تحليل- حسين التلاوي
أظهرت نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي والتي جرت الثلاثاء 7 من نوفمبر فوز الحزب الديمقراطي بالأغلبية في مجلس النواب؛ وذلك بعد أن حصل الحزب على 231 مقعدًا مقابل 204 للجمهوريين ما كان كافيًا لمنح الديمقراطيين الأغلبية للمرة الأولى بعد 12 عامًا من السيطرة الجمهورية، وكان الديمقراطيون يحتاجون في هذه الانتخابات إلى الفوز بـ15 مقعدًا فقط إلا أنهم فازوا بـ29 إضافيةً في مقابل خسارة الجمهوريين لـ28 مقعدًا، كذلك أشارت الأرقام المعلنة إلى أن الديمقراطيين يتجهون للسيطرة على مجلس الشيوخ بعدما حققوا 47 مقعدًا مقابل 46 للجمهوريين ومن بين المقاعد الديمقراطية 3 مقاعد كان يتمتع بها الجمهوريون قبل الانتخابات.
ولم تتوقف الخسارة الجمهورية عند ذلك الحد؛ حيث أشارت الأنباء إلى أن الديمقراطيين انتزعوا من الجمهوريين 6 مقاعد في انتخابات حكام الولايات مما منح الديمقراطيين أغلبية مقاعد حكام الولايات للمرة الأولى منذ فترة طويلة أيضًا.
وفي حالة فوز الديمقراطيين بالأغلبية في مجلس الشيوخ فإنَّ ذلك يعني أن الجمهوريين قد نالوا "الهزيمة الكاملة" في تلك المعركة الانتخابية بعدما خسروا السيطرةَ على مجلس النواب، وكذلك أغلبية مقاعد الولايات، ولكن من الضروري في هذا السياق التعرف على الأسباب الرئيسية التي دفعت الناخب الأمريكي إلى التوجه بعيدًا عن الجمهوريين إلى الديمقراطيين ومدى تأثر السياسة الخارجية الأمريكية وبخاصة في الشرق الأوسط بهذا "المزاج الانتخابي" الجديد.
"لا" كبيرة للجمهوريين
العديد من الأسباب أدَّت إلى أن يخسر الجمهوريون تلك الخسارة الكبيرة في مواجهة الديمقراطيين، وكانت هناك أسباب كثيرة تراوحت بين الداخلية والخارجية، ويمكن إجمال أهم تلك الخلافات فيما يلي:
الحرب على العراق:
احتل العراق قائمة الأسباب التي أدَّت إلى أن يخسر الجمهوريون تلك الخسارة الكبيرة؛ حيث ضاق الأمريكيون من الخسائر المتوالية في العراق جرَّاء إصرار الإدارة الجمهورية على عدم تغيير الإستراتيجية التي تدير بها الأمور في العراق على الرغم من كل الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بالأمريكيين في العراق إلى جانب تضرر صورتهم على مستوى العالم، وهو التضرر الذي ضربهم في بعض الدول الحليفة لهم بعيدًا أيضًا عن دول الشرق الأوسط، ومن أبرز النقاط التي قلبت الأمريكيين على إدارتهم في الحرب على العراق:
1- ارتفاع مستوى الخسائر البشرية التي تتعرض لها قوات الاحتلال الأمريكية بالعراق والتي قاربت على الـ3 آلاف جندي وفق الأرقام المعلنة من وزارة الدفاع الأمريكية والتي تبقى على الداوم محل شك من جانب المراقبين سواء في الشرق الأوسط أو على مستوى العالم، وكانت الضربة القاصمة التي واجهت الجمهوريين هي مقتل حوالي 105 جندي خلال شهر أكتوبر الماضي ما جعله أكثر الأشهر دمويةً بالنسبة لقوات الاحتلال الأمريكية في العراق، كما أنَّ الفترة التي تلت إجراء الانتخابات في نوفمبر الحالي شهدت مصرع 20 جنديًّا أمريكيًّا وتحطم مروحية لم يعلن الجيش الأسباب وراءه ما يرفع من احتمالات مسئولية المقاومة العراقية عن ذلك الحادث الذي تكرر كثيرًا.
