رصدت وثيقة صادرة عن رئاسة الجمهورية السودانية خروقات حركة التمرد الجنوبية (الحركة الشعبية) الشريكة في الحكم لروح عملية السلام وسعيها لخرق الاتفاقية، بما يؤكد وجود نوايا مبكرة للانفصال رغم توقيع اتفاقية سلام "نيفاشا" في يناير 2005م، الوثيقة المؤرخة بتاريخ سبتمبر 2007م، والتي تحدد كل ستة أشهر مسار اتفاق السلام تحت مسمى "موقف تنفيذ اتفاقية السلام الشامل"، كشفت ضمنًا في آخر رصد لها عن خروقات الحركة الجنوبية حتى 20 أغسطس الماضي 2007م (هناك خروقات أخرى لاحقة سترد في تقرير يناير 2008م).
ذكر التقرير أن الحركة الجنوبية تقوم بخروقات عديدة مستمرة، ما يعني أن تصعيدها الأخير ضد الحكومة وسحب 19 من مستشاريها ووزرائها من الحكومة الاتحادية ليس سوى خطوة ضمن مسلسل تصعيدٍ خطيرٍ ربما يستهدف الانفصال المبكر، أو يمهد له عبر السيطرة التدريجية على مناحي الحياة الاقتصادية والسياسية؛ تمهيدًا لإعلان الانفصال في نهاية المطاف!
التقرير يتهم "الحركة الشعبية" بتحريك قواتها عبر حدود الجنوب (المحددة باتفاقية 1/1/1956م) إلى الشمال، وأنها مستمرة في تجنيد قوات في الجيش الجنوبي رغم أنه من المفترض أن ينضم للجيش السوداني الموحد، وتسعى لخلق واقع انفصالي في الجنوب في خرق واضح لاتفاق السلام الذي يحث الطرفين على تعظيم فرص وحدة السودان عبر إصدار مكاتب (سفارات) الحركة الجنوبية في الخارج (18 مكتبًا تمثل حكومة الجنوب) خصوصًا مكتبي كينيا، وأوغندا تأشيرات دخول للسودان دون اعتبار لسيادة الدولة الاتحادية السودانية.
ويكشف التقرير عن أن "المفوضية السياسية لوقف إطلاق النار" المشكّلة من حكومة الخرطوم والحركة الشعبية ومعهما الأمم المتحدة ومراقبون من دول منظمة "إيفاد"، أي أنها محايدة وليست حكومية، أثبتت حسب آخر تقاريرها في 20 أغسطس 2007م، أن قوات الحكومة السودانية انسحبت وفق اتفاق السلام من مناطق الجنوب بنسبة 86.4%، في حين لم تنسحب الحركة الجنوبية من مناطق شمالية سوى بنسبة 6.9% فقط من مناطق يحتلها الجنوبيون في الشمال.
ولا تقتصر ممارسات الحركة الجنوبية على ذلك، وإنما تمتد للسيطرة على المطارات في الجنوب ورفض السماح للجان المشتركة المشكلة من الشمال والجنوب بممارسة عملها، سواء في جمع الضرائب أو في تسيير حركة الطيران أو حتى في تنظيم الجمارك على حدود السودان. وقد قامت قوات الحركة الجنوبية بطرد مندوبي الحكومة الاتحادية عبر منافذ الجمارك والضرائب والطيران وغيرها، والاعتداء على قوات الشرطة الاتحادية من قبل جنود الحركة الجنوبية!
ومما يؤكد النوايا الانفصالية أيضًا سعي حكومة الجنوب منفردةً للحصول على رقم اتصال دولي CODE من هيئة الاتصالات الدولية يخالف كود السودان الموحد ككل، رغم أن الجنوب لم ينفصل قانونًا، ولن ينفصل قبل استفتاء عام 2011م على حرية تقرير المصير في الجنوب حسب الاتفاق الموقع!!
وهذا بخلاف التصديق لشركات أجنبية على ممارسة أعمال الاتصالات في الجنوب دون الرجوع للهيئة القومية للاتصالات، مثل الترخيص لشركة تعمل برقم الاتصال الدولي لأوغندا (256)، كأنَّ الجنوب أصبح جزءًا من أوغندا(!)، فضلاً عن تعطيل نشاط شركات الاتصالات الوطنية مثل "سوداتل" و"موبيتل" وإيقاف برامجها للتوسع والتطور في الجنوب، وطلب تقديم مستندات التسجيل منها، والسؤال عن نصيب حكومة الجنوب وأحيانًا الولايات (حكومة ولاية الوحدة مثلاً) من الإيرادات واعتقال مسئولي هذه الشركات أثناء أداء واجباتهم!
بل والتعاقد مرةً أخرى مع شركاتٍ أجنبية للتنقيب عن النفط في مناطق جنوبية سبق أن تعاقدت الحكومة الاتحادية مع شركاتٍ أخرى عليها، علمًا أنه لا يجوز لحكومة الجنوب هذا التعاقد أصلاً الذي هو من اختصاص الحكومة الاتحادية؟!.
وضمن هذه الخطوات الانفصالية أيضًا البدء بتوزيع عملة جديدة طبعتها الحركة الشعبية (جنيه السودان الجديد) رغم مخالفة ذلك للاتفاقية التي نصَّت على اعتماد العملات القانونية المتداولة في المناطق التي كانت تسيطر عليها الحركة أثناء الحرب.
حصار المسلمين ومنع الحجاب!
