- العراق.. هدوء أمني نسبي ولبنان على حافة حرب أهلية

- حصار دولي على غزة لتجويع شعب اختار الديمقراطية

- مؤتمرات مشبوهة لدعم أنصار الاحتلال في العراق وفلسطين

- الديمقراطية في الدول العربية خطوة للأمام وخطوات أخرى للخلف

 

تقرير- أسامة نور الدين

عام 2007 بالفعل كان مليئًا بالأحداث المتصاعدة، وبدون استثناءٍ أطلَق عليه الخبراء عام الكوارث العربية والإسلامية؛ ففي العراق ما زالت الأزمة طاحنةً على كافة المستويات، ورغم الهدوء الأمني الذي شهده العراق في النصف الثاني من العام، إلا أن هذا الهدوء مهدد في ظل زيادة النبرة العصبية وعدم وجود مصالحةٍ حقيقيةٍ بين أبناء الشعب الواحد.

 

وفي فلسطين.. حيث الحصار والتضييق على غزة واستمرار حالة الانقسام الداخلي بين أكبر فصيلين هما فتح وحماس، إلى لبنان التي باتت على حافة حربٍ أهليةٍ، بعد أن ظلَّت لأكثر من شهرين بدون رئيس، وكل يوم تتسع الفجوة بين المعارضة والموالاة، وزادها اتساعًا التدخل الأمريكي والفرنسي اللافت للنظر لدعم الحكومة ضد المعارضة؛ الأمر لم يختلف في الصومال التي تقع تحت الاحتلال الإثيوبي، والسودان الذي وإن حقَّق نجاحاتٍ على مستوى الجنوب ودارفور، إلا أن حلم الانفصال ما زال يراود أهل الجنوب ودارفور.

 

 

بوتو خلال مؤتمر انتخابي سابق استعدادًا للانتخابات التشريعية

 وأبى عام 2007 أن يطويَ صفحاته إلا بأبشع عمليات الاغتيال، باغتيال رئيسة وزراء باكستان السابقة بي نظير بوتو، في حادثةٍ تضع باكستان على مشارف أزمةٍ حقيقيةٍ تزداد قوتها يومًا بعد يوم.

 

والأحداث والتطورات التي شهدها 2007 على جميع المستويات العربية والإقليمية والدولية، بعضها كان إيجابيًّا، يعكس وعي الشعوب ورغبتها في السير قُدمًا للأمام، وأغلبها كان سلبيًّا، يعكس رغبة رؤساء الدول والحكومات في الاحتفاظ بمناصبهم، حتى ولو كان ذلك على حساب مصالح وطموحات شعوبهم التي تئنُّ تحت الفقر والجهل منذ سنواتٍ طويلةٍ، دون أدنى أمل في الرقيِّ والتطور؛ بسبب كبت الحكومات المستمر لكل صوتٍ معارضٍ يقف في وجه الاستبداد والظلم، كما يعكس كذلك استمرار الدول الكبرى في مخططاتها الرامية للهيمنة والسيطرة على مقاليد الدول النامية، خاصةً دول العالم العربي الغنية بالنفط والمواد الخام، وسعيها الدءوب لنشر بذور الفتنة والانقسام بداخلها، في محاولةٍ منها لإضعاف الدول ومنعها من الوقوف في وجه تلك المخطَّطات، بل وتكتّلها في مواجهة كل من تُسوِّل له نفسه معارضةَ تلك المخططات، ودفعه للرضوخ للإملاءات والشروط الغربية.

 

عام الانتخابات

نستطيع بحق أن نُطلق على عام 2007 عام الانتخابات؛ حيث شهد إجراء انتخاباتٍ نيابيةٍ ورئاسيةٍ وبلديةٍ في العديد من دول العالم، كان لها نتائجُ كثيرةٌ على جميع المستويات الداخلية والعربية والإقليمية والدولية؛ حيث أدَّت تلك الانتخابات إلى سقوط حكوماتٍ وأحزابٍ معروفٍ عنها ولاؤها الكبير للإدارة الأمريكية الحالية بقيادة بوش، وظهور أخرى رافضةٍ للسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط.

