بعد مرور نحو سبعة أشهر على إعلان وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تتبدد الآمال التي علّقها السكان على هذه المرحلة بوصفها بوابة للتعافي، لتتحول إلى واقع يكرّس المعاناة الإنسانية ويعمّق الأزمات المعيشية بدلًا من احتوائها.

ولم ينعكس الواقع الجديد بأي تطور على حياة المدنيين، الذين ما زالوا يواجهون ظروفًا قاسية تتصدرها أزمات الغذاء والمياه وانقطاع الكهرباء، ما يجعل تفاصيل الحياة اليومية معركة بحد ذاتها.

أوضاع إنسانية متدهورة

على الأرض، يتواصل التدهور الإنساني بوتيرة مقلقة، حيث تعيش آلاف العائلات في ظروف نزوح قاسية أو دون مأوى، في ظل نقص حاد في الخدمات الأساسية.

وتتحول مراكز الإيواء المكتظة إلى بيئات تفتقر لأدنى مقومات الحياة، مع تزايد معاناة الفئات الأكثر هشاشة، خصوصًا الأطفال وكبار السن.

وفي القطاع الصحي، تعمل المستشفيات والمراكز الطبية بإمكانات محدودة للغاية، وسط نقص حاد في الأدوية والمستلزمات، ما يضع المنظومة الصحية على حافة الانهيار، خاصة مع تزايد أعداد المرضى والمصابين.

خطر شلل الخدمات الحيوية

وفي هذا السياق، حذر الناطق باسم الدفاع المدني في غزة، الرائد محمود بصل، من توقف شبه كامل للخدمات الإنسانية والإغاثية، نتيجة استمرار منع إدخال الوقود والزيوت وقطع الغيار اللازمة لتشغيل المركبات والآليات.

وأوضح بصل في تصريح صحفي أن الأزمة لا تقتصر على جهاز الدفاع المدني، بل تمتد إلى مختلف القطاعات الحيوية، بما في ذلك المستشفيات التي تعتمد على المولدات الكهربائية في ظل انقطاع التيار، مشيرًا إلى أن هذه المولدات مهددة بالتوقف بسبب نقص الزيوت والصيانة.

وأضاف أن نقص قطع الغيار أدى بالفعل إلى خروج عدد من مركبات الدفاع المدني عن الخدمة، ما خفّض القدرة التشغيلية إلى نحو 10% فقط، في وقت باتت فيه بعض المناطق خارج نطاق الخدمة، ما يترك السكان دون استجابة كافية في حالات الطوارئ.

خروقات متواصلة للهدنة

في موازاة ذلك، كشف المكتب الإعلامي الحكومي في غزة عن تسجيل أكثر من 2400 خرق لاتفاق وقف إطلاق النار خلال الأشهر الستة الماضية، توزعت بين إطلاق نار وتوغلات برية وعمليات قصف ونسف داخل مناطق مدنية.

ووفق البيان، أسفرت هذه الخروقات عن ارتقاء 824 فلسطينيًا، بينهم المئات من الأطفال والنساء والمسنين، إضافة إلى إصابة نحو 2316 آخرين، في حين شكّل المدنيون نحو 99% من إجمالي الضحايا.

كما تم اعتقال 50 فلسطينيًا خلال الفترة ذاتها، حيث جرت معظم هذه العمليات داخل الأحياء السكنية، وبعيدًا عن مناطق انتشار القوات، ما يشير إلى انتهاكات مباشرة لبنود الاتفاق.

فجوة بين التعهدات والتنفيذ

وعلى الصعيد الإنساني، تظهر البيانات فجوة كبيرة بين ما نص عليه اتفاق الهدنة وما تم تنفيذه فعليًا، خاصة فيما يتعلق بإدخال المساعدات والوقود.

فخلال ستة أشهر، دخل إلى القطاع نحو 41,714 شاحنة فقط من أصل 110,400 شاحنة كان من المفترض إدخالها، بمتوسط يومي بلغ 227 شاحنة، مقارنة بـ600 شاحنة يوميًا ينص عليها الاتفاق، إلى جانب 50 شاحنة وقود.

ويرى مختصون أن هذه الأرقام تعكس قصورًا واضحًا في تنفيذ الالتزامات، في ظل استمرار القيود المفروضة على حركة البضائع والأفراد، ما يفاقم من تدهور الأوضاع الاقتصادية ويعمّق معدلات البطالة والفقر.

هدنة بلا أفق

في المحصلة، تبدو الهدنة في قطاع غزة أقرب إلى حالة من "تجميد الأزمة" بدلًا من حلّها، حيث يستمر التدهور الإنساني وسط غياب أفق سياسي واضح أو تحرك دولي فاعل يضمن تنفيذ بنود الاتفاق، خاصة في شقها الإنساني.

