تقرير: أحمد التلاوي

دخل السودان مرحلةً جديدةً من الأزمة السياسيَّة بعد تصريحات سلفا كير ميارديت النائب الأول للرئيس السوداني حول الأزمة في دارفور والتي ضربت بقوة بنية النظام السوداني الحاكم من وجهة نظر العديد من المُراقبين كون كير زعيم الحركة الشعبيَّة لتحرير السودان وقائمٌ في منصبه هذا بموجب اتفاق سلام الجنوب المُوقَّع في منتجع نيفاشا الكيني بين الحكومة السودانيَّة والحركة في التاسع من يناير 2005م.

 

وكانت تصريحات كير التي أثارت الأزمة قد اتهمت حكومة الوحدة الوطنية الحالية في الخرطوم بأنها فشلت في إيجاد سلامٍ يُوفِّر الأمن والحماية للمدنيين في إقليم دارفور، ودعَّم خيار التَّدخُّل الدَّولي في الأزمة في هذا الإقليم المُشتعل غربي السودان؛ حيث قال في تصريحاتٍ لقناة (الجزيرة) الفضائية ما نصُّه: "إنَّ التَّدخل الدولي لإيقاف القتال أصبح أمرًا ضروريًّا بعدما فشلت الحكومة في تأمين حياة وممتلكات المواطنين بالإقليم".

 

هذه التصريحات أثارت أزمةً بطبيعةً الحال في أروقةِ السياسة والحكم في السودان؛ وكان حزب المؤتمر الوطني الحاكم أكبر المنتقدين لتصريحات كير؛ حيث اعتبرها "مضرة بالمصلحة القومية للبلاد"، وقال عبد الرحمن الزومة- مسئول الإعلام الدولي بالحزب- إنها "تصريحات سلبية المستفيد الوحيد منها أعداء الوطن"، وزاد على ذلك بالقول: "إن مسئولي الحركة الشعبية مخطئون إذا تصوروا أنهم يمكنهم بمثل هذه التصريحات تصفية حساباتٍ سياسية"، أو الحصول على مكاسب جديدة من اتفاق نيفاشا طبقًا لمسئولي الحزب الحاكم.

 

توقيت التصريحات

وتأتي هذه التصريحات في توقيتٍ بالغ الحساسية بالنسبة للوضع العام في السودان؛ حيث أعلنت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي قبل بضعة أيام أسماء عددٍ من المتهمين بما أسمته مذكرة أصدرها المدعي العام للمحكمة لويس مورينيو أوكامبو بـ"جرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور"، ومن بين الأسماء التي طالب قضاة المحكمة بمثولهم أمامها وزير الدولة السوداني أحمد هارون، وعلي محمد علي عبد الرحمن، وهو أحد زعماء ميليشيات الجانجويد ويُعرف أيضًا باسم علي قشيب، وتشمل المذكرة الصادرة عن أوكامبو اتهامات بالاغتصاب والقتل الجماعي والتهجير القسري.

 

 الصورة غير متاحة

ممارسات متمردي دارفور سمحت بالتدخل الأجنبي

وزاد من حدة المشكلة التي تواجهها الخرطوم الضغوط التي يمارسها حاليًا كلٌّ من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على السودان لقبول تدويل الأزمة في دارفور وإرسال المسئولين المتهمين في قائمة أوكامبو- والتي أُعلن منها اسمَان فقط هما هارون وقشيب- للمحاكمة في لاهاي، وهذه الضغوط لاقت مؤيدًا قويًّا لها في الداخل السوداني بتصريحات كير هذه التي لم يكن لها من وجهةِ نظر الكثير من المراقبين مجال في هذا التوقيت.

 

فالخرطوم ترى أنَّ فتح المجال أمام تَدَخُّلٍ دولي في دارفور تحت مظلة الأمم المتحدة يعني فتح المجال أمام استعمارٍ جديد ودعم المشروع الإمبريالي الأمريكي- الصهيوني- البريطاني في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط، والذي بدأ بأفغانستان ويبدو أنَّه لن ينتهي بالعراق والصومال، كما أنَّ السودان يرفض تمامًا المزاعم الغربيَّة عن حجم ضحايا الأزمة في دارفور، وكذلك نوعيَّة الجرائم التي يزعم الغرب أنَّها تقع هناك، وقالت الخرطوم مرارًا إن كل الأرقام والمعلومات الغربيَّة في هذا الشأن مُضلِّلة وأكبر بكثيرٍ من الواقع، والغرض منها الضغط على الرأي العام العالمي لتبرير التَّدخُّل الدولي في دارفور، وإدخال منظمات التنصير إلى هذه المناطق البعيدة تحت مظلة العمل الإنساني.

 

كذلك تنفي الحكومة السودانية تورطها في عمليات قصف