بين الخيام المهترئة ووجوه الأطفال المنهكة، تواجه الأمهات في قطاع غزة واقعاً إنسانياً بالغ القسوة، تختلط فيه معاناة الجوع بالنزوح وفقدان الأبناء والأزواج، فيما تكافح كثيرات منهن للبقاء وسط ظروف معيشية تفتقر إلى الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.

هناك، حيث تتقاطع خيام النزوح مع ذاكرة البيوت المهدّمة، وتختلط ملامح الطفولة بضجيج الجوع والخوف، يتشكل واقع أكثر قسوة من الاحتمال؛ أمهاتٌ فقدن أبناءهن وأزواجهن كما تُفقد ملامح الطريق.

وقد اضطرت حرب الإبادة التي شنّها الاحتلال على غزة أكثر من 90% من سكان القطاع إلى النزوح، بعضهم مرات عدة، يعيشون في مراكز إيواء مكتظّة أو في العراء، في ظروف انتشار الأمراض ونقص المياه والأدوية، كما أعلنت تقارير عديدة للأمم المتحدة، وغيرها من المنظمات الإغاثية الدولية.

نزوح بلا نهاية

وداخل خيمة صغيرة لا تقي حر الصيف ولا برد الليل، تجلس الأم وداد النجار، النازحة من بلدة خزاعة شرقي محافظة خان يونس، مسترجعة رحلة نزوح طويلة بدأت مع الأيام الأولى للحرب في 8 أكتوبر 2023.

وتقول الأم وداد، للأناضول، إن عائلتها اضطرت إلى النزوح أكثر من 6 مرات، متنقلة بين مناطق مختلفة بحثا عن مكان آمن، دون أن تجد الاستقرار أو الطمأنينة، مضيفة: "خسرنا بيوتنا وأقاربنا وكل ما نملك، لم يبق لنا سوى الذكريات".

لكن أكثر ما يثقل قلب الأم الفلسطينية ليس النزوح، بل الغياب الغامض لابنها الوحيد، الذي رزقت به بعد 6 فتيات، مبينة أنها أنها فقدت الاتصال به منذ الأشهر الأولى للحرب، ومنذ ذلك الوقت تعيش بين أمل العثور عليه حيا وخوف فقدانه إلى الأبد.

وتمضي وداد بالقول: "لا أريد سوى معرفة مصيره، هل استشهد أم هو أسير؟ أريد جوابا يريح قلبي، فأنا لا أقدر على العيش بدونه، هو الهواء الذي أتنفسه، وأنا بلا حياة من دونه، أتمنى أن أفرح به مثل أمهات العالم".

فقد وأسر وجوع

وفي مخيم نزوح آخر بمدينة خان يونس، تعيش الأم هدى المدني، بين ألم فقد ابنها إبراهيم، وقلقها المستمر على ابنها الآخر أحمد، المعتقل في السجون الإسرائيلية منذ أكثر من عامين.

وتقول الأم هدى، إن ابنها إبراهيم، استشهد خلال الإبادة الصهيونية، تاركا خلفه 5 أطفال، بينما لم يتمكن أحمد حتى اليوم من رؤية طفله الصغير الذي ولد بعد اعتقاله، ويبلغ الآن عامين وثمانية أشهر، مضيفة أنها الطفل “يسأل دائما عن والده، ويريد أن يراه مثل بقية الأطفال. قلوبنا محطمة وننتظر أي خبر عنه".

ولا تتوقف معاناة الأمهات عند حدود الفقد، بل تمتد إلى مواجهة ظروف معيشية قاسية داخل مراكز الإيواء، في ظل شح الغذاء والمياه وانعدام مصادر الدخل.

فيما تقول أم محمود بركة، وهي أرملة وأم لأربعة أطفال، إنها باتت تتحمل وحدها مسئولية إعالة أسرتها بعد مقتل زوجها، مشيرة إلى أنها "أصبحت أما وأبا في الوقت نفسه (…) نحاول البقاء على قيد الحياة وسط الجوع والخوف وانعدام أبسط مقومات الحياة”.

وقالت الأمهات النازحات في ختام حديثهنّ، إن الأم الفلسطينية لم تعد تبحث عن حياة كريمة، بل عن الحد الأدنى من الأمان والغذاء وفرصة لحماية أطفالها من الموت والنزوح المستمر.

ووفق معطيات وثّقتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة، استشهدت نحو 38 ألف امرأة وفتاة في قطاع غزة خلال حرب الإبادة الصهيونية، بينهن 22 ألف امرأة و16 ألف فتاة، بمعدل لا يقل عن 47 امرأة وفتاة يومياً، في حصيلة تمثل أكثر من نصف إجمالي عدد الشهداء في القطاع.

في حين نزح حوالي مليون امرأة وفتاة عدة مرات خلال الحرب، بينما يواجه نحو 790 ألفا انعداما حادا أو حتى كارثيا في الأمن الغذائي، وفق رصد الهيئة الأممية. كما فقدت أكثر من 22 ألف امرأة أزواجهن وأصبحن أرامل، بينما تواجه نحو 55 ألف سيدة حامل ومرضعة مخاطر صحية حادة جراء انهيار المنظومة الصحية وسوء التغذية، وفق بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة وتقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان.