استكمالاً لمسلسل المصادمات ما بين الرئيس مشرف والمعارضين له، قرر الرئيس فرض حالة الطوارئ على البلاد، تحت دعاوى عدة أهمها؛ التصاعد الملموس في أنشطة المتطرفين، والتفجيرات عن بُعد، والقصف الصاروخي، وتكوين بعض المتطرفين جماعات لتنفيذ تلك الأنشطة؛ مما شكَّل تهديدًا كبيرًا لحياة وممتلكات المواطنين الباكستانيين، بالإضافة إلى قيام أعضاء السلطة القضائية بعمل أشياء تتعارض مع جهود السلطتين التشريعية والتنفيذية في محاربة الإرهاب والتطرف؛ مما أضعف الحكومة وقلَّص من قدرتها على التحرك بفاعلية للسيطرة على ذلك التهديد، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل سينقذ ذلك القرار الرئاسة الباكستانية من السقوط، خاصةً بعد أن وصلت التهديدات الموجهة إليها لمستوى غير مسبوق، أم سيدفع الرئاسة والبلاد للدخول إلى نفق مظلم؟
توقيت الأزمة
يأتي الإعلان عن حالة الطوارئ الباكستانية إثر مجموعة من الأحداث الساخنة التي شهدتها باكستان في الفترة الماضية، أهمها، انتهاء انتخابات الرئاسة الباكستانية، ووقف الإعلان عن فوز الرئيس برويز مشرف، إلى ما بعد اتخاذ المحكمة الباكستانية العليا قرارها بقبول الطعن الموجه ضده فيما يتعلق ببطلان ترشيحه للانتخابات بسبب جمعه بين منصب القائد العام للقوات المسلحة وبين رئاسة الدولة، أو قبولها بنتيجة الانتخابات وإعلان مشرف رئيسًا للدولة، وإن كان الواضح حسب مسئولي المحكمة الاتجاه نحو رفض إعلان مشرف رئيسًا للدولة، على أساس تخليه عن وعوده السابقة بالتخلي عن منصبه العسكري، واستمراره في الجمع بين المنصبين، بما يخالف القانون والدستور؛ الأمر الذي دفع الرئيس- على ما يبدو- لاستباق الأحداث وإعلان حالة الطوارئ من أجل أن يفوت على المحكمة العليا فرصة تنحية عن رئاسة الدولة.
وبالإضافة إلى ذلك يأتي القرار بعد تزايد حدة الهجمات الموجهة لشخص الرئيس؛ حيث تم استهداف الرئيس في الفترة الماضية أكثر من مرة أخرها بعد إعادة انتخابه رئيسًا للدولة، الأمر الذي مثل تهديدًا خطيرًا لحياة الرئيس، خاصةً أن هناك احتمالات كبيرة لنجاح المعارضة في التخلص منه، بعد أن ثبت عزمها على المضي قدمًا في سلسلة الاغتيالات الموجهة لشخصة.
أضف إلى ذلك حالة السخط الشديد الذي يواجهه الرئيس مشرف بسبب تعامله العنيف مع أحداث المسجد الأحمر الذي راح ضحيته ما يقرب من مائة وعشرين فردًا؛ الأمر الذي أثر موجه من الانتقادات الحادة للرئيس، وصلت لدرجة اتهامه بالعمالة للولايات المتحدة الأمريكية على حساب مصالح الشعب الباكستاني الفقير.
![]() |
|
آلاف الباكستانيين يتجمعون حول سيارة تقل افتخار تشودري |
وأخيرًا المشكلة الناجمة عن إقالة قاضي القضاة، افتخار محمد تشودري التي أدَّت إلى مواجهةٍ بين الحكم ونظام القضاء عمومًا، وتوقَّع البعض أن يتعرض حكم مشرف لهزاتٍ عنيفة.
