كتب- حسين التلاوي

دخلت الأزمة اللبنانيَّة منعطفًا خطيرًا مع سقوط أول ضحيَّة لها في شوارع بيروت، وكانت الضحيَّة الأولى من نصيب حزب الله الذي سقط له أحد العناصر برصاص أحد أنصار تيار الحرير في قلب بيروت، وتزامن ذلك مع تصاعد في وتيرة الاعتصام الذي تقوده المعارضة اللبنانية وسط تطورات سياسيَّة وأمنيَّة كبيرة تفتح المجال أمام العديد من الاحتمالات لتطور الأزمة اللبنانيَّة الحالية؛ حيث لا تزال المعارضة مصرَّة على مواصلة الاعتصام على الرغم من سقوط أحد القتلى من أنصار حزب الله الذي يعتبر أحد أكبر القوى التي تقود الاعتصام في مقابل إصرار أقطاب الحكومة والأغلبية على التمسك بخيار الحكومة الحالية باعتبارها إفرازًا للانتخابات التي جرت في العام الماضي.

 

تأهب أمني

فقد أعلنت مصادر المعارضة اللبنانية أنَّ جنازةَ القتيل الذي سقط خلال المواجهات التي وقعت بين أنصار حزب الله وأنصار تيار المستقبل أمس سوف تشيع اليوم من ميدان رياض الصلح في قلب العاصمة في مظاهرة حاشدة يتم توظيفها لخدمة الاعتصام، إلا أن الأنباء أشارت إلى أنَّ هناك مخاوفَ من جانب المعارضة من تعرض الجنازة للاعتداء من جانب أنصار قوى الأغلبية حيث ستمر الجنازة في مناطق تتمتع فيها قوى الأغلبية بنفوذ.

 

وكان القتيل ويدعى علي أحمد محمود قد سقط في حي قصقص ذي الغالبية السنية جنوب العاصمة بيروت إثر اشتباكاتٍ اندلعت أمس بعد تعرض مجموعة من أنصار حزب الله إلى اعتداء بالحجارة من جانب أنصار تيار المستقبل الذي يقوده النائب سعد الدين الحريري؛ مما أسفر عن إصابة 12 شخصًا لكن الأحداث تطورت بعدما نجحت قوات الأمن في وقف الاشتباكات؛ حيث أطلق أحد الأشخاص النار على أنصار حزب الله؛ مما أدَّى إلى سقوط القتيل، وقد فشلت الأجهزة الأمنية حتى الآن في معرفة هوية القاتل.

 

وقد أدَّى ذلك الحادث إلى تأهبٍ في أوساط الجيش، حيث قالت مصادر أمنية إنَّ الجيشَ قد زاد عدد قواته في المناطق السنية التي يقطعها المتظاهرون الشيعة للوصول إلى وسطِ بيروت؛ حيث تواصل المعارضة اعتصامها، ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن مصادر في الجيش قولها إنه تمَّ نشر حوالي 30 عربةً مدرَّعة و200 جندي للسيطرة على مداخل حي قصقص الذي شهد اشتباكات؛ وذلك منعًا لتحول الاعتصام إلى مواجهات طائفية بين اللبنانيين، وهي المخاوف التي عبَّر عنها العديد من المسئولين العرب والدوليين لكنها لاقت انتقاداتٍ من جانب معظم الأوساط اللبنانية باعتبار أنَّ الشعبَ اللبناني معتادٌ على الاشتباكات والمظاهرات في الشارع، وبالتالي لا توجد فرصة لتحول النزاع السياسي والاعتصام إلى نزاعٍ طائفي يضرُّ بالسلم الأهلي.

 

الدور العربي

ويأتي ذلك التوتر السياسي وسط استمرار المحاولات العربية لاحتواء الأزمة اللبنانية ومنعها من الوصول إلى حدِّ الاقتتال الطائفي، وقد بلغت التحركات مستويات عليا وصلت إلى حدِّ زيارة رأس السياسة العربية، وهو الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى إلى لبنان للتباحث مع الأطراف السياسية المختلفة لإنهاء الأزمة "بما يحقق الوحدة الوطنية اللبنانية" إلى جانب اتصال العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز بكل أعضاء الحكومة اللبنانية للإعراب عن تأييد المملكة لهم في مواجهة المعارضة.

 

كما شهدت الجهود العربية إرسال الرئيس المصري حسني مبارك رسالةً إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري- أحد قيادات الاعتصام- يطلب منه فيها التدخل لإنهاء المعتصمين الحصار الذي فرضوه على القصر الحكومي الذي تتجمع فيه الحكومة لاعتباراتٍ أمنية، وقد أفلحت الجهود التي بذلتها مصر وغيرها من الدول العربية في إنهاء ذلك الحصار.

 

وفيما يتعلق بجولة عمرو موسى فقد غادر بيروت اليوم بعدما التقى مع عددٍ من الزعماء اللبنانين من بينهم رئيس الحكومة فؤاد السنيورة ورئيس مجلس النواب نبيه بري دون أن يفصح عن طبيعة المهمة التي جاء لأجلها، مكتفيًا بالقول إنها تتعلق بـ"الوضع اللبناني الدقيق"، مشيرًا إلى أنه "ربما تتأتى بعض الأفكار من خلال المناقشة ويمكن أن يتبلور أمر ما".

