- الاحتلال الإثيوبي يرتكب أبشع الجرائم في حق مسلمي أوجادين

- إثيوبيا تعيش حالةً من التمزق بين القوميات التي تطالب بالاستقلال

 

أسمرا- عبد الرحمن يوسف

على الرغم من مرور 15 عامًا على تأسيسها إلا أنها لا تزال تواصل نضالها ضد الاحتلال الإثيوبي لتحرير مسلمي منطقة الصومال الغربي (أوجادين) الذي تحتله إثيوبيا منذ قرابة نصف قرن، ورغم قلة إمكانياتها وعدم وجود سندٍ قوي يدعمها، بالإضافة إلى التكتُّم الإعلامي في المنطقة- ما يجعل من الصعوبة معرفةَ المجازر التي يرتكبها الاحتلال الإثيوبي بحق المسلمين هناك- إلا أنها نجحت بفضل الله في أن تقضَّ مضاجع العدو وتُدخِله في مأزقٍ سياسي وعسكري، ونقْل حقيقة ما يجري هناك إلى العالم.. تلك هي الجبهة المتحدة لتحرير الصومال الغربي.

 

ولمعرفة ما تحقَّق لها وكيف يعيش المسلمون؟! كان هذا الحوار مع السيد إبراهيم محمد حسين رئيس الجبهة على هامش مؤتمر الجماعات الصومالية المعارضة للاحتلال الإثيوبي في الصومال، والذي انتهى في 14 من شهر نوفمبر الماضي في العاصمة الإريترية أسمرا.

 

* بدايةً.. السيد إبراهيم، نودُّ أن نتعرَّف على حركتكم، وما الأهداف التي قامت عليها؟

** أود أن أشير في بداية الحديث إلى أن الجبهة المتحدة لتحرير الصومال الغربي تأسَّست في عام 1977م خَلَفًا للحركات الجهادية في المنطقة، مثل حركة دراويش التي قادها المجاهد الصومالي السيد محمد عبد الله حسن في عام 1925م ضد الاستعمار البريطاني، وكذلك حركة نصر الله التي قاومت الاحتلال الإثيوبي عام 1966م، وحركتنا هي نتاج هذه الحركات النضالية التي قامت في المنطقة، وقد خُضْنَا حربًا عُرفت بحرب 77 ضد القوات الإثيوبية بمساعدةٍ من الجمهورية الصومالية السابقة، وتمكنَّا آنذاك- بفضل الله- من تحرير 95% من أراضي أوجادين، غير أن تعاون الشرق والغرب (ولأول مرة في الحرب الباردة) أفشل الجبهة، واستطاعت إثيوبيا مجدَّدًا السيطرة على المنطقة حتى يومنا هذا، وبعد توقفٍ بسيطٍ انتعشت عملياتها الجهادية ضد العدو في أنحاء المنطقة.

 

وبالنسبة لأهدافنا، فإنها تتلخَّص في جملةٍ واحدةٍ، وهي: نيل الاستقلال الكامل من إثيوبيا، ولا يهمُّنا إن كان الاستقلال يتم بطريقة استفتاء شعبي أو قرار دستوري أو غيرها من الوسائل المشروعة.

 

* بعد 15 عامًا من الجهاد والنضال.. ما أهم الإنجازات التي حققتها الجبهة؟

** حققت الجبهة- بفضل الله- إنجازاتٍ ملموسةً خلال الـ15 عامًا الماضية، منها:

- استمرار المقاومة والجهاد بدون دعمٍ خارجي وفي ظل غياب دولةٍ صوماليةٍ مساندةٍ للقضية.

 

- استطاعت الجبهة أن تكون الحاكم الفعلي للمنطقة في الليل وتحكم القوات الإثيوبية في النهار.

 

- يرجع الفضل بعد الله للجبهة في تأخر الغزو الإثيوبي على الجمهورية الصومالية حتى هذا العام 2007م، ولولا الله ثم الجبهة لاجتاحت إثيوبيا مقديشيو قبل 10 سنوات.

 

- اكتسبت الجبهة خبرةً عسكريةً وسياسيةً تؤهِّلها لقيادة البلد في حال استقلالها.

 

- قتلت الجبهة من العدو أكثر من 30 ألف جنديٍّ باعترافٍ منه.

 

* ما أهم العقبات التي تواجهكم؟

** أمامنا عقباتٌ كثيرةٌ، أهمها: قلة الدعم الخارجي، كما أن انهيار الصومال الذي كان السند الرئيس لقضيتنا يمثِّل عقبةً أخرى، وهناك أيضًا الدعم الغربي الظالم لإثيوبيا.

 

أهمية المنطقة

* خلال الفترة الماضية شاهدنا تنافسًا بين شركاتٍ عالميةٍ في المنطقة، فما أهمية هذه المنطقة؟

** اسمحوا لي أن أعرِّفَكم بالمنطقة؛ فمنطقة أوجادين تقع بين أربع دول، هي: الصومال، وجيبوتي، وكينيا، وإثيوبيا، وتبلغ مساحة أراضيها حوالي 400 ألف كيلو متر مربع، ويعيش فيها قرابة 4 ملايين نسمة، ويدين جميع سكانها بالإسلام، ويتكلمون اللهجة الصومالية واللغة العربية.

