بقلم: أ.د. إسماعيل صديق عثمان
المتأمل في واقع الدعاة والمنظمات الدعوية في العالم الإسلامي المعاصر يجد أن هناك موجة عالية للنقد غير الموضوعي والمتحيز والمتعصب الذي لا يبني، بل يعمل على الهدم -أعاذنا الله- وهو نقد محرم و بعضه مكروه لما يكون به من دفع للحق أو تحقيق لعناد أو انتصاراً للنفس بالباطل، وكثير ما نرى التجريح في شخصية من يُوجه إليه النقد بأوصاف لا تليق بمن يريد الإصلاح، أو من الذي يتعرض للأخطاء من أجل تقويمها وتبيّين الحق من الباطل؛ فالجرح في أي داعية أو عالم، دعوى تحتاج إلى دليل، والدعاوى إن لم يُقِمْ أصحابُها بيناتٍ، فأصحابُها أدعياءُ، كما لاحظت مؤخراً كثرة تتبع العثرات، وعدم الموازنة بين هفوة الداعية أو العالم وفضائله الكثيرة، فمن ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط، ومن الذي سلم من الخطأ غير أنبياء الله ورسله؟! فليس هناك كمال بشري، وكم لبعض المشاهير من العلماء الكبار من زلات لكنها مغتفرة بجانب ما هم عليه من الحق، والهدى، والخير، والصلاح؟
ولنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة حين قال في أسارى بدر: (لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء لتركتهم له)، فيظهر لنا من قوله -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يذكر محاسن المشركين، فما بالنا نحن مع إخواننا المسلمين!
وفي ذلك يقول ابن القيم: (فلو كان كل من أخطأ أو غلط تُرِكَ جملةً، وأُهدرت محاسنه لفسدت العلوم والصناعات والحكم وتعطلت معالمها)، ونذكر من هدي السلف الصالح أيضا: قول سعيد بن المسيب: ليس من عالم ولا شريف ولا ذي فضل إلا وفيه عيب؛ ولكن إن كان فضله أكثر من نقصه ذهب نقصه لفضله؛ كما أن من غلب عليه نقصانه ذهب فضله)، كذلك هناك من يتربص ويطعن في النيات والمقاصد: فمقصد فلان خبيث فاسد، بل ويسارع البعض في الحكم على النيات بالظن؛ رغم أن معرفة ما في السرائر موكول إلى الله -جل وعلا- ويتم ذلك بمبرر وحجة بيان الحق وتعرية الباطل وأهله؛ وقد لاحظت أيضاً -في مجموعات التواصل- التهويل في نقد بعض العلماء أو الدعاة، ورميهم بالكذب أو البدعة أو قلة العلم، ووصمهم بأنهم أعداء مستترين للدين وبذلك هم أخطر من اليهود والنصارى.
والمعلوم المؤكد أن النقد المراد به الإصلاح -اصلاح الأمة- لا يعفى منه أحد كما لا يعفى منه كُثُرٌ من المنتسبين للدعوة، وهو حقّ منحه الله -تعالى- لنا، وواجب كلّفنا الله (سبحانه وتعالى) به، وأمرنا أن نقوم به كعبادة نتقرب بها إلى الله، وإذا فرّطنا في هذه العبادة فسوف نُحاسَب من قِبَلِ الله (تعالى) عليها، ولكن ذلك يتم وفق لشروط وضوابط معينة.
ولعل من أهم أسباب النقد الهدام الذي نحن بصدده هو التقليد والتعصب الأعمى: وهو تقليد مذموم كان المشركون يفعلونه وكانوا يقولون: (إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُون)، إلى جانب الحسد: الذي يعمي ويصم، وكذلك الهوى: فللنفس البشرية حظ ورغبة من الأقوال والأفعال والمقاصد ورغبة في الوقوع في أعراض الآخرين.
