تقرير- حسين التلاوي
بدأت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس اليوم السبت 13/1/2007م جولة جديدة للشرق الأوسط تشمل كلاًّ من الكيان الصهيوني والأراضي الفلسطينية ومصر والأردن والكويت والسعودية، وهي الجولة التي قالت عنها رايس إنها لا تحمل أي جديدٍ ولكنها تهدف فقط إلى تنشيط الأفكار إلا أن هناك العديدَ من المؤشرات توضح أن الجولة تهدف إلى ما يتجاوز مجرَّد تنشيط الأفكار إلى ما يمكن اعتباره "تنشيط التحالفات" في الشرق الأوسط.
وفي البداية لا بد أن يتم إلقاء الضوء على الدوافع وراء المؤشرات التي تؤكد أن الولايات المتحدة تسعى بالفعل إلى إقامة مثل تلك التحالفات في الشرق الأوسط والأهداف التي يمكن أن تتحقق من هذه التحالفات وموقف الأطراف المختلفة في المنطقة من تلك الزيارة.
مؤشرات إقامة التحالف..
هناك العديد من المؤشرات على نية الولايات المتحدة إقامة تحالفات في الشرق الأوسط لتحقيق العديد من الأغراض سواء كانت تلك الأغراض على المدى الطويل أو القصير، ومن أبرز تلك المؤشرات:
- ما قالته رايس نفسها قبل بدء جولتها الأوسطية الجديدة من أن الولايات المتحدة تحاول حشد الجهود العربية لمساعدة الولايات المتحدة في تسوية الأزمة العراقية من منطلق أن "من مصلحة الدول العربية استقرار الأوضاع في العراق"، وهو التعبير الذي قد ينطوي على صيغةِ تهديد للدول العربية بأنها إذا لم تتعاون مع الأمريكيين في إنهاء الأزمة العراقية فإنها ستكون أول المتضررين من الفوضى التي ستنشأ بعد ذلك.
ومما يؤكد أيضًا ذلك التوجه الأمريكي الخاص بإقناع العرب أن من مصلحتهم التعاون مع الولايات المتحدة ما سبق أن أعلنه الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن صباح الخميس الماضي، في كلمته التي أعلن فيها إستراتيجيته الجديدة بشأن الحرب على العراق عندما دعا مصر والأردن والسعودية ودول الخليج العربية إلى التعاون مع بلاده في المسألة العراقية؛ لأن هزيمة القوات الأمريكية في العراق لن تكون في صالح تلك الدول؛ الأمر الذي يعني وجود إستراتيجية أمريكية صريحة في ضرورة إيجاد "محور" للاستناد عليه في الشرق الأوسط للانطلاق نحو تنفيذ المخططات في إطار سياسة المحاور التي دأب الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن على تصنيف الدول على أساسها؛ وذلك بدلاً من مجرد الاستناد على سياسة التعامل مع الحلفاء في الشرق الأوسط كل على حدة بعيدًا عن وجود إستراتيجية يكون لكل طرف فيها دور واضح المعالم.
- تأكيدات الكثير من المسئولين الأمريكيين سواء المتحدثين باسم البيت الأبيض أو الخارجية الأمريكية أو حتى كونداليزا رايس نفسها بضرورة الحديث مع مَن يسمونهم "المعتدلين" في المشهد الفلسطيني، وعلى رأسهم بالطبع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى جانب تأكيد هؤلاء المسئولين على أن هناك دورًا يمكن أن تلعبه "قوى الاعتدال في المنطقة"، وعلى رأسها مصر والأردن والسعودية التي كانت قبل أعوام قليلة واحدة من "الدول التي تصدر الفكر الإرهابي" لمختلف أنحاء العالم بخاصة بعدما زعم الأمريكيون أن نسبة كبيرة من منفذي أحداث 11 سبتمبر كانوا من السعوديين.
