- دعم عسكري أمريكي لجيش التمرد الجنوبي بنصف مليار دولار

- 3 مليارات دولار نصيب الجنوب ولم يرصفوا شارعًا واحدًا

 

الخرطوم: محمد حسن طنون*

فأجات الحركة الشعبية لتحرير السودان (متمردو الجنوب السابقون) الشعب السوداني المسلم بأزمةٍ حادةٍ ليلة عيد الفطر المبارك جعلت قلوب الصائمين الذين يستعدون لاستقبال العيد بفرحٍ وسرورٍ تخفق بشدة خشية انهيار الشراكة بين شركاء حكومة الوحدة الوطنية، ومن ثَمَّ انهيار السلام والعودة إلى الحرب مرةً ثانيةً لتدمر كل شيء أتت عليه.

 

الحقائق تشير إلى أن الأزمة الحالية جرى التخطيط لها في أمريكا على مرحلتين:

الأولى: حينما قام وفدٌ عسكريٌّ من قيادة الجيش الشعبي (جيش المتمردين الجنوبي) بالسفر لواشنطن ولقاء مسئولي وزارة الدفاع الأمريكية، والحصول على دعمٍ عسكري يُقدَّر بنصف مليار دولار، فضلاً عن وعود باستثماراتٍ في الجنوب ورفعٍ للعقوبات عن الجنوب وإبقائها على الشمال!.

 

والثانية: بعدما عاد من هناك قياديان من الحركة أحدهما شمالي هو "ياسر عرمان" الكادر الشيوعي في الحركة، والذي ذهب إلى أمريكا بحجة الدراسة ومكث هناك قرابة ستة أشهر، والقيادي الثاني هو "باقان أموم" وهو كادر شيوعي جنوبي تدرب سنوات شبابه في كوبا والتحق بالتمرد وصار الآن الأمين العام للحركة.

 

عاد القياديان وذهبا إلى "جوبا" عاصمة الجنوب، ودعوا إلى اجتماعٍ طارئ للمكتب السياسي لمناقشة أجندة لم تكن مطروحة أصلاً في آخر اجتماعٍ للمكتب عُقد قبل شهرين فقط، أي في 18 أغسطس الماضي، وسافر بعدها باقان أموم إلى أمريكا وقام بنشاطٍ مريبٍ وأدلى للأجهزة الإعلامية الأمريكية بتصريحاتٍ عدائيةٍ ضد الخرطوم، ومنها قناة "الحرة" التي أعادت المقابلة العدائية "لأهل الشمال والجلابة" كما يسمونهم، في أول وثالث أيام عيد الفطر مع بداية الأزمة.

 

وفجأةً.. وقبل اجتماع جوبا بأيامٍ قليلة أطلق الموفد الأمريكي إلى السودان "أندرو ناتسيوس" وهو عدو قديم للسودان تصريحات سالبة عن وضع الشراكة بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، وادَّعى أن التوتر متصاعدٌ بين الشريكين بسبب التأخير في تنفيذ بنود اتفاقية "نيفاشا"، مشيرًا إلى احتمال تجدد الاشتباكات وعسكرة الحدود التي تفصل بين الشمال والجنوب.

 

ومما يدعم الشكوك والريبة أن عدوًا لدودًا معروفًا للسودان هو الأمريكي ذو الميول الصهيونية "روجر ونتر" الذي كان مبعوثًا أمريكيًّا في السودان، دخل جوبا ومكث ثلاثة أشهرٍ دون أن يعرف أحد لماذا دخل ومكث هذه المدة؟ إلى أن جاء عرمان وباقان من أمريكا، وغادر "روجر ونتر" جوبا عشية العيد بعد قرارات المكتب السياسي، وبدأ التصعيد الإعلامي!التحرك الأمريكي المباشر بموفديه "ناتسيوس" و"روجر ونتر"، والمجموعة المتأمركة في الحركة الشعبية كما يسمونهم في السودان لارتباط هذه المجموعة عضويًّا بأمريكا والعمل وفق أجندتها بقيادة "باقان أموم"، وكذلك "المجموعة الحمراء" إشارةً إلى الجسم الشيوعي الموجود داخل الحركة من الشماليين أساسًا بقيادة "ياسر عرمان".. هذا التحرك المحموم هو الذي أدَّى إلى القرارات الأخيرة للجنوبيين بسحب 19 من وزرائهم ومستشاريهم من حكومة الخرطوم الاتحادية بهدف تعطيل مؤسسات الدولة، وهي التي أفسدت عمدًا ومع سبق الإصرار على المسلمين في السودان بهجة العيد.

 

تسريع فصل الجنوب

يتهم السودانيون أمريكا بأنها هي التي قامت بتسميم العلاقة بين الشريكين وتوقيت إعلان الأزمة لإفشال اتفاقية السلام بين الجنوب والشمال؛ لأنها تريد فصل الجنوب عن الشمال لتأسيس دولة جنوبية مستقلة (تكون مسيحية الاتجاه، وتعترف بـ"إسرائيل" فور إعلان الانفصال)، وأمريكا متهمة أيضًا بأنها أرادت إرباك حكومة السودان قبل الذهاب إلى ليبيا للتفاوض مع متمردي دارفور في "سرت" في أكتوبر لإفشال المفاوضات؛ لأنها لا تسعى لتحقيق سلام إنما هدفها هو إيجاد الفوضى البنَّاءة أو الخلاقة وإدارة الأزمة وفق أهوائها وأجندتها وبدون حلها حلاً نهائيًّا.

 

والطريف أن أمريكا أوجدت الشقاق والأزمة بين الشريكين، ثم عبَّرت عن قلقها من هذه الأزمة في السودان ووصفتها بأنها ضربة للسلام في دارفور!

 

والمتأمل للمذكرة المقدمة إلى الرئيس "عمر البشير" وحملها نائب رئيس حكومة الجنوب "رياك مشار"، والتي حوت مطالب الجنوبيين فسنلحظ أنها طالبت بتعديلٍ وزاري أزاح أكفأ وزراء الحركة "لاما كول" من منصب وزير الخارجية، وقد استجابت الخرطوم لهذا الطلب وتحوَّل الدكتور "لاما كول" إلى وزير شئون رئاسة مجلس الوزراء.


ومن مطالب مذكرة الحركة حل معضلة إيبي (منطقة بجنوب كردفان) يسكنها قبائل "عرب المسيرة" و"دينكا كول"، وهناك خلافات بين الشريكين في هذا الأمر، حول صلاحية الخبراء الأجانب للفصل في الأزمة، وكذلك ترسيم الحدود وعائدات البترول وما يتعلق بالإنتاج والتصدير، وكذلك انسحاب الجيش من الجنوب وفق بنود اتفاقية سلام نيفاشا والإحصاء السكاني، رغم أن كل هذه الموضوعات لها آليات ومفوضيات مشتركة بين الشريكين لحل كل المشاكل داخل هذه المفوضيات.

 

موضوع النفط

فإذا أخذنا موضوع النفط كمثالٍ فإن للحركة الشعبية ممثلين في مفوضية البترول، وهناك وزيرة دولة بوزارة الطاقة هي السيدة "إنجيليا"، وهي قيادية بارزة، ومطلعة بصفتها الوزارية على كل صغيرةٍ وكبيرةٍ من ملفات الإنتاج والكميات، وما هو داخل دورة الإنتاج، وما هو متوقف عن الإنتاج، كما أن للحركة وزير دولة بوزارة المالية الاتحادية، ولا بد أنه مطلع على كل حسابات النفط في كل السودان، لا في الجنوب فحسب.

 

أيضًا هناك اللجنة المشتركة لحسابات البترول وعدد أعضائها مناصفةً بين الشريكين، وفوق هذا وذاك هناك مفوضية البترول برئاسة رئيس الجمهورية والنائب الأول "سلفاكير" مع وجود كل هذه الآليات.

 

وعلى حين يكيل بعض أعضاء الحركة الجنوبية الاتهامات للشمال بنهب جزءٍ من نصيب الجنوب من حسابات النفط، تؤكد الأرقام أنهم- أي الجنوبيين- قبضوا ثلاثة مليارات دولار من أصل 11 مليارًا هي عائدات النفط الكلية دون أن يمهدوا ولو طريقًا واحدًا مرصوفًا أو مستشفى تمَّ بناؤه، أو مدرسة أُقيمت، والجنوبيون يسألون أين تذهب هذه الأموال؟ والذين ذهبوا من الجنوبين للجنوب لم يجدوا شيئًا وعادوا إلى الشمال مرةً أخرى، والآن لا يزال يعيش في الشمال أكثر من خمسة ملايين جنوبي، والموجودون في الجنوب هم تسعمائة ألف فقط! والسؤال على شفاه كل سوداني أين ذهبت المليارات الثلاثة؟

