ما زالت أصداء فوز حزب العدالة والتنمية التركي بالانتخابات البرلمانية الأخيرة وتشكيله الحكومة منفردًا دون تحالفات يشغل بال الكثير من المراقبين وبخاصة بعد نجاح الحزب في حسم معركة رئيس الجمهورية وانتخاب عبد الله جول رئيسًا للجمهورية، وأيضًا انتخاب هاشم كليج ذي الميول الإسلامية رئيسًا للمحكمة الدستورية العليا، وهي من أهم المؤسسات العلمانية في الدولة التركية.

 

ويتوقع أن يعين الرئيس جول شخصية مقربة من الحكومة رئيسًا للمجلس الأعلى للتعليم العالي، وهو أيضًا من أهم مؤسسات الدولة العلمانية، ليسيطر بذلك على جميع مؤسسات الدولة التي كان يُمسك بزمام أمورها أعضاء وأنصار وأتباع الحزب منذ خمس سنوات، وسوف يعززون ذلك خلال السنوات المقبلة.

 

دستور جديد
 
 الصورة غير متاحة

شعبية حزب العدالة تعكس تأييد سياسته في الإصلاح

كل ذلك يأتي في الوقت الذي تستعد فيه البلاد للدستور الجديد الذي صاغه حزب العدالة والتنمية وسيطرحه للنقاش الأسبوع المقبل قبل إحالته للاستفتاء الشعبي، ويتوقع الكثيرون لهذا الدستور أن يحسم الصراع بين الحكومة وكافة مؤسسات الدولة العلمانية، وفي مقدمتها الجيش؛ حيث سيلغي هذا الدستور الحظر المفروض على الحجاب في الجامعات وجميع مؤسسات الدولة الرسمية بعد أن أظهر استطلاع للرأي أجري مؤخرًا أن عدد المحجبات قد زاد أربعةَ أضعافٍ خلال السنوات الخمس الماضية من حكم العدالة والتنمية.

 

وأثارت هذه النتائج نقاشًا جديًا وواسعًا في الأوساط العلمانية التي تتوقع للدولة التركية أن تتحول إلى دولة إسلامية معتدلة مع استمرار حكومة العدالة والتنمية التي يبدو أنها ستحكم تركيا على الأقل 10 سنوات في ظل غياب البدائل اليمينية واليسارية في الشارع التركي، وتشير الأوساط المذكورة إلى الدعم الأمريكي والأوروبي السياسي والاقتصادي لحكومة العدالة والتنمية، وتقول إن ذلك يهدف لتحويل تركيا إلى دولة إسلامية سيتحجج بها الاتحاد الأوروبي ليغلق أبواب الاتحاد في وجه الأتراك "المسلمين" فيما ستستفيد واشنطن من هذه التجربة في برامجها ومخططاتها ضد إيران باعتبار أن هذه التجربة الإسلامية المعتدلة تمثل نموذجًا مهمًّا يمكن تسويقه إلى بقية الدول العربية ليساعدها على مواجهة الإسلام المتطرف سياسيًّا وعقائديًّا.

 

وفيما وظفت حكومة العدالة والتنمية خلال السنوات الخمس الماضية أكثر من مليون إنسان في مؤسسات الدولة المختلفة، وخاصةً القضاء والأمن، وينتظر أنها ستوظف عددًا مماثلاً خلال السنوات الخمس المقبلة، فإن غالبية الأتراك وهم من الطبقات المتوسطة ذات الميول الإسلامية المحافظة أساسًا بحاجةٍ إلى رضا ودعم مؤسسات الدولة.

 

وهذا ما يُفسِّر الزيادة الكبيرة في شعبية الحزب في الانتخابات الأخيرة التي صوَّت فيها 47% من المواطنين للحزب المذكور بزيادة 10% عن انتخابات 2002م.

 

معركة مارس
 
 الصورة غير متاحة

العدالة يسعى لإعادة المظهر الإسلامي لتركيا

وفيما يُراهن الكثيرون على نتائج الانتخابات البلدية التي ستجرى في مارس 2009م لإثبات هذه النتائج مدى نجاح سياسات الحكومة وتقبل الشارع التركي لها، بعد اعتماد الدستور الجديد الذي سيحد من صلاحيات الجيش ويدعم صلاحيات الحكومة ومؤسسات الدولة، فإن الرهان يستمر على موقف العسكر الذين يقول البعض عنهم إنهم لن يستسلموا بسهولةٍ وسوف يتصيدون الوقت المناسب للتحرك ومواجهة هذا المد الإسلامي الذي فرضه وسيفرضه العدالة والتنمية على الأمة والدولة التركية.

 

وأيضًا يراهن عدد كبير من أبناء الشعب التركي على أن الجيش لن يقف مكتوف الأيدي وهو يرى مؤسسات الدولة يسيطر عليه أردوغان ورفاقه رويدًا رويدًا، وآخرها وليس آخرًا المجلس الأعلى للتعليم والمحكمة الدستورية وأيضًا التعديلات الدستورية المزمع إجراؤها قريبًا.. كل هذا الأمور تؤكد أن الأمور ربما لن تسير على هوى حزب العدالة، وربما ينتفض الجيش بين عشيةٍ وضحاها إذا شعر أن البساط تمَّ سحبه من تحت أقدامه، وأن العلمانية باتت تراثًا كلاسيكيًّا في تركيا.

 

على أية حال الحسابات داخل تركيا معقدة ومحاولة إقصاء الجيش من الحياة السياسية ستكون صعبةً.. فهل يحدث الانقلاب الرابع مع إقرار الدستور التركي في تعديلاته رفع الحذر عن الحجاب وأشياء أخرى؟!.