حالة من التشاؤم الشديد تسيطر على جميع الأطراف ذات الصلة بالأزمة اللبنانية الراهنة حول الاستحقاق الرئاسي وعدم استطاعة الأطراف اللبنانية المختلفة الاتفاق على رئيس جديد للبلاد، بعد انتهاء ولاية الرئيس لحود، بالرغم من المساعي العربية والدولية لوضع حدٍّ لتلك المأساة التي من شأن استمرارها أن تمس أمن واستقرار لبنان، وكذلك أمن واستقرار المنطقة العربية.
حيث تخشى الأطراف المختلفة خاصةً العربية، أن يؤدي الوضع الحالي لانقسام لبنان بين حكومتين، إحداهما تقودها مجموعة 14 آذار، والأخرى تقودها مجموعة 8 آذار، وما قد يستتبعه ذلك من عودة شبح الحرب الأهلية مرةً ثانيةً، ومن ثم دفع الدول العربية والإقليمية والدولية للدخول في صراع آخر من أجل السيطرة على مجمل التطورات على الساحة اللبنانية، خاصةً أنه لا يخفى على أحد قيام بعض الدول خاصةً أمريكا ومعها "إسرائيل"، بالإضافة إلى سوريا باستخدام الورقة اللبنانية للضغط على بعضهما البعض، فهل تصل الأمور إلى تلك الدرجة؟ أم ستنجح الأطراف المختلفة في وضع حد لتلك الأزمة واحتواء الأمور قبل تفاقمها؟!
ملامح الأزمة الداخلية
تبدو ملامح الأزمة اللبنانية في حالة الشك المتبادل ما بين الموالاة والمعارضة، حيث تنظر مجموعة 14 آذار إلى حزب الله، ومن يسير في فلكه على أن ما يحركهم ليس المصلحة اللبنانية، وإنما سوريا وإيران من أجل تحقيق مصالحهما الذاتية، والتي تتمثل بالنسبة لسوريا في الضغط على الكيان الصهيوني والولايات المتحدة من أجل فك الحصار المفروض على سوريا منذ وقت طويل، ومنع الإدارة الأمريكية من عزل النظام السوري الحاكم عن المجتمع الدولي، عن طريق تخويفهم الدائم بتقديم الدعم المادي والمعنوي لحزب الله، خاصةً بعد نجاح الحزب في تهديد أمن الكيان الصهيوني وزرع الرعب في أرجائه، وإعلانه المستمر عن امتلاكه قدرات عسكرية تمكنه من إيلام الصهاينة في أي وقت، خاصة إذا ما فكر الكيان في تكرار غزوه للبنان مرةً ثانيةً.
أما إيران فتعمل جاهدةً على تقديم الدعم لحزب الله، ومن ثم توجيهه ودفعه للسيطرة على مجمل الأوضاع اللبنانية-حسب رؤية الموالاة- من أجل الضغط على أمريكا والكيان، اللذين لا يكفان، خاصةً في الفترة الماضية، عن تهديد إيران بتوجيه ضربة عسكرية خاطفة لمنشآتها النووية، ودفعهما المستمر لمختلف المنظمات والدول الكبرى في العالم من أجل منع إيران من الاستمرار في سياسات تخصيب اليورانيوم.
وفي هذا الإطار ترفض الموالاة المرشحين الذين يتقدم بهم الحزب، على أساس أن من شأن الموافقة على ذلك أن تعني استمرار سيطرة سوريا وإيران على الأوضاع اللبنانية الداخلية، وتسييرها وفقًا لمشيئتهما الخاصة، وهذا ما يرفضه الموالاة الذين بذلوا مساعي كثيرةً وقدموا تضحياتٍ جمةً من أجل فك الارتباط اللبناني بسوريا.
أما حزب الله اللبناني فينظر هو الآخر بشك كبير لمجموعة 14 آذار، ويتهمهم بدوره بتبني أجندة غربية فرضتها عليهم الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني، ومن ثم فإن من شأن قبول أي مرشح للموالاة من وجهة نظر الحزب وفريق المعارضة، أن تعني القبول بدايةً بالرغبة الأمريكية والصهيونية الخاصة بتفكيك المقاومة اللبنانية ممثلةً في حزب الله، وتحويله إلى حزب مدني مثله مثل غيره من الأحزاب اللبنانية، الأمر الذي يرفضه الحزب، من منطلق أن حربه مع الكيان لم تنته بعد، فضلاً عن أنه ليس لديه أدنى استعداد على الأقل في الوقت الراهن للتنازل عن سلاحه، مهما كانت التحديات التي تدفعه للقيام بذلك.
وبين هذا وذاك يدور الصراع الآن حول اختيار رئيس جديد للبلاد وسط مخاوف من أن يؤدي الاختلاف في وجهات النظر بين الطرفين، وحالات الشك المتصاعدة بينهم إلى تشكيل حكومتين لبنانيتين ومن ثم تقسيم البلاد، والدخول في حرب أهلية، مثل تلك التي عانت منها لبنان في السابق.