 

أزمة مفتعلة

ولذلك يصف العالمون ببواطن الأمور قرارات الحركة الجنوبية التصعيدية التي صدرت عشية العيد وأحدثت الأزمة بأنها (أزمة مفتعلة) افتعلتها بعض قيادات الحركة الشعبية، وأنها أزمة مصنوعة في الخارج وتحديدًا في "واشنطن" بين أفراد من الإدارة الأمريكية والمجموعة المتأمركة في الحركة الشعبية.

 

ويقولون: إن القرارات كانت جاهزةً حتى قبل الاجتماع، فالبيان الصادر عن الحركة قبل يومٍ من انعقاد اجتماع المكتب السياسي أشار صراحةً إلى أن قرارات مهمة وحاسمة ستصدر عن الاجتماع؛ وذلك يُوحي بأن الاجتماع انعقد فقط لتمرير القرارات المعدة سلفًا، والذي يؤكد هذا الاتجاه أن كل ما قاله "باقان أموم" رجل أمريكا الأول في الحركة في واشنطن لقناة "الحرة" المشبوهة قبل أيامٍ من الاجتماع المذكور، وأعادت قناة الحرة بث المقابلة مرات عديدة بعد صدور القرارات، هو نفس ما خرج به الاجتماع؛ مما يؤكد أن القرارات صناعة أمريكية وليست محلية.

 

صراع أولاد قرنق

في رأي كثيرٍ من المراقبين أن السبب الرئيس لقرارات الحركة الشعبية ليس هو القضايا العالقة التي ذكرت والخاصة باتفاقية السلام؛ فالحركة تعلم أن رئيس مفوضية التقييم "توم ألسن" قد انتهى من إعداد تقريرٍ عن سير تنفيذ اتفاق السلام واقترب من نشره وسيكون التقرير هو الفيصل بين الشريكين، ولكن السبب الأساس لافتعال الأزمة أن هناك تيارًا معلومًا في الحركة يعمل لتصفية حسابات داخلية بين مجموعة أمريكا والآخرين، وهذه الصراعات سببها التنافس على القيادة بين مَن يسمونهم (أولاد قرنق) الذين يسعون مع التيار الشيوعي لإقامة السودان الجديد الأفريكاني العلماني الخالي من العروبة والإسلام، وبين التيار الذي يسعى للاهتمام فقط بقضايا الجنوب وحقوقه.

 

كما أن الأزمة تم افتعالها لصرف الأنظار عن الاتهامات بالفساد في حكومة الجنوب، وضعف بل انعدام التنمية فيه، كما أن قضية التعديلات الوزارية لها ذيول فمجموعة أمريكا في الحركة أرادت استبدال د. لاما كول وزير الخارجية بالدكتور منصور خالد رجل أمريكا الأول من الشماليين كوزيرٍ للخارجية، لكن الرئيس عمر البشير رفض هذا المقترح بسبب السيرة الذاتية لهذا الرجل، وما نشرته الوثائق الأمريكية المفرج عنها قبل شهور قليلة ونشرتها بعض الصحف الخليجية والسودانية والتي تلخص "أجندة منصور" بأنها "أجندة أمريكية"، فكيف يدافع عن بلاده كوزير خارجية ضد الاتهامات الأمريكية؟!

 

لا أحد في السودان يعرف إلى أين ستتجه الرياح، فالمؤشرات الحاضرة تشير إلى تصاعد الأزمة، وهناك نشر لقوات الطرفين على حدود الجنوب والشمال بصورةٍ تهدد بإعادة الحرب، والمعركة الحقيقية ليست بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية الجنوبية، وإنما بين مجموعتين من الحركة فإن استطاع "سلفاكير" أن يمسك بزمام الأمور في حركته فإن السُّحُب ستنقشع قريبًا، أما إن كانت مجموعة باقان أموم وعرمان العائدَيْن من أمريكا قوية فإن مستقبل السلام في خطر، ولا ندري هل هذا الخطر سيقود إلى الانفصال أم إلى حربٍ جديدة؟!

----------

* نُشر بالاتفاق مع مجلة "المجتمع"