- إعلان الولايات المتحدة قبل أيام من أنها تتفهم الغزو الإثيوبي للصومال وتقديمها الدعم السري والعلني لذلك الغزو؛ الأمر الذي تلاه بعد أيام إعلان مصر أنها "تتفهم" التدخل العسكري الإثيوبي في الصومال في تكرارٍ واضحٍ وغير مبرر للتعبيرات الأمريكية على الرغم من سابق المعلومات التي تحدثت عن أن مصر تقدم الدعم لاتحاد المحاكم الإسلامية؛ الأمر الذي يوضح أن هناك بالفعل خطوات لإرساء سياسة الأحلاف في المنطقة من خلال تجميع الحلفاء في فريق واحد.
التحالفات طريق الهيمنة...
طبيعي أن يكون الهدف الرئيسي للأمريكيين من تأسيس هذا التحالف في الشرق الأوسط هو تحقيق مصالحهم في المنطقة والعالم، إلا أن تلك المصالح تتنوع وتتفرع وفق القضايا المثارة في المنطقة، وبصفة عامة فإن هناك قائمة من الأهداف الأمريكية في المنطقة وعلى رأسها:
- وقف ما يزعم الأمريكيون أنه محاولة من الإيرانيين للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط من خلال استغلال الوضع في العراق لتصعيد نفوذ الشيعة في البلاد، وبالتالي تعلية صوت الأقليات الشيعية في المنطقة مما يسمح لإيران بإيجاد موطئ قدم في كلِّ البلاد العربية التي يضم العديد منها مواطنين شيعة سواء كانوا أقلية أو أغلبية، وهو ما يخشاه الأمريكيون، وقد زاد القلق الأمريكي من تنامي الدور الإيراني في المنطقة في أعقاب الخسارة الكبيرة التي مني بها الجيش الصهيوني في الحرب على لبنان أمام مقاتلي حزب الله، فالمراقبون يقولون إن الولايات المتحدة، كما تزعم أن حزب الله ذرع لإيران تعتبر الكيان الصهيوني ذراعًا أمريكيًّا، وبالتالي فإن إيران حققت الانتصار على الولايات المتحدة في تلك الحرب، وهو الانتصار الذي يقول الأمريكيون إن إيران ستحاول أن تستغله في زيادة نفوذها في المنطقة.
ويسعى الأمريكيون إلى إقامة تحالف يضم مصر والسعودية ودول الخليج العربية للتدخل في العراق من أجل إقناع العرب السنة بالدخول في العملية السياسية العراقية، وهو ما سيستفيد منه الاحتلال الأمريكي على محورين الأول إيجاد قوة سياسية سنية تقف أمام نفوذ الشيعة المتصاعد في العراق- والذي يعني زيادة النفوذ الإيراني في العراق والشرق الأوسط- والمحور الثاني إخراج فصائل سنية من ساحة المقاومة العراقية.
وعلى الرغم من إعلان مصر أنها ترفض سياسة الأحلاف ونفي وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط أن تكون زيارته الأخيرة لتركيا هي لتشكيل تحالف سني بين مصر والسعودية وتركيا ضد إيران الشيعية إلا أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن الرئيس المصري حسني مبارك وغيره من المسئولين المصريين تؤكد أن مصر تشعر بالقلق الفعلي من تنامي النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط؛ حيث قال إن امتلاك إيران للسلاح النووي سيدفع مصر إلى امتلاكه في أول تصريحٍ من مسئولٍ مصري بإمكانية وضع مصر لخطط نووية.
- إقرار تسوية سلمية للقضية الفلسطينية تقوم على تحقيق المصالح الصهيونية من خلال منح الصهاينة الأراضي التي يرونها كافية من أجل تحقيق الأمن، وهو ما يسعى الصهاينة بالفعل إلى تحقيقه من خلال بناء جدار الفصل العنصري الذي سيقتطع عند إكماله نسبة 10% من أراضي الضفة الغربية قبل العام 1967م، ولعل التأخير الأمريكي في الضغط على الصهاينة يرجع إلى رغبة الولايات المتحدة في ترك المساحة الزمنية الكافية للصهاينة لإنهاء الجدار العنصري بحيث يتم فرض أمرٍ واقعٍ على الفلسطينيين، ويرغب الأمريكيون في تشكيل جبهة عربية تعمل على التوصل إلى حلٍّ بهذا المضمون بغض النظر عن طبيعة الإطار الذي يمكن أن يأتي ذلك الحل ضمنه.
