كشفت استطلاعات رأي أمريكية متتالية عن تحد متزايد يواجهه الاحتلال الصهيوني في الولايات المتحدة، لا سيما بين فئة الشباب، بالتزامن مع توتر العلاقات بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحكومة الاحتلال برئاسة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو.

وبرغم أن تراجع التأييد للاحتلال بين الشباب الأمريكي لم يعد موضوعا جديدا في الأوساط الصهيونية، فإن معطيات حديثة تشير إلى أن المشكلة قد تتجاوز حدود المواقف المرتبطة بالحرب أو الخلافات الحزبية، لتصل إلى نظرة الأمريكيين أنفسهم إلى طبيعة الاحتلال الصهيوني وهويته.

وقال خبير شئون الدعاية غادي عزرا، في مقال نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن «مشروع الاستطلاع الشهري لجامعة هارفارد وشركة هاريس لاستطلاعات الرأي» يسلط الضوء بصورة متكررة على هذه الإشكالية.

وأوضح عزرا أن أحد أبرز المؤشرات يتمثل في «التفضيل المستمر لحركة حماس على إسرائيل لدى الشباب الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاما».

وبحسب عزرا، فإن نتائج معظم الاستطلاعات التي نشرها المشروع منذ بداية العام أظهرت تفوقا في التأييد لحماس على إسرائيل بين هذه الفئة العمرية، باستثناء مرتين فقط تقدمت فيهما إسرائيل بفارق محدود.

خلاف يتجاوز الموقف من الاحتلال

ويرى عزرا أن المشكلة لا تقتصر على الفئات الشابة، مشيرا إلى أن «الخبر السار» بالنسبة للاحتلال هو أن هذا الاتجاه لا يمثل بقية الفئات العمرية في الولايات المتحدة، لكنه يعتبر أن التركيز على الشباب قد يحجب «مشكلة أعمق تتعلق بصورة إسرائيل" وهويتها لدى الجمهور الأمريكي.

ويستند في ذلك إلى نتائج استطلاع حديث للمشروع نفسه، طرح سؤالا بشأن موقف الأمريكيين من حق إسرائيل في أن تكون وطنا للشعب اليهودي.

وأظهرت النتائج، وفقا لعزرا، أن أغلبية كبيرة من الأمريكيين تؤيد هذا الحق، بينما بدت الفئة العمرية بين 18 و24 عاما منقسمة بشكل شبه متساو، إذ بلغت نسبة المؤيدين 49% مقابل 51% من المعارضين.

لكن السؤال الآخر الذي طرحه الاستطلاع كشف، بحسب الكاتب، عن انقسام مختلف لا يرتبط بالعمر بصورة واضحة، إذ سئل المشاركون عما إذا كان ينبغي لإسرائيل أن تكون دولة يهودية، أم دولة خالية من أي دين رسمي أو هوية عرقية.

وأشار عزرا إلى أن النتائج جاءت متقاربة في مختلف الفئات العمرية، حيث رأى 46% من المشاركين أن «إسرائيل ينبغي أن تكون خالية من أي دين رسمي أو هوية عرقية».

هل تتراجع فكرة "إسرائيل" كدولة يهودية؟

ويعتبر عزرا أن هذه النتائج تعكس وجود خلاف داخل المجتمع الأمريكي بشأن مفهوم «يهودية إسرائيل، معتبرا أن البديل الضمني الذي يطرحه هذا الموقف هو النظر إلى إسرائيل باعتبارها دولة لجميع مواطنيها"، وليس دولة ذات هوية يهودية.

ويعزو الكاتب جزءا من ذلك إلى طبيعة المجتمع الأمريكي، قائلا إن كثيرا من الأمريكيين قد لا ينظرون إلى اليهودية باعتبارها دينا فحسب، بل يجهلون أيضا بعدها القومي، في مجتمع يحتل فيه الفصل بين الدين والدولة مكانة مركزية.

ويقول عزرا إن هذا التصور لا يعني بالضرورة أن الموقف الأمريكي معاد لإسرائيل، بل قد يكون انعكاسا لـ«أيديولوجية مدنية أمريكية» ترى أن الدولة ينبغي ألا تقوم على أساس ديني أو عرقي.

ويرى أن هذه النقطة تمس جوهر التصور الصهيوني الذي يقوم، بحسب طرحه، على إعادة اليهود إلى موقعهم كأمة، وليس فقط كأتباع ديانة.

ويحذر في الوقت نفسه من أن تراجع الإيمان بالطابع اليهودي للدولة الإسرائيلية قد يتحول إلى مشكلة استراتيجية، قائلا إن «نصف الشعب الأمريكي لا يعترف بأحد الركنين اللذين يشكلان هوية إسرائيل، وهو يهوديتها».

ويضيف أن عدم إدراك الأمريكيين، حتى بين أكثر الفئات تأييدا لإسرائيل، لطبيعة هويتها يمكن أن يضعها أمام تحد كبير، خصوصا في ظل اعتمادها على العلاقة مع الولايات المتحدة باعتبارها «رصيدا استراتيجيا وجوديا».

ويرفض عزرا اختزال هذه المعطيات في خسارة الصهاينة للحزب الديمقراطي أو في تنامي معارضتها داخل أجنحة معينة من الحزب الجمهوري، معتبرا أن المشكلة أوسع من الانقسام الحزبي.

ويقول إن «كثيرا من الأمريكيين لا يعرفون من نحن، وماذا نمثل، ولا يفهمون ما هي الصهيونية أو اليهودية أو إسرائيل».

وبحسب طرحه، فإن هذا الفراغ المعرفي يفتح المجال أمام حملات التأثير والتضليل التي تستهدف إسرائيل، معتبرا أن تراجع الحاجة إلى "إسرائيل" في نظر قطاعات من الجمهور الأمريكي يجعل التحريض ضدها أسهل.

ويخلص الكاتب إلى أن المسألة لم تعد مجرد تحذير نظري بالنسبة لإسرائيل، بل باتت «مشكلة حقيقية» تتطلب التعامل معها، خاصة مع استمرار التحولات في مواقف الأجيال الجديدة.

وتشير هذه المعطيات، وفق قراءة عزرا، إلى أن التحدي الذي تواجهه إسرائيل في الولايات المتحدة لم يعد محصورا في الخلافات السياسية أو الحزبية، وإنما بدأ يمتد إلى الرأي العام، وبصورة أكثر وضوحا إلى فئة الشباب التي ستتولى قيادة المجتمع الأمريكي في السنوات المقبلة.

ومن هذا المنظور، تبدو خسارة التأييد بين الأجيال الشابة واحدة من أبرز القضايا التي تثير القلق داخل الأوساط الإسرائيلية، خصوصا مع استمرار تداعيات الحرب على غزة وتغير النقاش الأمريكي حول الاحتلال الإسرائيلي وهويته ومستقبل العلاقة معها.