تحليل- أحمد التلاوي، حسين محمود

جاء إعلان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد يوم الإثنين عن نجاح بلاده في إنتاج الوقود النووي على المستوى الصناعي ليزيد من حدة الأزمة القائمة بين إيران والغرب في الفترة الحالية، وهي الأزمة التي كان الكل يتوقع أن تشهد بعض الانفراج إثر إعلان طهران الأربعاء الماضي عن إطلاق سراح جنود البريطانيين الذين كانت احتجزتهم بعد دخولهم مياهها الإقليمية يوم الجمعة قبل الماضي.

 

وقد أدت خطوة إيران بالإعلان عن إنتاج الوقود النووي إلى ردود فعلٍ متباينة في مختلف أنحاء العالم إلا أن المحور الرئيسي وسط كل هذه الردود كان التأكيد أن تلك الأزمة سوف تؤدي إلى تصعيدٍ كبيرٍ في المواجهات الساسية قد يفتح الباب أمام العمل العسكري، فعلى الرغم من أن روسيا نفت أن تكون إيران "قد حققت تقدمًا تكنولوجيًّا كبيرًا"، إلا أن هذا التصريح في حدِّ ذاته يعني أن الإعلان الإيراني قد يؤدي إلى تفاقم الوضع، وبالتالي فالروس يحاولون تهدئة الأمور.

 

أما المواقف الغربية فقد جاءت طبيعية وتقليدية، فالأمريكيون والأوروبيون أعلنوا أنهم "يشعرون بعين القلق"، وهو التعبير الذي طالما يتم استخدامه من جانب الغرب للدلالة على رفضهم أمر ما دون استخدام لهجة خطاب قوية أو حادة.

 

لكن لماذا اتخذ الإيرانيون هذه الخطوة على الرغم من حرصهم على ضرورة التفاوض، وهو الحرص الذي ظهر خلال أزمة البحَّارة التي تمَّت تسويتها بصورةٍ سلميةٍ ووديةٍ تُعبِّر عن رغبة الإيرانيين في عقد "صداقة إنسانية" مع الشعوب الغربية من خلال "تقديم الهدايا" في المناسبات؛ حيث كان الرئيس الإيراني قد أعلن أن إطلاق البحَّارة جاء بمناسبة المولد النبوي الشريف وعيد الفصح الذي يحتفل به المسيحيون، والذي قال عنه نجاد إنه "يوم عروج المسيح".

 

طهران: المخاطرة المحسوبة

نتيجةً لخبرة قرونٍ طويلة مزجت السِّياسة بالمذهب بالقوميَّة فإنَّ الإيرانييٍّن ربَّما يكونون هم الأفضل بلا منازعٍ في مجال اللعب بسياسة "حافة الهاوية" الشهيرة، مع إتقان طهران- سواءً طهران الثورة أو طهران الشَّاهنشاهيَّة- للعبة التَّصعيد والمخاطرة المحسوبة التي تصل بالأزمة إلى حافة التصعيد الأسوأ، ثمَّ تتراجع في النهاية مُحقِّقةً بعض المكاسب ومضحيَّة بالبعض الآخر نتيجة قوة اللاعب الدَّولي الآخر الذي تواجهه، وهو ما يُطلِق عليه المراقبون ومحللو العلاقات الدَّوليَّة اسم "البراجماتيَّة السِّياسيَّة".

 

وهو نموذج بدا مهمًا للغاية في أكثر من موقفٍ له دلالاته في هذا الشَّأن في التَّاريخ السِّياسي الإيراني؛ فشاه إيران المخلوع محمد رضا بهلوي كان يبيع لمصر القمح والنفط في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وفي أوائل عهد خلفه الراحل أنور السادات في وقتٍ كانت مصر في حالةِ حربٍ مع الكيان الصهيوني، بينما كان هو الحليف الأول في المنطقة للولايات المتحدة والكيان الصهيوني!!

 

وفي أزمةِ الحرب مع العراق التي ابتلعت سنوات الثَّمانينيَّات كلها تقريبًا كانت إيران الثَّورة تستورد سلاح "الشيطان الأمريكي الأكبر" المموَّل من ميزانيَّة البيت الأبيض والمخابرات المركزيَّة السِّريَّة عبر الوسيط الصهيوني الذي كان الموساد هو واجهته، فيما يُعرف بفضيحة "إيران- كونترا" أو "إيران- جيت".

 الصورة غير متاحة

 المفاعل النووي الإيراني

 

وفي أزمة الملف النووي الإيراني الحالية المتفاعلة مع الولايات المتحدة والغرب أثبت الإيرانيون أنهم أساتذة في فن البراجماتيَّة والمخاطرة المحسوبة؛ فطهران تلجأ كلما وصلت الأمور إلى مرحلة اللا عودة مع الولايات المتحدة والغرب إلى المُناورة السِّياسيَّة المحس