في وقت تتواصل فيه حرب الإبادة الصهيونية على غزة، تكشف التحركات السياسية الجارية خلف الكواليس عن فجوة واسعة بين التصورات الأمريكية لإنهاء الحرب وإعادة إعمار القطاع، وبين الوقائع الميدانية التي تفرضها حكومة الاحتلال بقيادة بنيامين نتنياهو.

هذا التناقض بدا واضحاً في المؤتمر الصحفي الأول الذي عقده الممثل الأعلى لما يسمى"مجلس السلام" نيكولاي ملادينوف منذ تسلمه منصبه، بعد أيام من اجتماعين متتاليين مع نتنياهو، حيث عرض ملامح الخطة المطروحة على حركة حماس بشأن نزع سلاحها، وربط بصورة مباشرة بين تنفيذ الخطة وإعادة إعمار غزة.

لكن المؤتمر، الذي نقلت تفاصيله صحيفة "هآرتس" الصهيونية، عكس أيضاً حجم المأزق الذي يواجهه "مجلس السلام"، في ظل غياب أدوات ضغط حقيقية على سلطات الاحتلال التي تواصل الهجمات في القطاع وتقيد دخول المساعدات رغم المساعي السياسية.

إعادة الإعمار مقابل نزع السلاح

منذ إطلاق "مجلس السلام" خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في المنتدى الاقتصادي العالمي، حاولت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تسويق خطة تقوم على معادلة واضحة: إعادة إعمار غزة مقابل إنهاء حكم حماس العسكري ونزع سلاحها.

وتعهدت واشنطن بتوفير تمويل ضخم لإعادة الإعمار، يشمل مساهمات أمريكية مباشرة تصل إلى 10 مليارات دولار على مدى عشر سنوات، إضافة إلى وعود خليجية بتمويلات أخرى.

غير أن الخطة اصطدمت منذ بدايتها بعقبتين أساسيتين: رفض حماس تسليم سلاحها ضمن شروط الاحتلال، والإصرار على استخدام المساعدات والإعمار أداة ضغط سياسية وأمنية.

وخلال حديثه مع الصحفيين، بدا ملادينوف مدركاً لحجم هذا التعقيد، إذ تحدث عن معاناة الفلسطينيين في غزة بوصفها نتيجة مباشرة لاستمرار المراوحة السياسية، مؤكداً أن سكان القطاع "لا يستطيعون الانتظار إلى ما لا نهاية"، في إشارة إلى تعثر تنفيذ التفاهمات الإنسانية.

لكن ملادينوف تجنب الإجابة عن السؤال الأكثر حساسية: ماذا سيحدث إذا رفضت حماس نزع سلاحها؟، وهو ما يعكس غياب أي تصور عملي لدى "مجلس السلام" للتعامل مع فشل الخطة، خصوصاً أن أدوات الضغط الفعلية تظل بيد الاحتلال والولايات المتحدة.

تكشف المعطيات الواردة في التقرير أن إدارة ترامب، برغم انخراطها المباشر في المفاوضات، لم تتمكن من فرض تغيير جوهري في سلوك الاحتلال داخل غزة.

فبينما طلبت واشنطن من تل أبيب خلال جولات التفاوض في القاهرة تخفيف العمليات العسكرية، صعّد الاحتلال هجماته، وكان أبرزها محاولة اغتيال القائد العام لكتائب القسام عز الدين الحداد.

وتشير "هآرتس" إلى أن النفوذ الأمريكي على حكومة نتنياهو يبقى محدوداً، برغم اعتماد الاحتلال المتزايد على الدعم الأمريكي في ظل اتساع عزلته الدولية.

هذا التناقض بين المسار السياسي والتصعيد العسكري يضع الخطة الأمريكية أمام اختبار صعب، خصوصاً أن الاحتلال يواصل فرض وقائع ميدانية جديدة داخل القطاع، تشمل توسيع مناطق السيطرة العسكرية وتقليص المساحات المتاحة للسكان الفلسطينيين.

