في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، رفعت السلطات البريطانية مستوى التهديد الأمني إلى ما قبل الأخير، مستندة إلى حوادث أمنية متفرقة، بينما اتجهت في الوقت ذاته إلى تحميل الحراك المؤيد لفلسطين جزءاً من المسؤولية، مع تصاعد الدعوات الرسمية لتقييد التظاهرات المناهضة للحرب على غزة.

وأعلن مركز متابعة الإرهاب، بدعم من الشرطة ووزيرة الداخلية شبانة محمود، رفع مستوى التأهب في 30 إبريل 2026، بعد ستة حوادث استهدفت مؤسسات يهودية وسفارة الاحتلال خلال الأشهر الستة الماضية، كان أبرزها حادث طعن في شمال غربي لندن اعتبرته الأجهزة الأمنية "هجوماً إرهابياً".

وبرغم التحذيرات المتواصلة منذ 7 أكتوبر2023 من تداعيات حرب الإبادة الصهيونية على الأمن الداخلي البريطاني، فإن السلطات لم تتخذ هذه الخطوة إلا مؤخراً، وسط تقديرات بأن احتمال وقوع هجوم خلال الأشهر الستة المقبلة بات "مرجحاً للغاية".

في المقابل، حذر الحاخام جاكوب ويز، أحد قادة جماعة "يهود ضد الصهيونية ومن أجل فلسطين"، من أن يهود بريطانيا قد يدفعون ثمن سياسات الاحتلال والدعم البريطاني له، معتبراً أن قمع الاحتجاجات ضد جرائم الحرب سيكون له أثر عكسي على المجتمع اليهودي نفسه.

وقال ويز إن الغضب الشعبي المتصاعد بسبب ما يجري في غزة ولبنان وإيران قد ينعكس سلباً على اليهود الذين لا علاقة لهم بهذه السياسات، مضيفاً أن هذا الواقع "يخدم الصهاينة" الذين قد يستفيدون من تصاعد التوتر لإسكات الأصوات المعارضة.

بيئة محفزة للتهديدات

وفي الاتجاه ذاته، رأى دانيال ليفي، المفاوض الصهيوني السابق، أن بريطانيا قد لا تعيد النظر في سياساتها الداعمة للاحتلال إلا تحت ضغط أمني داخلي، في ظل تزايد المخاوف من تداعيات الصراع على الداخل البريطاني.

لكن بدلاً من مراجعة السياسات، اتجهت مؤسسات الدولة إلى اتهام حركة "فلسطين أكشن" المناهضة للحرب، إذ قال المستشار القانوني للحكومة لشؤون مكافحة الإرهاب، جوناثان هول، إن الهجمات الأخيرة تمثل "أكبر حالة طوارئ أمنية منذ 10 سنوات"، محمّلاً التظاهرات المؤيدة لفلسطين مسئولية خلق بيئة محفزة لهذه التهديدات.

ودعا هول إلى "تجميد مؤقت" لهذه المظاهرات، معتبراً أنه من المستحيل ألا تتضمن خطاباً معادياً للسامية، وأن اللغة المستخدمة فيها تضع "علامة استهداف على ظهور اليهود"، على حد تعبيره، كما اعتبر أن "شيطنة الإسرائيليين" تُستخدم وسيلة لنشر الكراهية.

وأثارت هذه التصريحات انتقادات واسعة، خاصة مع الكشف عن علاقات لهول بدوائر مؤيدة للكيان الصهيوني، بينها صلته العائلية بلورد جون دايسون، المرتبط بجماعة "محامون من المملكة المتحدة من أجل إسرائيل"، إضافة إلى مواقفه السابقة التي دعت إلى تصنيف حركة "بالستاين أكشن" منظمة إرهابية، وهو ما رفضته المحكمة العليا في فبراير الماضي.

كما أشارت تقارير إلى زيارات لهول إلى الكيان الصهيوني ولقاءات مع مسئولين أمنيين، فضلاً عن دعوته في وقت سابق إلى تجريم "تشويه صورة الإسرائيليين" باعتباره شكلاً من أشكال الكراهية.

وتزامنت هذه الدعوات مع تصعيد من منظمات يهودية مؤيدة لإسرائيل، مثل مجلس المندوبين اليهود ومجلس القيادة اليهودي، إلى جانب وسائل إعلام، في حملة ضغط على الحكومة لتقييد المظاهرات المؤيدة لفلسطين.

ويقول الكاتب عامر سلطان في تقرير نشرته "العربي الجديد"، إن هذه الدعوات تتزامن أيضاً مع أزمة متصاعدة بين الشرطة البريطانية ومنظمي مسيرة يوم نكبة فلسطين، الذي يجري الإعداد لها منذ نحو خمسة أشهر برغم رفض مفوض شرطة لندن مارلي رولي لها.

وأضاف: "فتّش المعارضون للحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين وتواطؤ بريطانيا معها في أوراق المستشار القانوني المستقل وعلاقته بإسرائيل. فالرجل هو صهر لورد جون دايسون، الرئيس السابق لمحكمة الاستئناف في إنكلترا وويلز وأحد الرعاة الحاليين لجماعة محامون من المملكة المتحدة من أجل إسرائيل، إحدى أقوى اللوبيات التي تفخر بأن هدفها خدمة مصالح إسرائيل في بريطانيا وخارجها".

وفي السياق، قال وزير الدولة بوزارة العدل، إليكس ديفيز-جونز، إن الحكومة مستعدة لحظر المظاهرات "عند الضرورة"، مدعياً أن بعضها مختطف من قبل جهات تسعى إلى "زرع الفتنة".

كما دعا رئيس الوزراء كير ستارمر الشرطة إلى ملاحقة متظاهرين يرفعون شعارات مثل "عولمة الانتفاضة"، معتبراً أنها تثير الخوف لدى اليهود البريطانيين، رغم تأكيد نشطاء أن الشعار يعبر عن دعم المقاومة السلمية للاحتلال.

في المقابل، أشار رئيس جهاز مكافحة الإرهاب، لورانس تايلور، إلى أن التهديدات الأمنية في بريطانيا تتصاعد تدريجياً، مدفوعة بنشاط تيارات متطرفة، بما في ذلك اليمين المتطرف، وليس فقط الحراك المؤيد لفلسطين.

 

ومع تصاعد هذه الضغوط، تستعد حركة التضامن مع فلسطين لتنظيم مظاهرات جديدة في وسط لندن، مؤكدة أن هدفها هو وقف الحرب ورفع الحصار عن غزة، ومشددة على أن الاحتجاج حق مشروع.

ويؤكد ناشطون أن ما يجري يعيد إلى الأذهان مواقف سابقة لبريطانيا تجاه حركات تحرر، مثل معارضة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، التي كانت توصف سابقاً بـ"الإرهابية" قبل أن تتحول إلى رموز عالمية للنضال.