 

وفي إطار التحركات العربية أيضًا من المقرر أن يصل لبنان اليوم بيروت اليوم الإثنين وفد عربي ثلاثي يضم موفدين من الإمارات وتونس والبحرين لبحث الأزمة التي تفاعلت بصورةٍ كبيرةٍ بعد وصول المناقشات بين المعارضة والأغلبية إلى طريق مسدود.

 

الحلولُ الوسط

تدخل المعارضة في تلك المواجهة السياسية مع الحكومة، وهي تمثل العديد من ألوان الطيف السياسي؛ حيث تجمع بين الشيعة وبعض أقطاب الطائفة المارونية؛ الأمر الذي ساعد حزب الله في نفي الاتهامات التي توجهها له قوى الأغلبية بأنه يعمل لتحقيق خطط إيرانية وسورية في لبنان، ويتكون المعسكر المعارض بالأساس من حزب الله وحركة أمل الشيعيين والتيار الوطني الحر بزعامة العماد ميشيل عون، وهو أحد كبار رموز الطائفة المارونية إلى جانب بعض القوى السياسية الأخرى من أمثال تيار المردة بزعامة الوزير السابق المسيحي سليمان فرنجية، وكذلك الزعيم الدرزي طلال أرسلان بالإضافةِ إلى القوميين والناصريين الذين يقودهم التنظيم الشعبي الناصري بزعامة أسامة سعد.

 

وتطالب المعارضة بتشكيل حكومة وحدة وطنية تجمع كل الأطياف اللبنانية تتمتع فيها القوى المعارضة بثلث عدد المقاعد لضمان عدم مرور أي قرار حكومي إلا بموافقة المعارضة وتطلق على عدد المقاعد "الثلث الضامن" أي أنه يضمن تعبير القرار الحكومي عن كل الطوائف اللبنانية، وقد رفضت المعارضة المبادرة التي أطلقتها قوى الأغلبية وبخاصة حزب الكتائب؛ حيث أعلن الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل مبادرة لتأجيل الاعتصام لمدة 10 أيامٍ يتم فيها التوافق بين الأغلبية والمعارضة على إقالةِ الرئيس اللبناني أميل لحود وتشكيل لجنة وطنية من الجانبين لبحث رأي الحكومة في الموافقة على مشروع القرار الدولي بتأسيس المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة المتهمين في اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، وبررت المعارضة رفضها لتلك المبادرة؛ لأنها لا تعالج لب المشكلة.

 

وفي الجانب الآخر تقف قوى 14 من آذار التي تمثل الأغلبية وتسيطر على الحكومة ومجلس النواب وترفض تشكيل حكومة الوحدة الوطنية بصورتها التي تطالب بها المعارضة؛ حيث ترى قوى الأغلبية أن منح المعارضة ثلث عدد المقاعد سيؤدي إلى تعطيل صدور القرارات الحكومة مما يحوله إلى "ثلثٍ مُعَطِّل" لأعمال الحكومة، وتطالب قوى الأغلبية المعارضة اللبنانية بالعمل على الحوار من خلال مؤسسات الدولة بعيدًا عن اللجوء إلى الشارع.

 

ويأتي على رأس قوى الأغلبية تيار المستقبل بزعامة النائب سعد الدين الحريري وحزب الكتائب والحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط، وتحظى تلك القوى بدعم من مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد رشيد قباني الذي يعد أكبر مرجعية سنية في البلاد إلى جانب البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير.

 

ويأتي هذا الخلاف بعدما تصاعدت انتقادات حادة للحكومة اللبنانية بسبب ممارسات الفساد التي شاعت في مختلف الأوساط والمؤسسات الحكومية إلى جانب بطء الحكومة في التعامل مع ملف إعادة الإعمار بالبلاد بعد العدوان الصهيوني الذي تعرضت له لبنان الصيف الماضي، كما تصاعدت في الفترة الأخيرة اتهامات للحكومة بعدم الدستورية بعد استقالة الوزراء الشيعة الـ5 من الحكومة قبل تفاعل الأزمة اللبنانية، وهو ما يعني أن الحكومة اللبنانية تفتقد الدستورية بسبب عدم تضمنها أي وزير شيعي وهو ما يخالف الدستور.

 

وتنوي المعارضة تصعيد تحركاتها في الفترة القادمة وتضع مدى زمنيًّا بين أسبوع وشهر لنجاح جهودها في إسقاط الحكومة؛ حيث أعلنت مصادر المعارضة قبل بدء الاعتصام أنه سيحقق أهدافه في فترة لا تقل عن أسبوعٍ ولا تزيد عن الشهر، بينما تجدد قيادات الحكومة وعلى رأسها فؤاد السنيورة بين كل فترةٍ وأخرى تمسكها بموقعها مما يترك الباب مفتوحًا أمام كل الاحتمالات التي يبقى أقواها تنازل الأغلبية واللجوء إلى الحديث مع المعارضة لتوسيع الحكومة الحالية كحل وسط.