ويرصد التقرير السوداني الرسمي مظاهر عنصرية أكثر غرابةً من قِبل حكومة الجنوب ضد المسلمين وضد حجاب فتيات مسلمات، بل والسعي لتحويل التعليم في الجنوب وجعله كتعليم ملحق بكينيا وبمدرسين من كينيا؛ حيث يرصد التقرير الرئاسي ما يسميه "مصادرة والاعتداء على مباني كليات الجامعات الإسلامية في جوبا وملكال"، و"منع الطالبات من ارتداء الحجاب بالمدارس في أعالي النيل (ملكال)".
هذا، بالإضافة إلى عدم إعادة ممتلكات التجار من شمال السودان التي نهبت بالمناطق التي كانت تسيطر عليها الحركة في الجنوب ومضايقتهم والاعتداء عليهم، وقفل ومصادرة مباني وممتلكات ديوان الزكاة (في جوبا والرنك مثلاً).
ويرصد التقرير إصرار "الحركة الشعبية" بعد تشكيل حكومتي الوحدة الوطنية بولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق على تجاوز منهج التعليم القومي لمرحلة الأساس وفرضها التدريس بمنهج التعليم الكيني في المدارس بالمناطق التي كانت تحت سيطرتها في جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق معرضة بذلك دخول التلاميذ لمؤسسات التعليم العالي في السودان مستقبلاً لصعوبات وتعقيدات متعلقة بمعادلة الشهادات في الوزارات المختصة في السودان وكينيا، هذا إن تم الاعتراف بها أصلاً، والاعتماد على أساتذة كينيين في الوقت الذي يرجو فيه العائدون من أبناء تلك المناطق من النازحين واللاجئين الاستفادة من وظائف المعلمين!
![]() |
|
أزمة دارفور أودت بحياة الآلاف من الأشخاص!! |
أيضًا يرصد التقرير عدم تسليم الحركة المعلومات الأساسية وخرائط مواقع التواجد وإعادة انتشار القوات للجنة المشتركة بين الطرفين والأمم المتحدة لوقف ومراقبة وقف إطلاق النار؛ مما يجعل المراقبة غير ذات جدوى وفعالية؛ حيث لا يمكن إجراء الفصل بين القوات ووضع القوات في المعسكرات مع تقييد حركتها، وضبط الأسلحة الشخصية وتجميد الأسلحة الثقيلة.
ويؤكد عدم الالتزام ببقاء قوات الجيش الشعبي (غير المشاركة في الوحدات المشتركة- المدمجة) في معسكراتها بالمناطق التي كانت تحت سيطرة الحركة وانتشارها في المناطق التي كانت تحت سيطرة القوات المسلحة بما في ذلك المدن الكبيرة، فضلاً عن "الاستمرار في التجنيد في مناطق وقف إطلاق النار: الجنوب، جنوب كردفان، وجنوب النيل الأزرق؛ بل فتح معسكرات استقطاب وتجنيد في جنوب دارفور وغرب كردفان، مع الاستمرار في استيراد الأسلحة بما فيها الثقيلة (خصص ما يزيد على 40% من ميزانية الجنوب للعام 2006م للإنفاق على الجيش الشعبي رغم إيلاء الاتفاقية الأولوية لعودة اللاجئين والنازحين ولإعادة إعمار البنى الأساسية والخدمات)!
تحركات سياسية انفصالية
ويرصد التقرير الرئاسي أيضًا ما اشتكت مصادر سودانية من تسميته "تحركات سياسية ودبلوماسية انفصالية"، حيث يتحرك المسئولون الجنوبيون في العالم مثلاً بصفتهم مسئولين جنوبيين فقط لا مشاركين في الحكومة الاتحادية، ولا ينسقون تحركاتهم مع الخارجية السودانية، وهنا ينقل تقرير رئاسة الجمهورية وقائع محددة وردت في تقارير وزارة الخارجية السودانية وبعثاتها المعنية بالخارج، منها:
1- أن ترتيب الزيارات الخارجية للنائب الأول وتشكيل الوفود المرافقة التي تقتصر في معظم الحالات على قياديين في الحركة ووزراء من حكومة الجنوب فقط تتم بدون التنسيق مع وزارة رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية وبعثاتها الخارجية، ومنها دعوة رؤساء دول ووزراء خارجية لزيارة جنوب السودان، ودعوة سفراء معتمدين في الخرطوم إلى "جوبا" عاصمة الجنوب.
2- سعي حكومة الجنوب لاكتساب العضوية (على الأقل وضع مراقب) في منظمات دولية وإقليمية مثل سعيهم مع الجامعة العربية، الاتحاد الإفريقي، اتحاد شرق إفريقيا، المنظمة العالمية للاتصالات وغيرها.
3- السعي لإنشاء بعثات دبلوماسية خارج السودان باسم حكومة الجنوب في 18 دولة.
4- استمرار مكاتب الحركة بالخارج (خاصة في كينيا وأوغندا) في ممارسة أعمال دبلوماسية وقنصلية مثل منح تأشيرات وأذونات طيران وإجراءات استيراد ونحو ذلك رغم التنبيه المتكرر والمناشدة من قبل السلطات الاتحادية.
5- عدم حرص الحركة على تسخير علاقاتها وصلاتها الخارجية مع الغرب في أثناء فترة الحرب لصالح استكمال تطبيع علاقات السودان معه (خاصة الولايات المتحدة) بل سعت الحركة وتسعى لرفع العقوبات الأحادية من قِبل الولايات المتحدة على السودان عن الجنوب فقط!..
--------
*بالاتفاق مع "المجتمع"