 

كما أن للمنطقة أهميةً إستراتيجيةً؛ حيث تمثل محور الصراع في القرن الإفريقي بين المسجد والكنيسة، وهي جبهة الدفاع الأمامي للصومال، ولا نبالغ إذا قلنا: إن منطقة أوجادين هي فلسطين القرن الإفريقي؛ حيث أهدت بريطانيا المنطقة إلى إثيوبيا عام 1948م، وهو العام نفسه الذي وهبت فيه بريطانيا فلسطين إلى اليهود، كما أن لهذه المنطقة أهميةً اقتصاديةً؛ حيث تمتلك أكبر مخزون للغاز الطبيعي في شرق إفريقيا، وتم تنقيب 300 بئرٍ للغاز الطبيعي، ولم يبقَ إلا تشغيل الآبار، وقد قدَّرت الشركات المنقِّبة بأن كمية الاحتياطات المتوافرة في أراضي أوجادين تكفي القارَّة الإفريقية كلها؛ مما جعل المنطقة تحت أضواء وأنظار القوى العظمى المتنافسة على مناطق النفط في العالم.

 

ومن المؤسف جدًّا أن تتنافس علينا الصين وأمريكا، ولا نجد في الوقت نفسه جهةً إسلاميةً أو عربيةً لها أية مصالح معنا، كما أن في المنطقة نهرين يجريان على مدار السنة؛ ما جعل 40% من أراضيها زراعية.

 

ظروف إنسانية

* على الرغم من هذه الخيرات في المنطقة.. ألا ترى أن المسلمين يعانون من ظروفٍ إنسانيةٍ صعبةٍ؟!

** بلى، رغم كل هذه النعم التي وهبها الله المنطقة فإن سكانها يعيشون حياةً بدائيةً، ولا نبالغ إذا قلنا: إن البنية التحتية في المنطقة شبه معدومة؛ فليس هناك مستشفيات ولا مراكز للتعليم، ولا مياه صالحة للشرب، كما أن طاقةَ الكهرباء فيها معدومةٌ، والطرقَ فيها غير معبدة.

 

وأتذكر هنا ما قاله مراسل قناة (الجزيرة) الذي زار المنطقة عام 1999م؛ حيث قال: لو أعاد الله آدم عليه السلام إلى الحياة لعرف معالم منطقة أوجادين؛ لأنه لم يتغيَّر فيها شيءٌ، وهذا كله بفعل الاستعمار الإثيوبي الذي يمنع المواطنين من امتلاك قدرات التطور في أي مجالٍ من مجالات الحياة.

 

* هل سجَّلتم حالات انتهاك حقوق الإنسان بحق مسلمي أوجادين من قِبَل القوات الإثيوبية؟

** إن كانت هناك دولةٌ في العالم يمكن أن نسميَها دولة انتهاك حقوق الإنسان فهي إثيوبيا، واستنادًا إلى الإحصائيات والتقارير المتوافرة لدينا فإن عدد القتلى المدنيين في الشهرين (يوليو، وأغسطس) بلغ 2000 قتيلٍ مدنيٍّ أعزل، ما بين امرأةٍ وطفلٍ ومسنٍّ وشابٍ!!.

 

وأذكر قصة "زهور خضر"، وهي فتاةٌ عمرها 20 عامًا، وأختٌ لأربعة أيتامٍ، كانت كبراهم وتَعُولهم من خلال دكانٍ صغيرٍ في قرية قرحدو، فأخذها الجنود الإثيوبيون إلى قاعدةٍ عسكريةٍ واغتصبوها جماعيًّا قبل أن يرموها جثةً هامدةً وسط الشارع!! كما أتذكر قصة عمي "محمود هاجر"، الذي قتلوه وصلبوه وسط المدينة، وهناك الأخت رقية عبد الله التي دفنوها وهي حية.

 

ونتيجةً لكثرة الانتهاكات، من القتل الجماعي والاغتصاب والسجن، بدأ المجتمع الدولي في التحرك، وإن كان على استحياءٍ؛ فقد أرسلت الأمم المتحدة منذ فترةٍ قصيرةٍ لجنةَ تقصي حقائق لتُحقِّق فيما يجري في أوجادين؛ مما يدل على فظاعة الوضع هناك.

 

إثيوبيا ضعيفة

* لكن في إثيوبيا قومياتٌ مهضومة الحقوق أيضًا والمشكلة تكمن في النظام الحاكم!!.

** نعم.. وجديرٌ بالذكر أن كلمة إثيوبيا تعني الوجه المحروق، الوجه الأسود، وهي كلمةٌ يونانية اقترحها هيلاسيلاسي (إمبراطور سابق لليونان)، الذي كان يريد أن يجعل هذه الكلمة مدخلاً لطموحات اليونان التوسعية والاستعمارية في القرن الإفريقي.