وعلى الصعيد الخارجي تأتي عملية الإعلان عن حالة الطوارئ في ظل انشغال الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي بمؤتمر السلام المزمع عقده في مدينة أنابولس بالولايات المتحدة الأمريكية منتصف الشهر الجاري، وانغماس الإدارة الأمريكية في الإعداد للمؤتمر من أجل إحداث تقدمٍ على المسار الفلسطيني، يُحسِّن من صورتها أمام المجتمع الدولي، ويساعدها في كسب ود الدول العربية، بعد أن باتت تشكك في النوايا الأمريكية الخاصة بالسلام في منطقة الشرق الأوسط.
يُضاف لذلك استحواذ الأزمة النووية الإيرانية، والتهديدات الأمريكية بتوجيه ضربة عسكرية أمريكية- صهيونية مشتركة للمنشآت النووية؛ على اهتمام الإدارة الأمريكية؛ وذلك رغبةً منها في حلِّ تلك الأزمة قبل مغادرة البيت الأبيض.
كان من شأن ذلك كله أن يدفع الرئيس مشرف لفرض حالة الطوارئ دون أدنى خوفٍ من توجيه لوم دولي له على ذلك القرار، على أساس أن هناك ما يشغل المجتمع الدولي الآن، ويدفعه لأن يغض الطرف عمَّا يحدث في باكستان؛ وبذلك يصبح من السهل عليه تحقيق أهدافه الخاصة بتأمين منصبه الرئاسي والقضاء على المعارضين له، وتوجيه دفة الأمور في الأراضي الباكستانية وفقًا لمصالحه ومصالح شركائه الدوليين؛ حيث تشير وسائل الإعلام الباكستانية إلى أن إعلان حالة الطوارئ من جانب مشرف تم بتنسيق مع أمريكا، التي "لن تعلن معارضتها لهذه الخطوة إلا في الإعلام فقط دون اتخاذ أي إجراءاتٍ ضد مشرف"؛ وذلك بسبب رضاها التام عنه، نظرًا لقيامه بالدور المطلوب منه على أكمل وجهٍ فيما يُسمَّى الحرب على الإرهاب.
نية مبيتة
حواجز أمنية بعد إعلان حالة الطوارئ في باكستان

وتشير التقارير الباكستانية الصادرة قُبيل إعلان حالة الطوارئ إلى أن الرئيس مشرف كان مبيتًا النية لإعلان حالة الطوارئ، نتيجةً لتفاقم الأزمة السياسية الداخلية، وتوتر الوضع على الحدود مع أفغانستان.
حيث ذكرت بعض المصادر الرسمية أن قرارًا بإعلان حالة الطوارئ كان قد اتخذ بالفعل في اجتماعٍ عالي المستوى، إلا أن بعض المقربين من مشرف نصحوه بتأجيل القرار؛ نظرًا للظروف الصعبة التي تمر بها البلاد في الوقت الحالي، وقد أكد هؤلاء، وعلى رأسهم وزير الإعلام طارق عظيم، أن التهديدات الداخلية والخارجية تجعل من غير الممكن استبعاد أي شيء، وأن جميع الخيارات متاحة أمام الحكومة بما في ذلك إعلان حالة الطوارئ.
وبعد أن أوصل مشرف الأمور إلى ما وصلت إليه، لم يكن أمامه بد من إعلان حالة الطوارئ؛ حفاظًا على مكانته ورئاسته للدولة، وفي نفس الوقت ضرب جميع المعارضين له في مقتل، ومنعهم من استخدام سلاح الدستور والقانون في مواجهته.
رؤى متباينة
وينظر الخبراء والمحللون إلى الأمر من وجهات نظرٍ متباينة، ففي الوقت الذي رأى فيه البعض أن من شأن هذه الإجراءات أن تقود باكستان إلى حالةٍ من "الفوضى العارمة" باعتبار أنها ستساعد المعارضة على حشد الشعب ضد حكم مشرف، مؤكدين أن المعارضة الباكستانية قادرة على حشد قطاعاتٍ كبيرةٍ من الشعب ضد حالة الطوارئ وضد مشرف علنًا؛ لأن الأحزاب السياسية المعارضة بجانب رجال القضاء ونقابة المحامين ونقابة الصحفيين متحفزون لمعارضةٍ قويةٍ ضد مشرف.