2- تزايد الكلفة المالية للحرب على العراق فقد وصلت التكلفة الشهرية للحرب على العراق ما يزيد على الـ5.6 مليار دولار أي أن التكلفة اليومية قد وصلت إلى 190 مليون دولار، وهو الأمر الذي يعني أن تكاليف الحرب تجاوزت تكاليف الحرب على فيتنام والتي تقدر في الوقت الحالي بحوالي 5.1 مليارًا، وذلك بالأخذ في الحسبان معايير التضخم وغيرها من المعايير الاقتصادية في الوقت الحالي ما يعني أن تكاليف الحرب على العراق فاقت تكاليف الحرب على فيتنام على الرغم من أن الحرب على فيتنام دامت 8 سنوات بينما الحرب على العراق لم تستغرق إلى الآن سوى 3 سنوات.
![]() |
3- تزايد قضايا الفساد بين أوساط المسئولين الأمريكيين عن عمليات ما يُسمَّى "إعادة إعمار العراق" فالتقارير الأمريكية تقول إنَّ شركة هاليبرتون الأمريكية تعمل على إخفاءِ حسابات لها من أجل تحقيق بعض المكاسب المالية، وهو ما يعتبر تبديدًا لأموال الناخب الأمريكي كذلك أظهرت التقارير الرسمية الأمريكية أن الشركة نفسها وجهت اتهامات إلى مسئولين في الحكومة العراقية بالاستيلاء على مبالغ مالية من حصيلة بيع الوقود الذي كانت الولايات المتحدة ترسله إلى العراق في الفترات الأولى بعد سقوط العراق في يد الغزاة، وهو أيضًا ما اعتبره الناخب الأمريكي إهدارًا لأمواله يأتي على أيدي حكومة لا يعرف عنها شيئًا.
الخلافات داخل الحزب الجمهوري:
ومن بين الأمور التي ساهمت في ضرب الجمهوريين خلال انتخابات التجديد النصفي الخلافات الداخلية في الحزب على العديد من القضايا، ومن بينها بحوث خلايا المنشأ حيث يطالب الكثير من الجمهوريين بتمويلها ومن بين المطالبين بتمويلها زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ بيل فيرست، وكذلك السيناتور البارز جون ماكين فيما يعارض الرئيس جورج بوش الابن إجراءها بسبب انتمائه إلى فريق المحافظين الجدد الذين يحكمون الاعتبارات الدينية في إدارتهم للقضايا الداخلية والخارجية، وهي الاعتبارات التي يقولون إنها تمنع تمويل مثل تلك الأبحاث.
الفساد بكل الصور:
كانت هناك العديد من شبهات الفساد السياسي والمالي والأخلاقي التي ضربت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، ومن آخر تلك الفضائح اعتراف القس الإنجيلي تيد هاجارد بشراء مخدرات من نوع "الميتامفيتامين"، بالإضافةِ إلى الاتهامات التي وجهها له أحد الشواذ ويدعى مايك جونز للقس بإقامة علاقة منحرفة معه مقابل مبلغ مالي دفعه القس له؛ وذلك لمدة 3 سنوات، وقد أثرت تلك الفضيحة كثيرًا على الحزب الجمهوري؛ حيث إن القس كان في وقتٍ من الأوقاتِ مستشارًا في البيت الأبيض مما جعل تلك الفضيحة عاملاً مؤثرًا في دفع الناخبين من الإنجيليين إلى عدم التصويت للحزب الجمهوري ما أفقد الحزب قاعدته التقليدية في أوساط الناخبين ذوي التوجهات الدينية المحافظة.
ماضٍ دموي بالعراق
السؤال الأبرز في الفترة الحالية هو: هل يحدث تغيير كبير في السياسات الأمريكية تجاه الشرق الأوسط وبخاصة العراق..؟! الإجابة الوحيدة هي "لا"، ولهذه الإجابة العديد من الأسانيد وبخاصة فيما يتعلق بالشأن العراقي.