ويمكننا إضافة الغيرة لهذه الأسباب: الغَيْرةُ هي التي قد تجر صاحبها للوقوع في لحوم العلماء والدعاة، وقد كان السلف يحذرون من صنفين من الناس: صاحب هوى قد فتنه هواه، وصاحب دنيا أعمته دنياه. ومن الأسباب أيضاً سوء الظن: وحمل التصرفات -سواء قولاً أو فعلاً - على محامل السوء والشكوك! والأصل في الحكم على المسلم حسن الظن به: -قال (تعالى): (يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا).
وفي حادثة الإفك درس بليغ ينبغي علينا جميعاً أن نعيه يقول - تعالى-: (لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إفْكٌ مُّبِينٌ)، فكما أن المسلم يحسن الظن بنفسه فعليه أن يحسن الظن بإخوانه.
وقد كثر المتعالمون في عصرنا، وأصبحنا نجد الأحداث يتصدرون لنقد العلماء، ويحاولون تفنيد آرائهم، بل وتقويم أقولهم بجراءة يحسدون عليها، فماذا تنتظر ممن يجهل قدر نفسه ويتعدى حدوده غير رمي العلماء بالنقائص والوقوع في الشحناء والبغضاء؟!
المؤكد بلا شك أن النقد البناء للتقويم هو عملية مهمة وضرورية بل ولازمة، وهو النقد الذي يقوّم به صاحبه الخطأ، ويحاول إصلاحه وهو نوع من النصيحة نستجيب فيه لقول رسول الله -صل الله عليه وسلم-: (الدين النصيحة: لله ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم)، فهو إذاً نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لقوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَاًمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ) ولقوله صلوات الله عليه وسلامه: (من رأى منكم منكراً فليغيره ... ) والنقد البناء عملية لها ضوابطها -كما أسلفنا- وخصائصها، التي تلازمها وتلازم ممارسها، فأي مجال يحتاج للمراجعة الدائمة، والتقييم المستمر الذي يجب أن يقوم به الفرد أو الجماعة وقد علمنا القرآن ذلك ُوقسم النفس البشرية الى أقسام فهناك النفس التي تعيش دوماً عملية اللوم والمراجعة الإيجابية لذاتها، بالمحاسبة والندم علي الأخطاء؛ (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)..
وينبغي علينا عدم التهويل في الأمور الخلافية التي يسوغ فيها الاجتهاد والخلاف وهي كثيرة فالمخالفة تسوغ في الفروع وفي الأمور الظنية، بل قد يكون الخلاف فيها قد حصل عند السلف، فلماذا نترك للخصومات أن تجرنا لاتهام البعض بخلل المنهج والانحراف عنه؛ ولماذا لا نترفق بإخواننا؛ فما كان الرفق في شيء إلا جمله وزانه، ومن السنة أن يوقر العالم وإن نحفظ ألسنتا عنه، فإن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه كما قال -صل الله عليه وسلم-. وللذين ابتلوا بهؤلاء -هداهم الله- نقول لا يثنينك هذا النقد الهدام والجرح عن موقفك فتتراجع عن الحق فالثباتَ الثباتَ وتوكل على الله فهو يتولى الصالحين، ولا تنزل عن وقارك وتتبع طريقتهم لتثأر لنفسك وتتساوى معهم، وليكن في سيرتك وسريرتك من النقاء وصفاء النية ما يحملك على استيعاب الآخرين فتكظم غيظك، وتحتسب ما نالك من الأذى عند الله فالأمور مرهونة بحقائقها، وليتنا نلتفت للقضايا الكبرى التي تهم الأمة والخطر المحدق بها، ولا ندع الظالم الأكبر الذي يتربص بأهل الإسلام الدوائر؛ ونقع في عروض إخواننا.
(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* بروفيسور/ إسماعيل صديق عثمان إسماعيل؛ أستاذ العقيدة والأديان بجامعة بحري. عضو الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين.