- الأوروبيون يواجهون أمريكا برفض تنفيذ حكم الإعدام  ضد صدام حسين

- روبرت فيسك: الأمريكييون كانوا على علمٍ بانتهاكاتِ صدام وتحالفوا معه

- مواطن عراقي: جريمة صدام يرتكبها الأمريكيون يوميًّا ولا أحد يُحاكمهم

- باحثة في قضايا الشرق الأوسط: المحكمة فشلت في الحفاظ على عدالتها واستقلالها طوال المحاكمة

 

كتب- حسين التلاوي

شَغِلَ الحكم على الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين بالإعدام شنقًا في قضية الدجيل الرأي العام الدولي والإعلام العالمي، كما يتضح ذلك من خلال الاتجاهات العامة لاهتمامات الصحف الصادرة حول العالم اليوم الاثنين 6 نوفمبر 2006م، وكانت أبرز الملاحظات أنَّ العراقيين انقسموا حول ذلك الحكم ما بين مؤيد له ومعارض بالإضافة إلى الخلاف بين القوى الدولية أيضًا بهذا الشأن، كذلك كان هناك شعور عام بأن الحكم لن يساعد الجهود المبذولة لخفض العنف في البلاد.

 

ليست عادلة

الصحف البريطانية تناولت الحكم من وجهات نظر متباينة لكنها أجمعت على أن المحاكمة لم تكن عادلة بأية صورة من الصور، وكان صاحب المقال الأقوى هو الكاتب الصحفي البريطاني روبرت فيسك الذي كتب في الـ(إندبندنت) قائلاً إن الحكم على صدام حسين يعتبر حكمًا على الولايات المتحدة بالنظر إلى أنَّ الأمريكيين كانوا على علمٍ بكل الانتهاكات التي مارسها صدام حسين ضد مواطنيه وعلى الرغم من ذلك تحالفوا معه في وقتٍ من الأوقات، وبالتالي فإن الإعدام يجب أن يكون من نصيب الأمريكيين أيضًا، ويذكر فيسك أن الدبلوماسيين في الشرق الأوسط سبق وأن قالوا في شأن مذابح حلبجة التي تمَّ استخدام الغازات القاتلة فيها ضد الأكراد وقت حكم صدام إنَّ الإيرانيين هم مَن استخدم الغازات؛ وذلك عندما كان صدام لا يزال حليفًا للأمريكيين.

 

ويلفت فيسك الانتباه إلى نقطةٍ بالغة الأهمية وهي مدى تأثير الحكم بإعدام صدام حسين على الوضع الميداني والسياسي في العراق؛ حيث قال إنَّ الأمريكيين يحاولون تصوير الحكم على أنه باب الأمل للعراقيين وباب الوحدة إلا أن الواقع يشير إلى أنَّ الاحتلالَ الأمريكي جلب إلى العراقيين مصائب يصعب التخلص منها بمجرد الحكم بإعدام صدام حسين، كما يؤكد فيسك أنَّ هناك المزيدَ في حاجة إلى أحكام مماثلة ومن بينهم المتورطين في فضيحة أبو غريب وغيرها من فضائح الانتهاكات الحقوقية الصارخة.

 

الـ(تايمز) أوردت تحليلاً بقلم براونين مادوكس ذكر فيه أنَّ الحكمَ على صدام عبارة عن "عدالة المنتصر" أي أن الأمريكيين طبقوا العدالة بالصورة التي يريدونها؛ لأنهم هم الذين انتصروا على صدام حسين في غزوهم للعراق، وقال إنَّ الحكمَ كان متوقعًا لأنَّ المحاكمةَ كانت تسير طوال مدة عقدها على أنها محاولة من جانب الأغلبية الشيعية لكي ينتقموا من صدام حسين، وأشار أيضًا إلى أنَّ الهدفَ الرئيسي للأمريكيين من عقد المحاكمة قد فشل وهو تأسيس حكومة عراقية قادرة على إدارة الدولة؛ حيث قال الأمريكيون إن الغرضَ من المحاكمة هو تدريب العراقيين على إدارةِ الأمور القضائية في إطار التدريب الشامل للحكومة العراقية، وفي هذه النقطة يقول الكاتب إن العديد من الانتهاكات شابت المحاكمة، وأكدت سونيا سيتس الباحثة في معهد تشاتام هاوس المتخصص في قضايا الشرق الأوسط ومقره بريطانيا أن المحكمة فشلت في الحفاظ على عدالتها واستقلالها طوال فترة المحاكمة، ويختم الكاتب تحليله بالقول إنَّ الحكمَ لم يكن مفاجئًا وعبر عن الضعف الكبير للحكومة العراقية الجديدة زاد من الانقسام بين العراقيين بدلاً من أن يؤدي إلى وحدتهم!!

