مقديشو- وكالات الأنباء، القاهرة- حسين التلاوي
أعلنت الحكومة الانتقالية بالصومال اليوم السبت 2 ديسمبر عن ترحيبها بمشروع القرار الأمريكي المقدَّم إلى مجلس الأمن الدولي لنشر قوات دولية تابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال؛ بدعوى العمل على توفير أكبر قدر من الاستقرار في الصومال؛ مما يضعها على طريق الحل السياسي.
ونقلت وكالات الأنباء عن وزير الإعلام في الحكومة الانتقالية علي جامع جنجلي ترحيبَه بمشروع القرار الذي تم توزيعُه على أعضاء مجلس الأمن أمس الجمعة، وقال: "موقفنا واضح, نحن الوحيدون الراغبون في ذلك لأنه يُتِيْحُ لنا تدريب قواتنا".
ومن جانبه انتقد اتحاد المحاكم الإسلامية بالصومال الخطوة الأمريكية، وأعلن القيادي البارز في المحاكم عبد الرحمن علي مودي أنه ليس من حقِّ الأمريكيين أن يطلبوا إرسال قوات أجنبية إلى الصومال، مضيفًا أن اتحاد المحاكم ضد أي قوات تأتي إلى هذا البلد، "بغضِّ النظر عن انتمائها إلى أي بلد".
وكانت الولايات المتحدة قد قدمت مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي لنشر قوات تابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال؛ بدعوى المساعدة في تهيئة الأجواء لإيجاد حلٍّ سياسيٍّ للأزمة الصومالية، لكنَّ مشروع القرار يطلب ألا تكونَ تلك القوات من الدول المجاورة للصومال، مثل أثيوبيا وكينيا؛ منعًا لأية انتقادات قد تواجِه تلك الدول بسبب تدخلها السابق في الأزمة الصومالية؛ مما يعني أنها قد تكون منحازةً ضد هذا الطرف أو ذاك، كما ينص مشروع القرار الأمريكي على التخفيف من حظر توريد السلاح المفروض على الصومال؛ بهدف مساعدة قوات حفظ السلام المفترضة على التزوُّد بالأسلحة بشكل قانوني وتدريب وتجهيز قوات الأمن المحلية.
ولا يُعتَبر ذلك التدخل هو الأول من نوعه بالنسبة للأمريكيين؛ حيث إنهم سبق أن دعموا أمراء الحرب ضد المحاكم، في محاولةٍ منهم لوقف تنامي تيار المحاكم، في إطار استراتيجيتهم لضرب التيار الإسلامي في العالم العربي والإسلامي، إلا أن الخطط الأمريكية باءت بالفشل ونجحت المحاكم في تفتيت تحالف أمراء الحرب.
وترفض المحاكم إدخال أية قوات دولية في الصومال؛ باعتبار ذلك تدخلاً في الأزمة الصومالية ويفتح الباب أمام الكثير من القوى ذات الأطماع في البلاد إلى التواجد عسكريًّا بالأراضي الصومالية؛ مما يساعد تلك القوى على تحقيق أطماعها، كما حذر العديد من المراقبين والخبراء الولايات المتحدة من العمل على نشر قوات دولية في الصومال؛ لخطورة ذلك على الأمن والسلم في القرن الأفريقي بصفة عامة، ويمكن إجمال أبرز الانتقادات التي توجَّه إلى مسألة نشر قوات دولية بالصومال فيما يلي:
- إمكانية مساعدة الدول ذات الأطماع في الصومال على تحقيق أطماعها، من خلال إدخال قوات عسكرية لها في الأراضي الصومالية لها صفة الشرعية هذه المرة، بدلاً من الدخول إلى البلاد بلا مبرر، وهو الوضع الذي يجعلها هدفًا مستباحًا لأية قوة صومالية، مثلما هو الحال مع القوات الأثيوبية المتواجدة في البلاد حاليًا، والتي تُعتبر قوة احتلال، الأمر الذي يبرِّر أية عمليات تقوم بها المحاكم الإسلامية ضد تلك القوات.