الاحتلال يتنصل

من جانبه، يرى المحلل السياسي هلال نصار أن الهدنة في قطاع غزة، التي كان يفترض أن تنهي الحرب وتوقف إطلاق النار، لم تحقق أهدافها، بل شهدت خروقات صهيونية متكررة أسفرت عن سقوط مئات الشهداء منذ اتفاق شرم الشيخ.

ويشير في حديث له أن الهدنة جاءت بعد حرب مدمرة استمرت أكثر من عامين، خلّفت خسائر بشرية هائلة ودمارًا واسعًا في البنية التحتية، وفاقمت الأزمات الاقتصادية والصحية.

ويوضح أن الاتفاق تضمن ثلاث مراحل، بدأت بإطلاق الأسرى وانسحاب جزئي للقوات وتعزيز المساعدات، على أن تنتهي بوقف دائم لإطلاق النار وإعادة الإعمار، إلا أن الواقع الميداني لم يلتزم بهذه الترتيبات.

ويؤكد نصار أن الهدنة لم تُخفف معاناة السكان، بل زادتها تعقيدًا مع استمرار القصف ونقص الأدوية، معتبرًا أنها منحت الاحتلال فرصة لتوسيع سيطرته وتكريس خروقاته. كما لفت إلى أن غياب الاستقرار أدى إلى تفاقم الأوضاع الاجتماعية، مع تزايد أعداد الأيتام والأرامل، واتساع الفجوة داخل المجتمع الغزي.

نمط مألوف من الازدواجية

وفي السياق قال الكاتب والمحلل السياسي محمد شاهين إن عدم التزام الاحتلال بالهدنة في قطاع غزة يمثل نمطًا مألوفًا من الازدواجية التي تحكم سلوك القوى المهيمنة تجاه القضية الفلسطينية.

وأضاف شاهين في تصريح صحفي أنه منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر 2025، سجّل مكتب الإعلام الحكومي في غزة أكثر من 2400 انتهاك صهيوني حتى منتصف أبريل 2026.

وأوضح أن هذه الانتهاكات شملت إطلاق نار مباشر على المدنيين، وغارات جوية، وقصفًا مدفعيًا، وتوغلات برية، إضافة إلى تدمير منازل وممتلكات.

وأشار شاهين إلى تصريحات المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، التي أكد فيها أن الفلسطينيين في غزة لا يزالون غير آمنين بعد ستة أشهر من إعلان الهدنة، في ظل استمرار الهجمات اليومية بالغارات والرصاص والقصف، وهو ما يصعب التوفيق بينه وبين مفهوم وقف إطلاق النار.

وشدد على أن هذا السلوك لا يمكن اعتباره مجرد مخالفات عرضية، بل يمثل انتهاكًا منهجيًا للقانون الإنساني الدولي واتفاقيات جنيف، التي تحظر استهداف المدنيين والمنشآت غير العسكرية، وتُلزم قوة الاحتلال بحماية السكان الواقعين تحت سيطرتها.

وبيّن شاهين أن هناك تناقضًا عميقًا بين الخطاب الذي يروج للسلام، والممارسة الفعلية التي تعيد إنتاج السيطرة والقمع عبر العنف المؤسسي المستمر. وأضاف أن وقف إطلاق النار يتحول، في هذه الحالة، إلى وضع "لا حرب ولا سلام"، يتيح للاحتلال الحفاظ على سيطرته على أجزاء واسعة من الأرض، مع تقييد تدفق المساعدات وفرض ظروف معيشية قاسية تعيق أي عملية إعادة إعمار حقيقية.

وأكد أن هذا النمط يعكس رؤية استعمارية تتعامل مع الشعب الفلسطيني باعتباره تهديدًا وجوديًا، يُواجَه بالقوة بدلًا من الاعتراف بحقوقه أو السعي لتحقيق المساواة.

وفيما يتعلق بالدور الدولي، قال شاهين إن الولايات المتحدة، بوصفها وسيطًا رئيسيًا في الاتفاق، تتحمل مسؤولية خاصة في ضمان تنفيذ عادل لبنوده، غير أن الدعم السياسي والعسكري غير المشروط لإسرائيل يقوض مصداقية النظام الدولي، ويحوّل القانون إلى أداة انتقائية تُستخدم لخدمة المصالح لا المبادئ.

وختم شاهين بالقول إن السؤال الجوهري يظل قائمًا: هل يمكن بناء سلام مستدام على قاعدة من عدم المساواة الهيكلية والعنف الممنهج؟ أم أن أي حل حقيقي يتطلب الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإنهاء الاحتلال والسياسات التي تحوّل الهدنة إلى غطاء لاستمرار السيطرة؟

وأكد أن الوقائع على الأرض تشير بوضوح إلى أن هذه الانتهاكات المتواصلة تجعل من الهدنة مجرد مرحلة انتقالية تُستخدم لإدامة واقع الاحتلال وعدوانه على قطاع غزة، في ظل غياب مساءلة حقيقية.