 

وفي الـ(جارديان) وردت متابعة تضمنت آراء خبراء في القانون حول القضية ومن بين الآراء التي وردت في المتابعة كان رأي الخبير في الجرائم ضد الإنسانية جيفري روبرتسون والذي قال إنَّ المحاكمةَ لم تتصف أبدًا بالعدالة؛ لأنَّ الحكومةَ العراقية تدخلت كثيرًا في سير المحاكمة وبخاصة في مسألة تعيين القضاة وإقالتهم؛ الأمر الذي مسَّ باستقلالية المحكمة كثيرًا، كما ذكرت الجريدة في متابعة إخبارية أنَّ الكثيرَ من دول العالم شككت في مصداقية المحاكمة ومن بينها روسيا التي قالت إنَّ توقيت الحكم يأتي خدمةً لمصالح الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس غدًا.

 

انقسامات عراقية ومفاجآت انتخابية

الصحافة الأمريكية تناولت الحكم على صدام حسين من أكثر من زاويةٍ، ففي الـ(نيويورك تايمز) كان هناك تركيز على موقف المواطنين العراقيين من الحكم، وذكرت الجريدة في عنوان المتابعة التي أوردتها حول الموضوع أن الانقسام كان هو العنوان الرئيسي للكيفية التي رأى بها العراقيون الحكم على صدام، مشيرةً إلى أن الانقسامات تطابقت تمامًا مع الفوارق الطائفية، وتبدأ الجريدة التقرير بالقول إنَّ يوم أمس كان شيعيًّا وتنقل آراء الشيعة التي ترى أن صدام حسين يستحق تلك العقوبة بسبب انتهاكاته ضد المواطنين العراقيين طوال فترة حكمه وأنَّ الحكمَ كان علامة فارقة على بداية "الحكم الحقيقي" للعراق بعد انهيار النظام البعثي.

 

أما في المناطق السنية فإنَّ الاعتقادَ السائدَ هو أنَّ المحاكمةَ صارت وفق ما خطط له الأمريكيون من قبل بهدف تبرير غزوهم للعراق، كما أكدوا أن إصدار الحكم في هذا التوقيت يعتبر محاولة من جانب الإدارة الجمهورية تدعيم موقف الحزب الجمهوري في مواجهة الحزب الديمقراطي قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس والتي تجري غدًا، وقال أحد السنة إنَّ صدام حسين حوكم بسبب مسئوليته عن قتل 148 شخصًا؛ وهو العدد الذي لا يزيد كثيرًا عن الحصيلة اليومية للقتلى في العراق والتي لا تقل بأي حال من الأحوال عن 100 شخص، كما يقول مدرس سني في الأعظمية: "صدام قاتل وديكتاتور لكننا لدينا الآن الكثير من الطغاة"، بينما عبرت إحدى المواطنات عن حزنها لما يدور في العراق ككل، وقالت إنها ليست سعيدة بأي شيء في العراق، بل إنها "حزينة لهذا الطريق، وهذه المرأة وهذا المقعد وهذا الرجل"، في إشارةٍ إلى التردي الكامل للأوضاع في العراق.

 

الـ(واشنطن بوست) أشارت إلى المواقف الأمريكية من الحكم على صدام حسين ودرجة تأثيرها في الداخل الأمريكي وبخاصة في انتخابات الكونجرس، فقد أشارت الجريدة إلى أن الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن قد رحَّب بالحكم، بينما نقلت عن العديد من الشخصيات الديمقراطية قولها إنَّ الحكم كان "مفاجأة الانتخابات"؛ حيث قامت الإدارة الجمهورية بتحديد موعد للحكم قبل إجراء انتخابات التجديد النصفي للكونجرس والمقررة غدًا بحيث يعطي الحكم دفعة قوية للجمهوريين في الانتخابات تساعدهم على تخطي التردي الراهن في شعبيتهم بسبب العجز الكبير عن ضبطِ الأوضاع العراقية سياسيًّا وأمنيًّا، لكن الجريدة تقول إنَّ تلك الانتقادات لم تكن علنية ولكن على المواقع الإليكترونية التابعة للديمقراطيين في كل أنحاء الولايات المتحدة.

 

وتنقل الجريدة عن الكثير من المراقبين والمسئولين في كلا الحزبين قولهما إنَّ الحكم على صدام حسين لن يسهم في تحسين الوضع الميداني أو السياسي في العراق بالفترة الحالية، كما أشاروا إلى أنه من الصعب أن يؤدي الحكم إلى تغييراتٍ كبيرةٍ في آراء الناخبين قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، كما تشير إلى أن بوش نفسه لم يستطع التأكيد على أنَّ تلك الخطوة سوف تسهم في دفع المصالحة بالعراق، واكتفى بالقول إنَّ الحكم سوف ينهي ما سماه "إرث صدام حسين".

 

الـ(كريستيان ساينس مونيتور) تناولت الحكم على صدام من خلال متابعة آراء خبراء أجمعوا على أن إجراءات وسير المحاكمة شهدت بعض الانتهاكات، ومن بينها تعرض هيئة المحكمة للعديد من الضغوط.

 

العراق على الحافة!!

الصهاينة أيضًا تناولوا الحكم على صدام حسين في إطارِ متابعاتهم للكيفية التي بات عليها "العراق الجديد" والذي يتجه لكي يكون حليفًا لهم أو على الأقل حليفًا لحليفتهم وهي الولايات المتحدة!!