وعلى الرغم من أن مشروع القرار يرفض أن تتضمن القوات الأفريقية المفترض نشرُها عناصر من أثيوبيا أو الدول المجاورة للصومال، إلا أن إدخال قوات أجنبية من غير تلك الدول قد يفتح الباب في المستقبل إلى إدخال عناصر منها، الأمر الذي يسهم في تنفيذ مخططات تلك الدول في الأراضي الصومالية، ومن أبرز تلك المخططات الرغبة الأثيوبية في الاستيلاء على مساحات من الأراضي الصومالية تصل بأثيوبيا إلى البحر الأحمر لتعويض سواحلها التي فقدتها بعدما استقلت إريتريا عن الأراضي الأثيوبية؛ مما أدى إلى تحول أثيوبيا بعد ذلك إلى دولة حبيسة.
كما أن أثيوبيا تريد التدخل في الصومال من أجل محاصرة تطلعات حركات المقاومة في إقليم أوجادين الصومالي الذي استولت عليه أثيوبيا بسبب التقسيمات الاستعمارية، والذي يضم حركات مقاومة تعمل على استعادة ارتباط الإقليم بالأراضي الصومالية، وهي الحركات التي تحاربها أثيوبيا وتخشى أن تجدَ الدعمَ من اتحاد المحاكم الإسلامية بالصومال ذي الأجندة الوطنية، وبالتالي فأثيوبيا تريد الدخول إلى الصومال؛ لضمان حصار تلك الحركات وضرب تيار المحاكم؛ لمنع دعمه المتوقع لحركات المقاومة في أوجادين.
- يخشى الكثير من المراقبين أن يؤدي دخول قوات إفريقية إلى الصومال إلى تحوُّل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الخارجية بين القوى الإقليمية المتصارعة، الأمر الذي يعني تحول دخول الصومال إلى حرب طويلة الأمد قد تمتد إلى القرن الأفريقي ككل، فعلى الرغم من أن مشروع القرار يمنع دخول قوات من الدول المجاورة للصومال إلا أن تلك الدول قد تستعين بحلفاء لها في القوات الأفريقية المفترض نشرها وفق مشروع القرار، وبالتالي تحوز الدول المجاورة للصومال وجودًا عسكريًّا في مناطق نفوذ القوات الحليفة لها؛ مما يجعل الصومال ساحةً لتسوية الحسابات بين تلك الدول.
ومن أخطر الحسابات المحتمل تسويتها في حالة حدوث ذلك هو الصراع بين إريتريا وأثيوبيا حيث يسود التوتر في العلاقات بين الجانبين، وتوجِّه إريتريا الاتهامات لأثيوبيا بدعم الحكومة الانتقالية لتحقيق أطماعها في الصومال، بينما تردُّ أثيوبيا باتهامات لإريتريا بدعم المحاكم الإسلامية، وقد وصل الوضع بين الإريتريين والأثيوبيين إلى حدِّ إمكانية تجدُّد القتال بين الجانبين، وهو الأمر الذي لا تريده الدولتان؛ مما يجعل الصومال مجالاً جيدًا أمام البلدين لخوض قتال، بعيدًا عن فكرة الحرب المباشرة، وما قد تجرُّه من انتقادات دولية وتؤدي إليه من خسائر على الجانبين.