وتؤكد المؤشرات أن الولايات المتحدة ترغب في الاستعانة بالدول العربية التي تصفها دوائر القرار الأمريكي بأنها "المعتدلة" من أجل النجاح في تحقيق تلك الأهداف فمصر تملك علاقات جيدة بين الجانبين الفلسطيني والصهيوني، بينما يهدف الأمريكيون من إدخال السعودية في ذلك التحالف إلى جذب العديد من الدول العربية الأخرى له؛ حيث إنَّ دخول السعودية في تحالف يفضي إلى إجراء اتفاق سلام بين الكيان والفلسطينيين سيؤدي إلى تشجيع المزيد من الدول إلى الدخول في نفس السياق السياسي لما تتمتع به السعودية من ثقلٍ دبلوماسي وديني كبير في العالم الإسلامي.
- تأكيد الهيمنة الأمريكية على مستوى العالم من خلال السيطرة على البقعة الأكثر اضطرابًا في العالم كله، وهي الشرق الأوسط فالولايات المتحدة تريد دفع الدول العربية إلى تبني الإصلاحات الديمقراطية على الشكل الأمريكي بما يحفظ بقاء الأنظمة الحليفة للأمريكيين في المنطقة، وهو ما يُعبِّر عن أن الأمريكيين لا يريدون إلا تحقيق مصالحهم؛ لأن الانتخابات إذا جرت بصورةٍ نزيهةٍ في الشرق الأوسط ستسفر عن سقوطِ الحكامِ الموالين للولايات المتحدة!!
ويكتسب الشرق الأوسط أهمية لأنه على الرغم من أن هناك العديدَ من القوى السياسية الدولية في العالم والتي تعارض السياسات الأمريكية، ومن بينها الصين إلا أن الشرق الأوسط يعتبر هو العامل الأساسي في منع الولايات المتحدة من "الإعلان رسميًّا" عن أنها هيمنت على الشئون العالمية، وبالتالي فإن الولايات المتحدة تريد أن يكون ذلك التحالف ممرًّا للإعلان عن هيمنتها على الشأن الدولي.
رايس مرفوضة
العديد من الأطراف المختلفة في الشرق الأوسط أعربت عن انتقادها لزيارة رايس، ومن بين القوى التي عبَّرت عن رفضها الكامل لتلك الزيارة الحكومة الفلسطينية؛ حيث أكد رئيس الوزراء إسماعيل هنية أن زيارة رايس لا تهدف إلا إلى إشعال الحرب الأهلية الفلسطينية، موضحًا أن مختلف الزيارات السابقة لرايس تلتها كوارث في الأراضي الفلسطينية، كما اعتبرت حركة المقاومة الإسلامية حماس أن كونداليزا رايس ليس مرحبًا بها في الأراضي الفلسطينية.
ولم يخرج موقف حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية والجماعة الإسلامية في رام الله عن تلك المواقف السابقة باعتبار زيارة محاولة من جانب الأمريكيين فرض هيمنتهم على المنطقة وضرب وحدة الصف الفلسطيني.
كما أن المحللين يرون أن زيارات رايس السابقة التي حملت خلالها خططًا لم تنجح في تحقيق أي جديدٍ فيما يتعلق بالعراق أو القضية الفلسطينية؛ لذا فإن زيارتها الحالية التي قالت هي نفسها أنها لا تحمل إلا أفكارًا لن تؤدي إلى جديدٍ على صعيد تسويات الملفات المتفاعلة في المنطقة، وبالتالي فإن الهدفَ الرئيسي من زيارة رايس الجديدة للشرق الأوسط لن تكون للبحث عن حلول وإنما للبحث عن حلفاء لتطبيق تلك الحلول في المراحل القادمة.. فهل يقبل العرب الدخول في مثل ذلك التحالف؟!
المؤشرات الأولية تقول إن الأرض ممهدة لقيام ذلك التحالف وإن كان بصورةٍ سريةٍ، وهو الأمر الذي يتفق مع ما دأبت عليه الدبلوماسية العربية منذ عقودٍ في التصريح بأمرٍ والقيام بأمرٍ آخر وهي الدبلوماسية المتوقع أن يتبعها العرب لعقود قادمة...!