أثار تعيين الدكتور يوسف ضياء أوزجان رئيسًا لمجلس التعليم العالي التركي YÖK والتصريحات التي قال فيها إنه جاء لكي يرفع القيود المفروضة على الجامعات، وما ذكرته بعض وسائل الإعلام التركية من أنَّ تعيينه يعد مفاجأةً، أثار نقاشًا واسعًا بالمجتمع التركي يتعلق بالجامعات والنظام الخاص بها الذي يُسيطر عليه المجلس، وكان رئيسه السابق أردوغان تزيتش عائقًا كبيرًا ضد كل محاولات الإصلاح التي سعت إليها حكومة حزب العدالة والتنمية خلال السنوات الخمس الماضية بإصراره على عدم السماح للمحجبات بدخول الجامعات أو حرية خريجي ثانويات الأئمة والخطباء الدينية في دخول الجامعة أسوةً بخريجي الثانوية العامة.
كان الرئيس التركي عبد الله جول صدَّق على تعيين الدكتور يوسف ضياء أوزجان- رئيس قسم علم الاجتماع بجامعة الشرق الأوسط بأنقرة- رئيسًا للمجلس الأعلى للتعليم يوم 10/12/2007م في أعقاب انتقال الدكتور أردوغان تزيتش رئيس المجلس السابق للتقاعد، والذي وقف حائلاً ومانعًا قويًّا- بدعم الحزب الجمهوري المعارض- أمام كل محاولات إصلاح التعليم وإطلاق حريته التي سعت إليها حكومة حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان طوال السنوات الخمس الماضية.
فتزيتش عارض بقوة- مدعومًا من الحزب الجمهوري المعارض والرئيس التركي السابق نجدت سزر- إطلاق حرية تعليم المرأة المحجبة بالجامعات والمعاهد العالية أو السماح لخريجي ثانويات الأئمة والخطباء التركية الحكومية بدخول الجامعات مباشرةً أسوةً بالثانويات العامة العادية، وتمَّسك بتطبيق نظام "العدد المضاف" الذي يخفض مجموع درجات طلاب الثانويات المهنية والفنية فلا يتمكنوا من دخول الكليات الجامعية، ومنع أيضًا إقامة جامعات خاصة جديدة بحجة عدم توفر الكوادر العلمية والأفضل تقوية أوضاع الجامعات القائمة.
تحدي الرئيس والحكومة
مجموعة من رؤساء الجامعات التركية ذوي الاتجاه العلماني والأتاتوركي بدءوا الاعتراضَ على الرئيس الجديد للمجلس وعلى خط الاعتدال المعلن وسعيه لرفع كل الموانع والحظر الجامعي الذي أعلن عنه فور التصديق على تعيينه من قِبل رئيس الدولة، فقد أعلن الدكتور فاتح حلمي أوغلو- رئيس جامعة إينونو بمحافظة إزمير- يوم 14/12/2007م في أعقاب عقد أول لقاءٍ لرئيس المجلس الجديد مع رؤساء الجامعات أنه "ليس هناك من له قوة في إلغاء قرارات منع ارتداء الحجاب بالجامعات؛ لأن تركيا دولة قانونية، وكل شيء يجب أن يكون مرتبطًا بالقانون، وإذا كنا دولة العلماء يجب الالتزام بقرارات الحظر".
هذا، وفي الوقت الذي يستعد حلمي أوغلو بحشد فريقٍ من رؤساء الجامعات وراءه لمقاومة حركة الإصلاحات التي يسعى رئيس المجلس الجديد للقيام بها.
يُذكر أن الدكتور حلمي أوغلو كان من بين رؤساء الجامعات الذين قاموا انتخاب عبد الله جول رئيسًا لتركيا وأرسل سيارات الجامعة لتنقل الطلاب المعارضين للمشاركة في التظاهرات التي أقامها الحزب الجمهوري وجمعية أتاتورك الثقافية ببعض المدن التركية إبَّان فترة سعي البرلمان لانتخاب رئيس الجمهورية بين مايو وأغسطس 2007م، وقال في تصريحاتٍ صحفيةٍ آنذاك أنه سيتم عمل اللازم في حالة المساس بالنظام العلماني والمبادئ الأتاتوركية.
الحريات الجامعية بالقوانين
وطبقًا لما أوردته جريدة "حريت" 14/12/2007م قال الدكتور سليمان أوقودان- رئيس جامعة سلجوق-: "نحن موظفون بالدولة نُطبق القوانين، وطالما لم تتغير القوانين فإننا سنُطبِّق حظر الحجاب".
وأضاف الدكتور مصطفى آيدين- رئيس جامعة البحر الأبيض (آنطاليا)- أن اجتماعنا مع رئيس المجلس الأعلى للتعليم يتضمن مناقشة حظر الحجاب، وحين يأتي موعد هذا النقاش سنقول رأينا صراحةً.