- احتمالية تحوُّل تلك القوات الأفريقية في المستقبل إلى قوات دولية؛ حيث إن الولايات المتحدة قد تعمل على تحريك المجتمع الدولي لإرسال قوات دولية بدلاً من الأفريقية؛ بدعوى عدم قدرة القوات الإفريقية على ضبط الأوضاع في الصومال، وبمجرد أن تتحوَّل القوات الإفريقية إلى دولية فإنها سوف تصبح هدفًا لعناصر تنظيم القاعدة وغيرها من التنظيمات المسلَّحة التي سوف تتدفَّق على الصومال لقتال القوات الغربية وخاصةً القوات الأمريكية التي قد تأتي ضمن القوات الدولية المفترضة، وهو ما يعني أن تتحوَّل الصومال إلى عراق جديد أو أفغانستان أخرى والتجارب في هاتين الدولتين لا تمنحان المجال لقبول تكرارها في الصومال.
كذلك فإن دخول القوات الدولية إلى الصومال سوف يُعيد الذكريات المؤلمة للقوات الدولية التي دخلت في عملية "استعادة الأمل" في التسعينيات والتي ارتكبت العديد من الفظائع ضد الشعب الصومالي، وتكفي الإشارة هنا إلى أن عناصر من القوات الإيطالية التي توجَّهت إلى الصومال قامت بشيِّ أحد الصوماليين حيًّا على النيران؛ بدعوى "الحصول على بعض المرح" في تصرف هجمي يشابه الفظائع التي ارتكبتها قوات الاحتلال الأمريكي في سجن أبي غريب بالعراق، وهو الأمر الذي يرفضه الضمير العالمي بالتأكيد.
- دخول قوات أفريقية إلى الصومال سيعني من ضمن ما سيعنيه التأكيد على فشل المنظومة السياسية العربية في تسوية أي نزاع يحدث في العالم العربي بالوسائل السلمية؛ مما يعني فقدان مزيد من الدول العربية الثقة في المنظومة العربية، سواءٌ على المستويات السياسية أو الشعبية؛ حيث إن جامعة الدول العربية تقود في الفترة الحالية جهودًا دبلوماسيةً أسفرت عن توقيع اتفاق مبدئي قبل أشهر بين اتحاد المحاكم والحكومة الانتقالية، يقضي بتأسيس قوات أمن مشتركة ويمنع أيًّا من الطرفين من الاستعانة بأطراف أخرى في الأزمة، إلا أن استعانة الحكومة الانتقالية بالقوات الأثيوبية عرقل الاتفاق، وبالتالي فإن دخول قوات أفريقية إلى الصومال يعني أن الملف انتقل من يدِ جامعة الدول العربية إلى مجلس الأمن الدولي، وهو ما يعني بدوره فشلاً جديدًا للدبلوماسية العربية بعد العراق ودارفور، إلى جانب الفشل الأكبر الشامل لكل أساليب العمل العربي وهو بالطبع القضية الفلسطينية.
ما سبق يوضح أن دخول قوات إفريقية أو دولية في الصومال يعني أن الوضع في القرن الأفريقي سوف يلتهب ويصل إلى درجة خطيرة من التوتر قد تتحوَّل في أية لحظة إلى حرب إقليمية، خاصةً مع الأنباء التي تقول إن دولاً كثيرةً من دول الجوار الصومالي متورِّطةٌ في الأزمة، ومن بينها اليمن وكينيا وأوغندا، بالإضافة إلى أثيوبيا وإريتريا بالطبع، وقد سبق أن وجهت مجموعة إدارة الأزمات الدولية تحذيرًا للولايات المتحدة من العمل على نشر قوات دولية في الصومال لخطورة ذلك وإمكانية ضربه جهود المصالحة السياسية هناك، وقالت المجموعة إن الولايات المتحدة سبق لها أن تدخلت في الأزمة الصومالية بدعم أمراء الحرب ضد اتحاد المحاكم الإسلامية، إلا أن استراتيجيتها فشلت وحققت عكس الأهداف الأمريكية؛ حيث تمكنت المحاكم رغم ذلك من السيطرة على أجزاء كبيرة من الأراضي الصومالية، ومن بينها العاصمة مقديشو ومدينة جوهر التي كانت معقل أمراء الحرب السابقين في البلاد.