أدوار إقليمية متنوعة
بالرغم من كثافة التحركات الإقليمية والدولية الخاصة بوضع حد للأزمة اللبنانية الحالية، إلا أن بعض الدول الإقليمية تتحمل جزءًا ليس بسيطًا من تصعيد تلك الأزمة، وعلى رأس تلك الدول تأتي الولايات المتحدة الأمريكية، التي عمدت منذ بداية الأزمة إلى إظهار رغبتها في الحد من قوة ونفوذ حزب الله في لبنان، وعملها الدائم مع قوى الأغلبية من أجل تحييد الحزب ومنعه من السيطرة على البلاد، تساعدها في ذلك فرنسا التي أرسلت بوزير خارجيتها برنار كوشنير إلى لبنان؛ من أجل التوصل إلى حلول توافقية مع الأطراف المختلفة للصراع.
![]() |
|
بشار الأسد |
ليس هذا فحسب، بل وقيام الإدارة الأمريكية والفرنسية بإجراء مباحثات مباشرة مع الرئيس السوري بشار الأسد من أجل وضع حل لذلك الأمر، قبل أن تتفاقم المشكلة وتتحول إلى أزمة يصعب حلها، وقد وصل الأمر إلى درجة تهديد وزير الخارجية الفرنسية، بكشف المسئولين عن الأزمة.
أما الكيان الصهيوني فكالعادة يحاول تحريك الخيوط من بعيد دون أن يراه أحد، معتمدًا في ذلك على الإدارتين الأمريكية والفرنسية اللتين تتوافقان معه في الرؤى والأهداف، وترغبان بصورة أو بأخرى في الحد من نفوذ حزب الله في لبنان، من أجل بسط السيطرة على لبنان، وإعادة نفوذهما فيها مرةً ثانيةً، خاصةً بعد التدهور الشديد الذي لحق بذلك الدور في الفترة الماضية.
وفي مقابل هؤلاء لا ترغب إيران وسوريا في إنجاح المساعي الأمريكية والفرنسية والصهيونية في لبنان، على أساس أن ذلك يضر بهما ضررًا بالغًا، ويسلب منهم أحد أهم أوراق اللعب التي يمتلكونها، ويناورون من خلالها أمريكا و"إسرائيل"، خاصة أن هناك ضغوطًا متزايدة على الدولتين في الفترة الماضية، الأولى بسبب سعيها الحثيث لامتلاك تكنولوجيا نووية متحديةً بذلك أمريكا و"إسرائيل"، والثانية بسبب دعمها لحركة المقاومة الإسلامية حماس وحزب الله اللبناني.
مسئولية مشتركة
وفي الواقع يعكس الوضع الداخلي المفتت والخارجي المتناقض، المسئولية الكبيرة لمختلف الأطراف عما يحدث في لبنان، فالداخل لا يضع المصلحة اللبنانية في اعتباره، مقدمًا عليها مصالحه الخاصة، سواء حزب الله الذي يخشى على بقائه ويسعى جاهدًا للحفاظ عليه، حتى ولو كان ذلك على حساب المصلحة اللبنانية العامة، أو مجموعة 14 آذار التي لا ترغب في وجود أي شخص له علاقة ولو غير مباشرة بسوريا في رئاسة الدولة- أيضًا- حتى ولو أدى ذلك لحرب أهلية جديدة.
ومن جانبها لا تقيم الأطراف الخارجية أدنى اعتبار للمصلحة اللبنانية العامة، فكل يبحث عن مصالحه الخاصة، ويسعى بمختلف السبل من أجل تحقيقها، يتساوى في ذلك سوريا ولبنان مع أمريكا والكيان وفرنسا، فما بينهم من حسابات وصراعات يدفعهم للعب بالورقة اللبنانية حتى ولو أدى ذلك إلى الإضرار بأمن واستقرار البلد.
وبين الأطراف المختلفة المتصارعة على الوضع اللبناني الداخلي، تبقي الدول العربية بعيدة بدرجة كبيرة عن لعب دور مؤثر في القضية، بالرغم من الإضرار البالغ بأمن واستقرار المنطقة، حيث لا يخفى على أحد أن ما يحدث في لبنان، ستكون له انعكاسات سلبية خطيرة على أمن المنطقة، وإن كانت هناك بعض المحاولات التي قام بها الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى من أجل لم شمل الفرقاء، إلا أنه قد فشل فيها.
نخلص من ذلك إلى أن حل الأزمة اللبنانية، وبالرغم من كل تلك المواقف المتناقضة لا يزال ممكنًا، ولكنه يحتاج من الجميع خاصةً الداخل اللبناني إعلاء المصلحة اللبنانية فوق كل الاعتبارات والمصالح الذاتية الضيقة، والاتفاق على حلول واقعية للأزمات المثارة بينهما، وإعادة بث أواصر الثقة بينهما مرةً ثانيةً، فضلاً عن منع التدخلات الخارجية المختلفة من التأثير في القرارات اللبنانية الداخلية، وذلك كله من أجل ألا تشتعل الحرب اللبنانية مرةً ثانيةً.