كما شددوا على أن وجود مناطق متوترة بالفعل في باكستان سيدعم انتشار الفوضى بسرعة، كما في منطقة القبائل في الشريط الحدودي مع أفغانستان، وفي وزيرستان، وكذلك في منطقة (سوات) التي يخوض الجيش الباكستاني فيها مواجهات مع جماعة (تنفيذ الشريعة المحمدية).
وفي مقابل ذلك، رأى آخرون أن المعارضة الباكستانية لا حول لها ولا قوة، وأنها لا تملك أية ردود على قيام مشرف بإعلان حالة الطوارئ؛ وذلك بعد أن قامت السلطات الباكستانية من جيش وشرطة بالسيطرة على كافة مؤسسات الدولة، وأغلقت نحو 60 محطةً مستقلةً للتلفزيون، كما قامت بحملة اعتقالات واسعة في صفوف المعارضين، وبالتالي ليس في مقدور المعارضة القيام بعمل جدي ضد مشرف.
وأضافوا أن مشرف لن يعدم الوسيلة التي تجعله يحكم سيطرته على البلاد، فلو لم تحقق حالة إعلان حالة الطوارئ أهدافها فسيقوم بإجراءٍ تصعيدي آخر، وهو إعلان العمل بالأحكام العرفية التي هي أشد قسوةً من الطوارئ.
تداعيات الأزمة
لا شك في أن ما أقدم عليه مشرف، ستكون له تداعيات خطيرة على حاضر باكستان ومستقبلها؛ إذ من المتوقع أن يؤدي ما حدث إلى نشوب مواجهات حادة ما بين المعارضة الباكستانية وقوات الجيش والشرطة؛ الأمر الذي من شأنه أن يزيد من احتمالات نشوب حرب أهلية بين أنصار مشرف من جهة، وبين المعارضة الباكستانية بأطيافها المختلفة من جهةٍ ثانية.
![]() |
|
الأمن يعتقل أحد معارضي مشرف في كراتشي |
كما أن من شأن ذلك أن يقضي تمامًا على التجربة الديمقراطية الباكستانية، ويجعل الدولة في حالة عسكرة دائمة، وهو ما قد يؤثر على التطورات العلمية والاقتصادية التي شهدتها الدولة في الفترات الماضية.
وفي نفس السياق قد يؤدي ذلك إلى تهديد الأمن القومي الباكستاني، خاصةً أن هناك احتمالاتٍ لتصاعد الأمور لدرجةٍ قد تؤدي إلى تقسيم البلاد.
وأخيرًا إعطاء الفرصة للإدارة الأمريكية كي تبسط سيطرتها على الأراضي الباكستانية، وبالتالي تسهيل مهمتها في السيطرة على منطقة الشرق الأوسط، وفي القلب منها الدولة الإسلامية الوحيدة التي تملك أسلحة نووية، فضلاً عن تسهيل مهمتها في القضاء علي المقاومة الأفغانية، ومن ثم تكرار ما حصل مع أفغانستان والعراق بسهولةٍ في دول عربية أخرى.
وفي العموم فإن إعلان مشرف حالة الطوارئ يعد كارثة حقيقية، ليس فقط على المعارضة وإنما على جموع الشعب الباكستاني، الذي بدأ يفقد قدرته على التمتع بالأمن والاستقرار، بالإضافة إلى التهديدات المتزايدة التي قد تُصيب الدول الإسلامية والإقليمية المجاورة لباكستان، بسبب القلاقل التي قد تحدث بسبب سيطرة مشرف على مجمل الأوضاع في الأراضي الباكستانية؛ الأمر الذي يعني أنه في حال استمرار حالة الطوارئ أن تدخل باكستان في نفقٍ مظلمٍ لا يُعرَف على وجه الدقه متى تخرج منه.