وقال الدكتور قدري ياماتش- رئيس جامعة غازي-: "أي شيء يُراد تطبيقه بالجامعات يجب أن يستند للقانون، وليس هناك مجال للتطبيقات الشخصية".
وقال الدكتور نصرت أراص- رئيس جامعة أنقرة-: "وإن لم يتطرق لقاؤنا مع الرئيس الجديد حول حظر الحجاب، إلا أن رأي جامعتنا معروفٌ بشأن حظر الحجاب خصوصًا، وأن هناك قرارات قضائية مؤيدة من المحاكم العليا والمحكمة الأوروبية تحظر الحجاب"، وعلَّق الدكتور أورال أق بولوط رئيس جامعة تكنيك الشرق الأوسط على اللقاء الأول مع رئيس المجلس الأعلى للتعليم بقوله: "بكل تأكيد هناك فوائد من رفع المحظورات المفروضة على الجامعات، ولكن إذا كان المقصود بالحظر هو الحجاب فإن هذا الموضوع حساس وخطير والحريات الجامعية ليست شخصية بأيدي رئيس المجلس، وهذا الأمر يخلق مخاطر".
قليل من القيود
جدل جديد مفتوح يتعلق بحرية التعليم العالي ورفع القيود المفروضة عليه من التيار العلماني الأتاتوركي يُعلِّق عليه الدكتور برهان الدين شناتالار (جامعة بيلجي الخاصة بإستانبول) بقوله: "لا يمكن أن نقدس الأمور والأشياء والقرارات ونعبدها والمفترض الحرية في الجامعة، وإذا لم يكن هناك حرية واعتراضات لا يمكن أن يكون هناك حرية علمية، ومن الخطورة أن تقوم جهة سياسية بدعم الجامعة من هنا أو هناك، وإذا فعلت الجامعة هذا فإنه يجب انتقاده داخليًّا وخارجيًّا، ومن حق أي باحثٍ أن يقول لرئيس الجامعة أو عميد الكلية أنت قلت كذا وكذا، وأنا أنتقده لأنه ليس هناك عبودية لشيء، يجب أن يكون الباحث الجامعي والأستاذ حرًّا والابتعاد الكامل عن أشكال العبودية، وليس جائزًا وضع قيود كالتي وضعها الله، بالطبع هناك جامعات بتركيا تتمتع بهذه الحرية، ولكنها قليلة.
ويضيف شناتالار قوله: "الضغوط على الجامعة تأتي من الحكومة أو من المجتمع أو من قطاعات محددة مثل السلطة الدينية، وهذا يعيق حرية البحث العلمي.
ومن الأمثلة أن نسبة 15% تخصم من مداخيل كلية الطب تذهب لصالح وزارة المالية في ظل نظام "المال الدائر أو المستثمر"، وكذا استمرار تراجع الإقبال على مهنة التمريض من طرف النساء".
صحيح أن نظام المال الدائر بالجامعات كاد أن يقترب من نسبة 50% وهذا شيء طيب لكن يجب رفع كل القيود المكبلة لحرية التعليم العالي وانطلاقه"؛ لذا أؤيد استمرار مجلس التعليم العالي، ولكن دون فرضه قيودًا على الجامعات، كما هو معمولاً به منذ سنوات طويلة".
د. أوستون أشجودر (رئيس جامعة سابق) يقول بشأن الجدل الجديد المصاحب لتعيين رئيس المجلس الأعلى للتعليم: "حين نتحدث عن كيفية توفير حرية البحث في الجامعات والحرية بوجه عام للجامعات يجب التفكير في جامعات الدولة وفيها قيود مفروضة على كل شيء، واليوم أرى الفرق حين أعمل بجامعة صابانجي الخاصة (جامعة تنتمي لوقف خيري) وجامعات الدولة النظام فيها مرتبط بالدولة من كل النواحي عبر المجلس والميزانية المقيدة، 8 سنوات عملتُ فيها رئيسًا لجامعة حكومية وأعرف جيدًا مدى العوائق الموجودة بالجامعات، وما هو موجود لدينا من نظامٍ جامعي عبارة عن نظام قديم تهالك ونخره السوس، ونحن بحاجةٍ لنظامٍ جديدٍ لا يختلف عن الأنظمة الموجودة بالدول المتقدمة، وكلامي هذا لا يعني طلب عدم وجود رقابة مالية على الجامعات، ولكن حرية التصرف في المورد المالي المخصص والمتاح.