ففي العراق يرى الجمهوريون أنه من الضروري الاحتفاظ بالقوات العاملة في العراق من أجل "إتمام المهمة"، وهو التعبير الذي كثيرًا ما استخدمه بوش الابن في وصف غزو العراق وتدميره، ويرفض تحديد جدول زمني باعتبار أنَّ ذلك سيعتبر نصرًا لـ"المتمردين"، وهو التعبير الذي يصف به الأمريكيون المقاومة الشرعية للاحتلال غير الشرعي، فماذا يرى الديمقراطيون..؟!
رؤية الحزب الديمقراطي لا تختلف كثيرًا عن رؤية الجمهوريين إلا في بعض التفاصيل، فالديمقراطيون لا يطالبون بالانسحاب الفوري من العراق، وسبق أن أعلنت السيناتور الديمقراطي هيلاري كلينتون عن رفضها فكرة الانسحاب الفوري من العراق، كما أعلنت زعيمة الديمقراطيين في مجلس النواب نانسي بيلوسي قبل ما يزيد على العام أن الحزب منع محاولة من جانب عددٍ من أنصاره لتقديم طلب في الكوجرس للانسحاب الفوري من العراق ما يعني أنَّ العراق سيبقى تحت الاحتلال الأمريكي سواء كان ذلك الاحتلال جمهوريًّا أم ديمقراطيًّا!!
الخلاف الوحيد بين تعامل الديمقراطيين مع الملف العراقي وتعامل الجمهوريين هو أن الديمقراطيين سيعملون على تحديد جدول زمني من أجل سحب قواتهم من العراق، لكن ذلك الاختلاف لن يؤثر كثيرًا؛ لأن الديمقراطيين أيضًا يصرون على ضرورة عدم الانسحاب من العراق حتى تكتمل المهمة ومنعًا لاهتزاز صورة الولايات المتحدة أمام المجتمع الدولي إذا هي انسحبت من العراق دون إحلال الاستقرار به، وللديمقراطيين العديد من الرؤى في كيفية التوفيق بين الانسحاب وتحسين الوضع في العراق، لكن كل الخطط الديمقراطية تشترك في خطوط عريضة وهي ضرورة تحديد جدول زمني وبالتوازي مع ذلك يتم تأهيل الحكومة العراقية لإحكام سيطرتها على الوضع مما يمنع حدوث فراغ أمني وسياسي في حالة الانسحاب الأمريكي الكامل.
كذلك يرى الديمقراطيون ضرورة إجراء حوارات مع دول الجوار العراقي وبخاصة إيران وسوريا حول العراق من أجل ضمان عدم تدخل تلك الدول في الشأن العراقي بعد الرحيل الأمريكي، ويعتقد الأمريكيون أن الاهتمام بالعمل في مجال إعادة إعمار العراق سوف يخفض من وتيرة العنف في البلاد ويساهم في تسريع الانسحاب منه إلا أن كل ذلك يأتي في إطار فكرة واحدة، وهي ضرورة تحقيق المشروع الأمريكي في العراق والحصول من العراق على الثمن السياسي والإستراتيجي لـ"عملية تحرير العراق" وهو المسمى الأمريكي لعملية التدمير الكامل التي قام بها الأمريكيون للعراق.
وبصفة عامة فإن ماضي الديمقراطيين مع العراق لا يعطي أي مؤشر على أن اختلافًا كبيرًا قد يطرأ على التعامل الأمريكي مع الملف العراقي، فقد نفَّذ الأمريكيون الاعتداء المسمى "ثعلب الصحراء" على العراق في عهد الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون في العام 1998م والتي جاءت بعد قيام العراق بطرد المفتشين الدوليين أعضاء لجنة "يونسكوم" من أراضيه لقيامهم بالتجسس لصالح الولايات المتحدة، كما لم تقم الإدارة الديمقراطية بعمل أي تغييرٍ في سياسةِ العقوبات التي فرضت على العراق في أعقاب حرب الخليج الثانية في العام 1991م؛ بل على العكس فإن سياسةَ العقوبات تفاعلت بصورةٍ كبيرةٍ حيث إن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش (الأب) لم يمضِ فترة طويلة في البيت الأبيض بعد إقرار تلك العقوبات ما يعني أن الكوارث التي نجمت لأطفال العراق عن تلك العقوبات كانت بإمضاء الإدارة الديمقراطية "الليبرالية" برئاسة بيل كلينتون.
