يبدو أن الجانب الصربي يريد أن يمنع أو يعطِّل استقلال كوسوفا بأي وسيلة؛ فقد أظهرت المفاوضات الأخيرة التي جمعت بين الصرب وممثلي كوسوفا تحت رعاية الاتحاد الأوروبي، والتي أعلن الاتحاد الأوروبي عن فشلها بسبب الرفض الصربي للاستقلال وكذلك بعض الدول الأوروبية.
وكان الاتحاد الأوروبي قد عقد عدة اجتماعات بحضور الطرفين الصربي والكوسوفي وبعض الدول الأخرى من أجل الاتفاق على أجندة للاستقلال بعد أن أعلن ألبان كوسوفا نيتهم إعلان الاستقلال من جانب واحد يوم 10 ديسمبر الماضي، وبالفعل خرجت الاعتراضات الصربية، تساعدها بعض الدول، مثل قبرص واليونان وروسيا وإسبانيا وبعض الدول الأخرى؛ لذلك أعلن الاتحاد الأوروبي عن فشل المفاوضات والتي انتهت يوم 10 ديسمبر الجاري.
تعقيدات صربية
وعلى الفور أسرع قادة الصرب بالاجتماع وقرَّروا استعجال إجراء الانتخابات الرئاسية، والتي خلت مقعدها بعد وفاة الرئيس الصربي، وحدَّد القادة الصرب موعدًا لإجراء الانتخابات الرئاسية يوم 20 يناير القادم, واضعين الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي في مأزق جديد.
وعقب الإعلان الصربي عن تحديد موعد الانتخابات الرئاسية قال أولي رين- مفوض توسيع العضوية في الاتحاد الأوروبي إن إيجاد حلٍّ لمشكلة الوضع النهائي لكوسوفا سيتأجَّل حتى أوائل الربيع.
وكانت تصريحات رين المسئول عن قيادة جهود دول غرب البلقان نحو اكتساب عضوية الاتحاد الأوروبي في نهاية الأمر أوضحَ مؤشِّرٍ حتى الآن على أن الاتحاد سيؤجِّل أي قرار إلى ما بعد انتخابات صربيا، وقال رين لصحيفة أوتيسبيفا ديماري: "الحل النهائي لكوسوفا سيتأجَّل إلى أوائل الربيع"، وأضاف قوله: "يجب إيجاد حل، والوضع الحالي غير مقبول".
ولم يذكر رين سببًا للتأجيل في الجدول الزمني المبدئي الذي حدَّده الغرب لقيادة كوسوفا نحو الاستقلال بعد أن انتهت جهود الوساطة الدولية بالفشل في العاشر من ديسمبر.
ويتوقع مسئولون وخبراء في الاتحاد الأوروبي أن يعلن إقليم كوسوفا- الذي تسكنه غالبيةٌ من الألبان، نيته الاستقلال، ومن ثم الانفصال في مايو، "بالتنسيق" مع الحلفاء الرئيسيين والدول الأوروبية والولايات المتحدة.
فيما تحبِّذ معظم الدول الأوروبية الاعتراف باستقلال كوسوفا في مرحلة من المراحل، لا تزال قبرص تعارض تلك الخطوة؛ بسبب مشكلتها مع شطرها الشمالي التركي، كما تبدي إسبانيا واليونان وسلوفاكيا تحفظًا شديدًا إزاء استقلال الإقليم.
موقف واشنطن
فيما يبدو الموقف الأمريكي يثير الدهشة والتساؤلات حول الإصرار الأمريكي على سرعة استقلال إقليم كوسوفا، إلا أن المراقبين والمتابعين للشأن البلقاني يعلمون تمامًا أن أمريكا تريد أن تعزِّز دورَها التي بدأته في كوسوفا في عام 1999، والتي استطاعت أن تقوم بضرب الجيش الصربي، وتنشر القوات الدولية والتي ما زالت موجودةً حتى الآن داخل الإقليم تحت اسم ك- فور.
الموقف الصربي المتعنِّت يعقِّد الأمور وربما يؤدي إلى التصعيد، وأمريكا والاتحاد الأوروبي يريدون أن يبقى جيش تحرير كوسوفا في إطاره السياسي ولا يعود لصبغته العسكرية, والتعنُّت الصربي سيجرُّ المنطقة إلى المزيد من التوترات التي لا تريدها أمريكا ولا أوروبا في هذه الآونة، وبخاصةٍ بعد الاستقرار النسبي في البوسنة وألبانيا ومقدونيا.
وجيش تحرير كوسوفا- الذي ألقى سلاحه وتحوَّل للسياسة ودهاليزها وبعد نجاحه في الانتخابات الأخيرة والتي جرت في الشهر الماضي- لن يسكت للعراقيل الصربية، لذلك كان لا بد أن يقوم رين مفوض الاتحاد الأوروبي بتطمين الجميع أن مرحلة الاستقلال في الحسبان ولكنها سيتم تأجيلها لمايو القادم.
وتريد أغلبية السكان في كوسوفا- التي تنحدر من أصل ألباني- الاستقلال، لكن بلجراد تصر على أن الإقليم المنشق الخاضع لإدارة الأمم المتحدة منذ الحرب الجوية التي شنَّها حلف شمال الأطلسي عام1999 لطرد القوات الصربية لا يمكن منحه سوى حكم ذاتي واسع داخل حدود صربيا.
على أية حال الأوضاع في كوسوفا لا تنفصل بأي حال من الأحوال عن أزمة البلقان، وإن أي مشكلة في أي دولة من الدول ستُلقى بظلالها على الدول المجاورة؛ لذلك يحرص المجتمع الدولي على التدخل السريع في أزمات البلقان، وبخاصة أن حرب البوسنة والجرائم الصربية في حق المسلمين ما زالت عالقةً في الأذهان، هذا لا يعني أن المجتمع الدولي يعمل ألف حساب للمسلمين، ولكنه يخشى من أن تكون للمسلمين في البلقان قوةٌ عسكريةٌ تقلب الموازين في أوروبا.
لذلك تدخلت أوروبا وأمريكا على الفور لإنهاء الحرب البوسنية بعد أن تكوَّن جيشٌ للمسلمين وبدأ في حرب تحرير البوسنة، وأيضًا يخشون من عودة جيش تحرير كوسوفا من جديد.