الدائم لدى المنظمة الدولية، ووجه المشكلة هو أن جون بولتون من أشد المعارضين للمنظمة الدولية، ويعمل على تغيير أسلوب العمل بها أو حتى التخلص منها تمامًا وإيجاد منظمة بديلة تمامًا مثلما تخلى المجتمع الدولي عن عصبة الأمم لصالح تأسيس الأمم المتحدة، وبالفعل فقد بدأت آثار سياسة بولتون في الظهور؛ حيث تعطَّل عمل المنظمة الدولية تمامًا في الفترة الأخيرة وعجزت عن التحرك في الكثير من الملفات الدولية وبخاصة في الملف الإيراني الذي لم تأخذ فيه أي تحرك بالإضافة إلى عدم وجود الأمم المتحدة في العراق، وبات حلف الناتو هو البديل الرئيسي لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، كما تحولت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس إلى المحرك الوحيد للسياسة الدولية، كما باتت القوانين التي تصدر من الكونجرس لمعاقبة الدول المعادية للأمريكيين أو مكافأة الدول الحليفة لهم هي البديل عن القرارات الدولية.
إذن من غير المتوقع أن تعيش الأمم المتحدة مرحلة ازدهار ورفاهية في استقلالية القرار في الفترة القادمة تحت قيادة الأمين العام الجديد بالنظر إلى قوة العامل الأمريكي ودرجة تحفزه ضد كل المحاولات التي تكفل أن تتحول تلك المنظمة إلى كيان قادر على قيادة المجتمع الدولي كما يفترض أن تكون المنظمة الدولية.

 

معركة فنزويلا- جواتيمالا!!

الأثر الأمريكي يتضح أيضًا في المعركة الدائرة حول الممثل غير الدائم لأمريكا اللاتينية في مجلس الأمن الدولي بين فنزويلا وجواتيمالا، فكلتا الدولتين تسعيان إلى الحصول على ذلك المقعد غير الدائم إلا أنه للآن لا تزال فرص جواتيمالا الأفضل والسبب هم دعم الكتلة الغربية بقيادة الولايات المتحدة لها في مواجهة فنزويلا التي اعتبر رئيسها هوجو شافيز نظيره الأمريكي جورج بوش الابن شيطانًا؛ وذلك خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي واقع الأمور فإن فنزويلا الأحق بالنظر إلى نشاطها السياسي والاقتصادي وكونها واحدة من القوى النفطية في العالم وهي المميزات التي لا تتمتع بها جواتيمالا إطلاقًا إلا أنه النفوذ الأمريكي والدعم الغربي المقدم لتلك الدولة.

 

وتعلن الولايات المتحدة دعمها لجواتيمالا لا لشيء إلا لأنها ضد فنزويلا، وقد زعمت مصادر أمريكية أن عمل مجلس الأمن "سيصبح مستحيلاً في حال انتخاب فنزويلا وإصرارها على انتقاد الرئيس الأمريكي جورج بوش في كل مناسبة"، إلا أن فنزويلا ردت الكرةَ في وجه الأمريكيين عندما قالت إن "أي صوت مُنح لها يعتبر بمثابة تصويتٍ للضمائر الحية بالنسبة للعالم النامي"، وأشار السفير الفنزويلي لدى الأمم المتحدة فرانسيسكو أرياس كارديناس إلى أن التنافس ليس مع جواتيمالا وإنما مع "أكبر قوة في العالم" وهو ما يعني به الأمريكان.

 

وبالتالي ففي ظل هذه الأجواء فإنه من المستحيل أن يعمل الأمين العام الجديد للأمم المتحدة على إيجاد وسيلة لتفعيل عمل المنظمة الدولية؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى تقليص النفوذ الأمريكي في المجتمع الدولي؛ وهو الأمر الذي لا يمكن للأمريكيين أو الصهاينة السكوت عليه!!!
أين العرب إذن....؟

 

وسط كل هذه التفاعلات السياسية الدولية بين الأمريكيين والفنزويليين والغرب والحديث عن محاولات لإصلاح الأمم المتحدة، أين يأتي العرب..؟!

 

في الواقع انشغل العرب بقضية عدم تأييد قطر ممثل المجموعة العربية في مجلس الأمن الدولي بالفترة الحالية للمرشح الأردني الأمير زيد بن رعد، وهو الأمر الذي أثار الكثير من الخلافات بين قطر والأردن وصل إلى حدِّ استدعاء الأردن سفيرها لدى قطر للتفاوض، ولهذه القضية العديد من الدلالات وهو أن العرب فشلوا في التوافق على مرشح  تقدمه المجموعة العربية للمنصب الدولي، وهو ما يعني عدم وجود سياسة واضحة من جانب القيادات العربية للتعامل مع الملفات الدولية وبخاصة ملف تولي الأمانة العامة للأمم المتحدة وهو الذي يعتبر الأهم في تلك المرحلة.

 

أمر ثان يمكن استخلاصه من تلك الأزمة- الكارثية على صغرها- وهو أن العرب يقدمون المصالح الخاصة على المصلحة العربية؛ حيث أكد النائب الأول لأمير قطر ووزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني أن قطر أعلنت للأردن أمام جميع الدول العربية أنها ستدعم مرشح كوريا الجنوبية بان كي مون لا مرشح الأردن الأمير زيد بن رعد وهو ما يعني أن قطر فضلت أن تقوم باختيار "مرشحها" لا المرشح الذي يمكن أن يستفيد العرب من وجوده في ذلك المنصب الدولي المهم، كما أن هناك دلالةً ثالثةً من تلك الواقعة وهي عدم وجود الشخصية البارزة في العالم العربي والتي تستطيع أن تحوز الإجماع العربي وبالتالي تستطيع أن تكسب تأييدًا كافيًا لتولي المنصب.

 

أي أن العرب فشلوا في امتحان الدبلوماسية الذي دخلوه في مواجهة المجتمع الدولي وبالتالي انخفضت الأسهم العربية بصورةٍ كبيرةٍ في بورصة السياسة الدولية، وهو ما يعني أن على العرب توقع المزيد من الانكسارات في المرحلة القادمة.

 

إذن الصورة العامة للأمم المتحدة في المرحلة المقبلة تبدو من المنظور العربي هي سيطرة شبه كاملة للولايات المتحدة على مقاليد الأمور في المنظمة الدولية ومنصب أمين عام خال من المضمون يحتله أحد الشخصيات القادمة من دولة هي كوريا الجنوبية سياستها الخارجية أداة لتحقيق مصالح إقليمية في جنوب شرق آسيا إلى جانب شرخ كبير في الواجهة السياسية العربية على المستوى الدولي، وبالتالي فإن الصورة العامة لا توحي بأن الدبلوماسي القادم من أقصى شرق العالم يحمل في يديه حلول الأزمات العالمية وبخاصة أزمات الشرق الأوسط.