د. تحسين يشيل دَرَه (رئيس جمعية أعضاء هيئة التدريس الجامعي) له رأي في مشاكل التعليم العالي بقوله: "لكي تجتاز تركيا مشاكل الجامعة فإنها تحتاج لإصلاحات ولا يجب أن تكون الجامعة ونظامها مرتبطًا بشخص؛ لأنها تتعلق بالأجيال القادمة، والحقيقة أن الجامعات حتى اليوم كانت تحت سيطرة شخص يجلس في أعلى- يقصد رئيس مجلس أعلى التعليم- أو أن يكون العكس فيستبعد ويهمل، صحيح كان هناك ضغوط على المجلس العالي في السنوات الماضية من كل النواحي المالية والأكاديمية وتكوين الكوادر اللازمة".
ويضيف القول: "مَن ثَمَّ الأمر يحتاج لدراسة وبحث فيما سيكون محل تعديل وإصلاح بالجامعات، ومن كل المستويات، وأرى أن تعديلات تتم بالدستور يمكن أن تُسهِّل الحرية للتعليم العالي، ومن اللازم أن يكون التعليم الجامعي قائمًا على المساواة دون المحاباة، ولا يجب نسيان أيضًا أن المال الخاص أيضًا يمكن أن يُشكِّل عائقًا أمام الطلاب الفقراء؛ لذا يجب أن تكون المصادر المالية للدولة وتحت رقابة وبدون التأثير على حرية التعليم".
حرية مالية وعلمية وتعليمية
ويتحدث د. عمر فاروق باطيريل (رئيس جامعة سابق وأستاذ بجامعة إستانبول التجارية) عن الحرية العلمية بالقول: "حين لا تتمتع الجامعة بحرية مالية في الكليات والمعاهد تخلق مشكلةً تعليميةً، وحين لا توجد حرية في تعيين الكوادر العلمية يصبح لدينا مشكلة علمية، الجامعة مؤسسة عامة والإصلاحات تحتاج لتعديل دستوري، أحيانًا تستخدم الحرية العلمية خطأ وقد شهدت هذا كثيرًا".
ويتفق أ. د أثر قراقاش (أستاذ الاقتصاد بجامعة باغجه شهر الخاصة) حول نقطة إحداث تغييرات بالنظام الجامعي القائم، وبالمجلس المشرف على الجامعات بالقول: "الجامعة لا تختلف عن هيئة الإذاعة والتلفزيون TRT فحين كانت مكبلةً ومقيدةً لم يكن لها أي تأثيرٍ، وأصبحت فاعلةً ومفيدةً بالتغيير والإصلاح والسماح لها بدخول سوق التنافس والجودة، وكلما كانت هناك حرية في التصرف المالي سيكون بمقدور الجامعات تدوير المال وخلق مصادر تمويلية جديدة وحقيقية تفيد التعليم الجامعي وحريته".
الجدير بالذكر أن المجلس الأعلى للتعليم برئاسة الدكتور أردوغان تزيتش (تقاعد) تحدى حركة الإصلاحات الجامعية التي سعت إليها حكومة حزب العدالة والتنمية بدءًا من نوفمبر 2002م، ورفض السماح للمحجبات بالانتظام بالتعليم الجامعي والعالي أو المساواة بين خريجي ثانويات الأئمة والخطباء الدينية وبين خريجي الثانويات العامة عند التقدم لدخول الجامعات، وأصرَّ على تطبيق نظام "العدد المضاف" الذي وضع في عهد حكومة الائتلاف الحاكم برئاسة مسعود يلماظ 1997، وطبَّق بتشدد في عهد حكومة الائتلاف برئاسة الراحل بولنت أجاويد 99-2002، كما رفض فتح الطريق أمام تشكيل كوادر علمية جامعية جديدة أو إنشاء جامعات جديدة عامة أو خاصة؛ وذلك بحجة أن هناك قرارات قضائية صادرة عام 1982 تستند لقانون القيافة والملابس ولدعم محكمة حقوق الإنسان الأوروبية تحظر ارتداء الحجاب بالتعليم العالي، وأنه ليس هناك كوادر علمية يمكن أن تقوم بالتدريس بالجامعات الجديدة- عددها 15 جامعةً- التي تسعى حكومة العدالة والتنمية لإنشائها، وكذا عدد آخر من الجامعات الخاصة، ونفس المجلس هو الذي رفض ابتداءً من عام 1997 الاعتراف بالشهادات الجامعية الصادرة من جامعة الأزهر والجامعات الإسلامية بالبلاد العربية والإسلامية.
وتقبل الجامعات التركية الحكومية والخاصة- عددها يقارب 50 جامعةً- سنويًّا عددًا بين 350- 400 ألف طالب وطالبة من بين عددٍ يُقارب مليون ونصف المليون طالب يتقدمون لامتحان دخول الجامعات الذي يُعقد سنويًّا في شهر مايو لخريجي الثانويات التركية.