بوابة تحت القيود

بعيداً عن الخطط السياسية، يظل الواقع الإنساني في غزة محكوماً بقيود الاحتلال مشددة، خاصة فيما يتعلق بالمساعدات الإنسانية وحركة المرضى والجرحى عبر معبر رفح البري بوصفه المنفذ الوحيد لسكان القطاع إلى العالم الخارجي.

وبرغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، فإن حجم المساعدات التي تصل إلى القطاع بقي أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية، بعدما تراجع عدد الشاحنات المتفق على دخولها وفقاً لاتفاق وقف إطلاق النار من نحو 600 شاحنة يومياً إلى ما يقارب 250 فقط.

كما تفرض سلطات الاحتلال قيوداً مشددة على إدخال الوقود والمعدات الطبية ومواد البناء والخيام والمساكن الجاهزة "الكرفانات"، رغم النص عليها ضمن المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، بذريعة "الاستخدام المزدوج"، فيما يزعم الاحتلال أن إدخال المساكن الجاهزة يمثل بداية لعملية إعادة الإعمار قبل تنفيذ شرط نزع سلاح حركة حماس.

أما معبر رفح، الذي ظل مغلقاً لأشهر طويلة، فيعمل حالياً بوتيرة محدودة للغاية، وسط قيود مصرية وصهيونية متشابكة تمنع معظم سكان غزة من المغادرة، باستثناء أعداد محدودة من المرضى والجرحى.

ويقول مصدر أمني صهيوني إن طواقم منظمة الصحة العالمية العاملة على نقل الجرحى "تنهار تحت ضغط العمل"، في ظل محدودية القدرة التشغيلية للمعبر.

بالتوازي مع الجمود السياسي، تواصل سلطات الاحتلال توسيع نطاق سيطرتها داخل القطاع.

وبحسب تقديرات منظمة أطباء بلا حدود، ارتفعت نسبة الأراضي التي يسيطر عليها جيش الاحتلال من 53% في أكتوبر إلى نحو 58% حالياً، فيما تتجاوز المساحة الخاضعة للقيود العسكرية 60% من القطاع.

كما رصدت خلال الأسابيع الأخيرة مناطق جديدة خاضعة للتقييد العسكري في حي الزيتون بمدينة غزة، ضمن سياسة متدرجة لتوسيع "المنطقة العازلة".

وبرغم نفي "مجلس السلام" وجود موافقة منه على هذا التوسع، فإن استمرار العمليات العسكرية يكشف محدودية تأثيره الفعلي على قرارات الاحتلال.

مقترح "المعاملة بالمثل"

في محاولة لتجاوز عقدة نزع السلاح، قدّم "مجلس السلام" نسخة معدلة من مقترحه إلى حماس، تتضمن مبدأ "المعاملة بالمثل".

وبحسب التسريبات، فإن الحركة لن تكون مطالبة بنزع سلاحها إلا بالتزامن مع تفكيك المجموعات المسلحة التي دعمها الاحتلال داخل القطاع، ضمن آلية رقابة متبادلة.

 

كما تقترح الخطة الإبقاء على جزء من البنية الشرطية القائمة في غزة، مع إخضاع عناصرها لفحوص أمنية بإشراف الاحتلال. غير أن هذا الطرح يصطدم أيضاً بالموقف الصهيوني الرافض لأي ترتيبات لا تبدأ أولاً بنزع سلاح حماس بالكامل.

وفي ظل هذا الانسداد، يدرس "مجلس السلام" خيار البدء بإعادة الإعمار في المناطق الخارجة عن سيطرة الحركة، عبر نشر "قوة استقرار دولية" تحل محل جيش الاحتلال.

لكن هذا السيناريو، وفق صحيفة "هآرتس"، يبدو بعيد المنال، في ظل رفض نتنياهو الانسحاب من أي مناطق داخل غزة ما لم تفرض عليه ضغوط أمريكية مباشرة وحاسمة.

وبذلك تبدو خطة إعادة إعمار غزة عالقة بين اشتراطات الاحتلال الأمنية، وتمسك المقاومة بسلاحها، وعجز الوسطاء الدوليين عن فرض تسوية متوازنة، فيما يدفع سكان القطاع الثمن الأكبر مع استمرار الإبادة والانهيار الإنساني.