طمأنة ديمقراطية للصهاينة!!
الملف الفلسطيني لن يشهد أي تغيير في حالة تولي الديمقراطيين الأغلبية في الكونجرس والدليل على ذلك أن زعيمة الديمقراطيين في مجلس النواب نانسي بيلوسي وجهت إلى الكيان الصهيوني قبل الانتخابات عبارات تطمئنهم بعدم حدوث تغيير في السياسة الأمريكية تجاه الكيان في حالة فوز الديمقراطيين بالأغلبية، وهذه العبارة تغلق كل أبواب الحديث عن إمكانية حدوث أي تغيير في السياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية.
كما أن تاريخ الديمقراطيين في دعم الكيان الصهيوني طويل وواسع وكبير ولا يمكن للمتابعين للصراع بين العرب والصهاينة إلا أن يتذكروا صورة بيل كلينتون، وهو أمام حائط البراق مرتديًا القبعة اليهودية وذلك على الرغم من أن لا أحد يجرؤ على أن يصف كلينتون بالتدين في أية فترة من فترات حياته!!
وفي إطار "تاريخ الحزب الديمقراطي" مع الفلسطينيين فإن المبادرة التي طرحها كلينتون في يوليو من العام 2000م والتي عُرِفَت بـ"كامب ديفيد الثانية" كانت واحدة من الأسباب الرئيسية التي أدَّت إلى اندلاع انتفاضة الأقصى عندما طرح كلينتون مبادرة تدعو إلى أن تكون السيطرة على المسجد الأقصى للفلسطينيين في أعلى المسجد فقط، بينما تكون السيطرة للصهاينة على ما تحت المسجد وهي المبادرة التي رفضها رئيس السلطة الفلسطينية الراحل ياسر عرفات مما دفع رئيس الحكومة الصهيونية السابق أرييل شارون إلى محاولةِ اقتحام المسجد الأقصى في نهاية سبتمبر من نفس العام لكي يبرهن على أن الصهاينة لهم السيطرة الكاملة على الأقصى الشريف ويحقق أطماعه في الوصول إلى رئاسة الحكومة؛ حيث أراد أن يثبت للصهاينة أنه قادرٌ على تحقيق ما فشل عنه إيهود باراك الذي كان رئيسًا للحكومة الصهيونية في تلك الفترة؛ وهو الأمر الذي قاد إلى انتفاضة الأقصى دفاعًا من الفلسطينيين عن المقدسات الدينية للعالم الإسلامي بأسره.
الدرس العربي
إذن سواء كان الديمقراطيون هم الذين يتولون الأغلبية في الكونجرس- بجناحيه النواب والشيوخ- أو كان الجمهوريون هم مَن يقودون تلك الأغلبية فإن الوضع بالنسبة للسياسةِ الخارجيةِ الأمريكية لن يتغير إلا بمقدارٍ ضئيلٍ جدًّا لن يكون بأي حالٍ من الأحوال في صالحِ العرب، فبعد "مسرحية كامب ديفيد الثانية" مع الفلسطينيين ونيران "ثعلب الصحراء" في صدور العراقيين لا يمكن للعرب أن يتوقعوا إلا المزيدَ من التحركات المشابهة، وبالتالي فإن الدرس الذي على العرب أن يخرجوا به من تلك الانتخابات هو ضرورة ألا ينتظروا مثل تلك الانتخابات أو حتى الانتخابات الرئاسية الأمريكية بمعنى عدم ربط مصير القضايا العربية بمزاج الناخب الأمريكي الذي تحكمه قضايا داخلية لا علاقةَ للعرب بها، ولن يأتي ذلك إلا من خلال صياغة إستراتيجية عربية لعلاج قضاياهم على المستوى العالمي تجبر القوى الدولية على أن تتعامل مع العرب على أنهم "الشريك القوي" لا جسرَ لتحقيقِ الاستقرار للكيان الصهيوني!!