 

ويقدَّر عدد السكان في إثيوبيا بحوالي 70 مليون نسمة، وفيها 83 لغةً ولهجةً مختلفةً، كما أن فيها أكثر من 9 قوميات مختلفةِ الأعراف والأديان معترفٌ بها في الدستور الإثيوبي.

 

وإثيوبيا شبيهةٌ بالجمهوريات السوفيتية السابقة، وتتفق هذه القوميات بما فيها القومية الحاكمة على شيءٍ واحدٍ، وهو استقلال كل قومية عن إثيوبيا، غير أن هناك قوى خارجية (أوروبا، وأمريكا، والصليبية العالمية) لها مصالح دينية في إبقاء إثيوبيا موحَّدةً في كل الأحوال، ولا أعرف قوميةً من هذه القوميات إلا ولها جبهةٌ مسلحةٌ أو حزبٌ سياسي ينادي بالاستقلال.

 

فإثيوبيا في نظرنا كيانٌ وهميٌّ مصطنعٌ مبنيٌّ على أنقاض الشعوب المسلمة التي تمثِّل 70% من سكان إثيوبيا، ولقد قال "منلك"- أحد ملوك الحبشة سابقًا- عام 1880م، في رسالته التي وجَّهها إلى الكنيسة العالمية: "أنا عبَارةٌ عن سفينةٍ مسيحيةٍ في بحرٍ إسلاميٍّ"، وعليه فإن إثيوبيا محميةٌ مسيحيةٌ قائمةٌ على المساعدات الغربية؛ لذا لا تتوافر لديها مقومات الدولة بكل المعايير.

 

* هل تقصد أن إثيوبيا ضعيفةٌ ولكنها على الرغم من ذلك توسَّعت حتى احتلت الجمهورية الصومالية بأكملها؟!

** نعم.. إنها ضعيفة في مكوناتها الاجتماعية؛ حيث لا يجمع سكانَها دينٌ ولا لغةٌ ولا عرفٌ، وضعيفةٌ اقتصاديًّا؛ لأن 75% من اقتصادها يعتمد على المساعدات الغربية، وضعيفة سياسيًّا؛ لأن أهل منطقة القرن الإفريقي كلهم يرونها كيانًا استعماريًّا توسعيًّا مدعومًا من الخارج، يحمل في طياته أجنداتٍ خارجيةً.

 

* هل هناك عوامل أخرى تساهم في إضعاف النظام الإثيوبي؟

** ربما تقول: إن إثيوبيا تمر بأضعف مراحلها؛ للأسباب التالية:

أولاً: أن الغرب أخطأ في قومية تكراي الحاكمة لتكون إمبراطورة الحبشة؛ لأنها أقلُّ قوميةً في إثيوبيا من حيث عدد السكان؛ حيث يبلغ 3 ملايين نسمة، ولأنها من أجهل القوميات، وأبعدها عن الحضارة والتقدم والتطور.

 

ثانيًا: كل القوميات في إثيوبيا تسعى للاستقلال عنها.

 

ثالثًا: إن هذه القومية قد ارتكبت أخطاء شائنة في حق شعوب ودول المنطقة؛ حيث استولت بالقوة على أرضٍ إريترية، ثم استولت على الجمهورية الصومالية كلها؛ مما وحَّد جميع شعوب المنطقة ضدها، ومؤتمر أسمرا هذا ما هو إلا ترجمةٌ عمليةٌ لهذا الشعور العارم في المنطقة، ولا يمكن لإثيوبيا أن تدافع عن الأراضي الإثيوبية وأجزاء من إريتريا وجمهورية الصومال كلها؛ ولذا فنحن نرى أن نجم إثيوبيا قد اقترب من الأفول، ولم يبق منها إلا مسألة وقت.

 

مناشدة

* وأخيرًا.. ما الذي تريد أن تقوله للعالم الإسلامي؟

** أقول للعالم الإسلامي: إن قضية الصومال الغربي هي فلسطين أخرى في القرن الإفريقي، ونطلب من الشعوب الإسلامية والحكومات والمنظمات والحركات الإسلامية أن تقف معنا سياسيًّا وإعلاميًّا واقتصاديًّا، كما أدعو الدول الغربية إلى مراجعة سياساتها الداعمة لجبهة تكراي، التي تستعمر القوميات الإثيوبية، رغم قلة عددها وتخلُّفها في جميع النواحي.

 

ونحن نؤكِّد أن منطقتنا غنيةٌ بالغاز الطبيعي، ومستعدُّون للتفاوض مع الآخرين، ونريد أن نعيش بحريةٍ وبحياةٍ أساسيةٍ، ولا نمانع أن يُجرَى استفتاءٌ شعبيٌّ في المنطقة كما حصل في جنوب الصومال؛ ليقرِّر السكان مصيرهم.