قالت صحيفة "نيويورك تايمز" إن إيران ألمحت إلى استعدادها لتصعيد المواجهة مع الولايات المتحدة، بعد إطلاق كبار المسئولين تهديدات شديدة اللهجة عقب مهاجمة سفن حربية أمريكية للمرة الأولى.
ويشير المحللون إلى أن هذا الوضع يزيد من مخاطر أن تؤدي سلسلة الاشتباكات الأخيرة إلى إشعال حرب شاملة.
فقد أعلنت إيران، يوم السبت، أنها هاجمت سفينتين عسكريتين أمريكيتين بصواريخ باليستية، مما دفع القوات الأمريكية للرد بضرب ثلاث ناقلات نفط إيرانية.
وبعد ذلك بيوم، أعلن محمد باقر قاليباف، كبير المفاوضين الإيرانيين ورئيس البرلمان، أمام المشرعين بأن عهد "الردود المتكافئة" على الهجمات الأمريكية قد ولى، قائلا: "من الآن فصاعدا، سيقابل أي عدوان على مصالح إيران وأمنها برد أسرع وأشد وطأة وأكثر إيلاما".
وبعيدا عن ذلك، أعلن محسن رضائي، المسئول الأمني الإيراني البارز، عن خطط لفرض "منطقة مقيدة" للملاحة في الخليج، تتجاوز في نطاقها جهود البلاد الحالية للسيطرة على مضيق هرمز.
وقالت الصحيفة إن إيران صمدت إلى حد كبير، أمام الحملة العسكرية التي شنتها أمريكا والاحتلال، في فبراير، لكن حرب الاستنزاف خلقت تهديدا اقتصاديا يدفع طهران لتصعيد هجماتها.
وقد حال الحصار البحري الأمريكي دون تصدير طهران لجزء كبير من نفطها، وهو المصدر الرئيسي لإيرادات البلاد مما فاقم الأزمة الاقتصادية المزمنة. وقد رفعت الحكومة، يوم الثلاثاء، أسعار بعض أنواع البنزين بسبب نقص الوقود، وهي خطوة من المتوقع أن تزيد من حالة الاضطراب في بلد يعاني بالفعل من ارتفاع معدلات التضخم والبطالة، فضلا عن الانخفاض السريع في قيمة العملة.
في الوقت نفسه، أتاحت عمليات المرافقة البحرية الأمريكية لعدد محدود من ناقلات النفط العبور عبر مضيق هرمز، مما قوض محاولة إيران إغلاق الممر المائي، وهي الخطوة التي تسببت في ارتفاع حاد بأسعار النفط العالمية. ورغم أن عدد السفن التي تعبر قليل، وأن هذه الجهود مكلفة للغاية بالنسبة للولايات المتحدة، إلا أنها حالت دون مزيد من الارتفاع في أسعار النفط وحدت من قدرة إيران على إلحاق ضرر اقتصادي بواشنطن.
يقول فرزان ثابت، المحلل المختص بالشئون الإيرانية في "معهد جنيف للدراسات العليا": "كيف تستعيد الزخم؟ عن طريق التصعيد".
وأضاف أن إيران ستحاول على الأرجح تكثيف المواجهة العسكرية، مع سعيها في الوقت ذاته لتجنب العودة إلى حرب شاملة.
وتابع قائلا: "إن الأمر ينطوي على أضرار جسيمة، لكنهم يأملون في الوقت نفسه أن يؤدي ذلك إلى رفع أسعار النفط العالمية أو إعادة إغلاق مضيق هرمز بالكامل".
وقال مسئولون إيرانيون كبار بأنهم منفتحون على التفاوض للعودة إلى مذكرة التفاهم الهشة التي أوقفت الحرب في أبريل، وكان من المفترض أن تمهد الطريق لمحادثات حول اتفاق نووي إيراني.
غير أن الرئيس ترامب أكد أنه لا يبدي أي اهتمام بالمفاوضات، مفضلا المضي قدما في استراتيجيته القائمة على الاستنزاف وخنق إيران اقتصاديا.
وتعتقد القيادة الإيرانية أن الوقت الراهن قد يكون الأنسب لرفع سقف المواجهة، وذلك قبيل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في نوفمبر، حيث قد تؤدي حرب لا تحظى بشعبية إلى الإضرار بفرص ترامب والحزب الجمهوري.
يقول محمد علي شعباني، المحلل المختص بالشؤون الإيرانية ورئيس تحرير الموقع الإخباري الإقليمي أمواج ميديا "تشير كل الدلائل إلى أننا أمام لحظة حاسمة ومصيرية".
ويضيف: "لست متأكدا من أن الإيرانيين سينتظرون إلى ما بعد الانتخابات ليتعرضوا لهجوم في حال فشل الدبلوماسية".
ويرى حميد رضا عزيزي، وهو محلل بارز للشؤون الإيرانية في "مجموعة الأزمات الدولية"، أن خطوة إيران بمهاجمة سفينتين حربيتين أمريكيتين بصواريخ باليستية مثلت تصعيدا كبيرا.
ففي السابق، لم تبذل القوات الإيرانية أي جهد جاد لاستهداف السفن البحرية الأمريكية، وبدت مترددة في شن هجمات قد تسفر عن وقوع خسائر بشرية أمريكية فادحة. وعن ذلك يقول عزيزي: "من الواضح أن هذه الحسابات قد تغيرت".
كان القرار الأمريكي بالرد عبر ضرب ثلاث ناقلات نفط إيرانية وإغراق إحداها مؤشرا على مدى الجدية التي تعاملت بها واشنطن مع الهجوم الإيراني.
وقال عزيزي: "يحاول كلا الجانبين فرض خطوطه الحمراء ودفع الخطوط الحمراء للطرف الآخر إلى أقصى حد ممكن".
كما كان القرار بمثابة إقرار بتطور القدرات العسكرية الإيرانية؛ إذ أشار عزيزي إلى أن الولايات المتحدة لم تكن تعتقد -قبل اندلاع الحرب- أن إيران قادرة على استهداف القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة بدقة. لكن في الأشهر الأخيرة، أثبتت إيران قدرتها على ذلك، بما في ذلك شن هجوم على قاعدة أمريكية في الأردن خلال شهر يوليو أسفر عن مقتل جنديين أمريكيين.
وأضاف عزيزي أن إيران قد تكتسب براعة مماثلة في استهداف الأساطيل البحرية.
كما دأبت إيران على الإعلان بوضوح عن جهودها للاستيلاء على أسلحة خصومها ودراستها. حيث أعلنت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إيرنا)، يوم الثلاثاء، أن القوات البحرية التابعة للحرس الثوري القوي قد استولت على مسيرة بحرية أمريكية تُعرف باسم "Dive-LD".
وكانت إيران قد نجحت سابقا في استخدام الهندسة العكسية لنسخ أسلحة حصلت عليها من حلفائها أو استولت عليها من أعدائها.
وذكرت القيادة المركزية الأمريكية أن المسيرة كانت من طراز قديم وتعرضت لعطل فني، وأنها "لم تجمع بيانات حساسة ولم تكن تحمل أي معدات سرية خاصة بالسونار أو الرادار".
وجاء إعلان رضائي عن "منطقة محظورة" جديدة في الخليج كمحاولة أخرى لتصعيد المواجهة.