 

 الصورة غير متاحة

عبد الله جول

هذا على الصعيد الدولي، أما على الصعيد الإقليمي فقد كان الوضع مختلفًا إلى حدٍّ ما؛ حيث شهدت المنطقة زلزالاً تركيًّا بعد انتخاب عبد الله جول ذي الميول الإسلامية- ولأول مرة- رئيسًا لتركيا، موجِّهًا بذلك صفعةً قويةً للعلمانية في تركيا، نفس الأمر بالنسبة لفنزويلا، التي رفض شعبها، في سابقةٍ هي الأولى من نوعها في الدول النامية، والسماح للرئيس الفنزويلي ذي الشعبية الجارفة بأن يستمر في السلطة إلى ما لا نهاية، مثلما هو حاصلٌ في منطقتنا العربية، والتي عكست الانتخابات النيابية التي جرت فيها مؤخرًا مدى البعد عن المسار الديمقراطي، والرغبة في بقاء الحكومات والأحزاب الموالية للرؤساء والغرب في مناصبها، مهما كانت مخاطر ذلك على مصالح الأمم والشعوب العربية.

 

نتائج غير متوقعة

لقد توقَّع كثيرٌ من المحلِّلين- خاصةً بعد تصاعد الاهتمام بالديمقراطية في الشرق الأوسط والمنطقة العربية من قِبَل الولايات المتحدة والمنظمات الدولية- أن تكون الانتخابات التشريعية في الوطن العربي نزيهةً بدرجةٍ أو بأخرى، إلا أن ما أسفرت عنه تلك الانتخابات مثَّل صدمةً كبيرةً لكثيرٍ من المتابعين والمحلِّلين لأوضاع العالم؛ ففي المغرب- على سبيل المثال- جاءت نتائج الانتخابات التشريعية 2007 مفاجئةً للعديد من المراقبين، خاصةً بعد أن حصد حزب الاستقلال- أحد الأطراف الكبرى في الائتلاف الحاكم منذ 1998- أكبر عددٍ من المقاعد (52 مقعدًا)، متبوعًا بحزب "العدالة والتنمية" المعارض الذي حلَّ في المركز الثاني مؤمِّنًا 46 مقعدًا.

 

أما "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" المشارك في الحكومة، وصاحب الكتلة الأكبر في البرلمان بين 2002 و2007، فكان الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات؛ إذ تراجع عدد مقاعده من 50 إلى 38 فقط.

 

 الصورة غير متاحة

تجمع لأنصار "حمس" بولاية المسيلة جنوب الجزائر

 كما جرت في الجزائر يوم 17 مايو 2007م انتخاباتٌ تشريعيةٌ تنافس فيها ممثلون عن 22 حزبًا سياسيًّا معتمَدًا، وكان على رأس هذه الأحزاب الائتلاف الثلاثي الحاكم في البلاد، والذي يضم كلاًّ من حزب "جبهة التحرير الوطني"، الذي يملك الغالبية البرلمانية الحالية، وحزب "التجمع الوطني الديمقراطي" بزعامة أحمد أويحيى رئيس الحكومة السابق والحزب الإسلامي حركة مجتمع السلم (حمس).

 

وبالإضافة إلى الانتخابات التشريعية التي فاز فيها أحزاب الائتلاف الحاكم بغالبية المقاعد في البرلمان، شهدت الجزائر مؤخرًا انتخابات البلدية والولايات، والتي فاز فيها حزب "جبهة التحرير الوطني" الحاكم في الجزائر بالمرتبة الأولى، يليه "التجمع الوطني الديمقراطي"، بينما تراجع شريكهما الثالث في الائتلاف الحاكم حركة مجتمع السلم (حمس) للمرتبة الرابعة.

 

وبحسب النتائج الرسمية للبلديات، فإن جبهة التحرير الوطني بزعامة رئيس الحكومة عبد العزيز بلخادم فازت بـ4201 مقعد، أي ما يعادل 30.05% من مقاعد المجالس البلدية.

 

وفي المرتبة الثانية جاء "التجمع الوطني الديمقراطي" برئاسة أحمد أويحيى- رئيس الحكومة السابق- ليحصل على 3426 مقعدًا، أي ما يمثل نسبة 24.5%، بينما حققت الجبهة الوطنية الجزائرية مفاجأةً بعد أن قفزت إلى المرتبة الثالثة بحصدها 1578 مقعدًا، أي ما يعادل نسبة 11.29%.

 

وتراجعت حركة مجتمع السلم الشريك الثالث في الائتلاف الحاكم إلى المرتبة الرابعة بحصدها 1495 مقعدًا، أي ما يمثل نسبة 10.69% من المقاعد، وتقاسمت بقية الأحزاب النسب المتبقية، ويبلغ إجمالي عدد مقاعد المجالس البلدية المتنافس عليها 13981 مقعدًا.

 

وعلى صعيد انتخابات الولايات، فقد احتلت "جبهة التحرير الوطني" المرتبة الأولى بنسبة 32% من عدد المقاعد، متبوعةً بالتجمع الوطني الديمقراطي بنسبة 21.89%، بينما جاءت حركةُ مجتمع السلم في المرتبة الثالثة بنسبة 15%، ويزيد إجمالي عدد مجالس الولايات عن ألفي مقعد.