 

الكاتب الصهيوني رون بن يشاي بدأ مقاله حول الحكم على صدام في الـ(يديعوت أحرونوت) بالقول إنَّ الحكم لن يؤدي إلى تغيراتٍ كبيرةٍ وجذريةٍ في الوضع العراقي العام، فالحكم لن يؤدي إلى تحسين الحالة الأمنية في العراق، كما أنَّ الانفلات الشعوري الذي صاحب الحكم سواء بالترحيب الشيعي أو الانتقاد السني لن يؤدي إلى المزيد من التردي الأمني؛ نظرًا لأنَّ البلاد في حالة شاملة من الفوضى والعنف، ويضيف الكاتب عنصرًا آخر وهو إدراك الجميع في العراق أنَّ الحكمَ لن يتم تنفيذه بصورةٍ فوريةٍ، ويختم الكاتب قائلاً إنَّ القوات الأمريكية والعراقية نجحت في فرض الأمن بالعراق في الأيام الأخيرة قبل وبعد الحكم لمنع أية مواجهات بين الطوائف المختلفة، ويشير إلى نجاح تلك القوات في أهدافها، لكنه يؤكد أنَّ النجاحَ الحقيقي يكون في استمرارِ ذلك النجاح.

 

وبصفة عامة يحمل الكاتب على السنة، وهذا أمرٌ مفهومٌ بالنظرِ إلى أنه صهيوني يؤيد الخطط الأمريكية لـ"ابتلاع العراق"؛ حيث يصف الجماعات السنية بأنها "إرهابية"، بينما يصف الجماعات الشيعية بأنها "مسلحة"، وهذا يرجع إلى أن نيران السنة بالعراق توجه إلى الاحتلال ونيران الشيعة توجه إلى السنة في الغالب.

 

أما الـ(جيروزاليم بوست) فقد "امتدحت" القرارَ بكل التعبيرات الممكنة ووصفته بأنه "انتصار للعدالة" و"علامة على الأمل في العراق"، معطيةً الشيعة في العراق كل الحق في الخروج للاحتفال بذلك الحكم على الرغم من حظر التجوال المفروض في البلاد، وتنتقل الجريدة إلى الانعكاسات الدولية للحكم فتزعم أيضًا إنه انتصار للحرية والعدالة في المجتمع الدولي وهو ما ترى الجريدة أنه يحتم على الغرب أن يعمل على إنهاء ما ادَّعت أنه "التهديد الإيراني للعالم الحر" وتختم بالقول إنَّ المجتمعَ الدولي في حالة حرب، وبالتالي فإنه من غير الممكن قبول أنصاف الحلول؛ الأمر الذي يستدعي العمل على إنهاء ما تراه "التهديد الإيراني" لإكمال الانتصار الذي بدأ بالقضاء على كل ما يعوق "العدالة" و"الحرية" في العالم.

 

انقسامات دولية

(كورييرى ديلاسيرا) الإيطالية ركَّزت على الانقسامات التي برزت بين آراء القيادات الأوروبية وبين الأمريكيين حول الحكم بالإعدام شنقًا على الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، وتقول الجريدة في تقريرٍ لها حول الحكم إنَّ الخلافَ الرئيسي هو حول الإعدام، ففي حين رحَّب الأمريكيون بالحكم ككلٍّ رفض بعض الأوروبيين تطبيق عقوبة الإعدام على صدام؛ حيث لا تتضمن المنظومة القضائية الأوروبية الأحكام بالإعدام، وإن كان الاتفاق تامًا بين الأوروبيين والأمريكيين حول استحقاق صدام المحاكمة.

 

وكانت تلك هي النقطة نفسها التي تناولت (لوموند) الفرنسية الحكم منها، لكنها أشارت في سياقِ متابعتها إلى أن البريطانيين فقط أعربوا عن تأييدهم للحكم؛ وذلك على لسانِ وزيرة الخارجية مارجريت بيكيت التي عبَّرت عن "سعادة البريطانيين" لذلك الحكم؛ وهو الأمر الذي يعتبر دليلاً إضافيًّا على التبعية البريطانية للأمريكيين في العراق.

 

الصحف الصادرة حول العالم اتفقت على اختلاف توجهاتها على أنَّ الحكم لن يؤدي إلى التقليل من التردي الشامل في العراق، كما أنه سيساهم في تكريس الانقسامات الطائفية بين العراقيين والتي قادت العراق إلى حافة الحرب الأهلية إلى جانب إقرار العديد من المحللين والمراقبين بأنَّ المحاكمةَ لم تكن نزيهة أو عادلة، وتعرضت للعديد من الضغوط سواء من جانب الحكومة العراقية أو من جانب الأمريكيين، كما تعالت أصوات تؤكد أن الأمريكيين يجب أن يحاكموا بسبب دعمهم لصدام حسين وقت أنَّ كان حاكمًا أو ارتكابهم جرائم مماثلة لما تمَّت محاكمة صدام حسين بسببها ومن بينها فضيحة "أبو غريب".