 

وتعتبر الانتخابات الجزائرية من أنزه وأفضل الانتخابات التي شهدتها منطقتنا العربية في العام 2007؛ حيث أكَّد العديد من المراقبين والناخبين نزاهة العملية الانتخابية، باستثناء بعض التجاوزات البسيطة التي لا تؤثر على السير الحسن للعملية الانتخابية.

 الصورة غير متاحة

 الانتخابات الأردنية شابها عمليات تزوير وانتهاكات واسعة

 

 وعلى عكس ما شهدته الجزائر جاءت الانتخابات الأردنية مخيبةً للآمال، فبالإضافة إلى القوانين الانتخابية المعيبة، شهدت الانتخابات العديد من التجاوزات التي سجَّلها المراقبون الدوليون، والتي أثَّرت بصورةٍ واضحةٍ على نتائج العملية الانتخابية، ولقد كانت أبرز نتائج تلك الانتخابات حصول حزب جبهة العمل الإسلامي على ستة مقاعد فقط من أصل 22 مرشحًا.

 

وفي هذا الصدد اتهم المراقب العام للإخوان المسلمين سالم الفلاحات حكومة الدكتور معروف البخيت بغضِّ الطرف عن "شراء الأصوات، واستخدام بطاقاتٍ انتخابيةٍ لا يوجد عليها أرقام تسلسلية"، كما اتهم الحكومة بمنع الجهات المراقِبة للانتخابات- مثل المركز الوطني لحقوق الإنسان- من القيام بدورها الرقابي أثناء سير عمليات التصويت.

 

مفاجآتٌ دوليةٌ

وعلى الصعيد الدولي حقَّق حزب الشعب السويسري نجاحًا كبيرًا؛ مما حدا بالبعض لأن يقول بأن شيئًا ما تغيَّر في الحياة السياسية السويسرية؛ فالتقدم الكبير الذي حقَّقه حزب الشعب السويسري في عام 1999م، اعتُبِر مجرد اضطرابٍ استثنائي، لكن نتيجة عام 2003 كذَّبت هذه الرؤية، واليوم تحوِّل انتخابات 2007 هذه المسيرة الظافرة إلى ما يُشبه التتويج.

 

وقد اعتبرت الصحف السويسرية أن حملة حزب الشعب شديدة الاستقطاب هي السبب وراء حصوله على تلك النتائج، مؤكدةً أنه لم يحدث أبدًا في السابق أن تمكَّن حزبٌ من الحصول على موقعٍ قيادي بمثل هذا الوضوح في الحياة السياسية السويسرية.

 

فحسب النتائج المُعلَنة حصل حزب الشعب على 29% من المقاعد، بينما حصل الحزب الاشتراكي على 19.5%، والحزب الراديكالي على 15.6%، وحزب الخضر على 9.6%، وقد بلغت نسبة المشاركة في التصويت 48،8% بزيادة 3.6 نقاط مقارنةً بعام 2003.

 

 الصورة غير متاحة

نيكولا ساركوزي

 وفي فرنسا نجح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في أن يحصل على 53.2% من جملة الأصوات، في مقابل حصول منافسته سيكولين رويال على 46.8%، وقد كانت أهم النقاط الملفتة في برنامج ساركوزي الانتخابي تلك المتعلقة بملف الهجرة، والتي تعتمد على مبدأ استقدام مهاجرين وفق حاجات سوق العمل الفرنسية، والتركيز بشكلٍ خاصٍ على الموارد البشرية ذات الكفاءات العالية.

 

وقد أثار هذا حفيظةَ عددٍ من البلدان الإفريقية الفرانكفونية التي تعتمد اقتصادها على الصعيد المحلي بشكلٍ خاصٍّ على أموال التي يرسلها إليها مهاجروها، ومن هذه البلدان: مالي والسنغال، بل إن الرئيس السنغالي عبد الله واد احتجَّ بنفسه على سياسة "الهجرة الانتقائية"، واعتبرها محاولةً لحرمان البلدان النامية من ثرواتها البشرية التي تحتاج إليها في العملية التنموية الشاملة.

 

وفي الواقع لا يكتفي ساركوزي بذلك، بل يدعو كل دول الاتحاد الأوروبي إلى أن تتخذ إجراءاتٍ صارمةً وجماعيةً لمحاولة الحدِّ على الأقل من موجات الهجرة غير الشرعية التي يقصد أصحابُها أوروبا الغربية، وفي الواقع مثَّل انتخاب ساركوزي ضربةً للمصالح العربية؛ إذ يُعتبر ساركوزي من أكبر مؤيدي الكيان الصهيوني في أوروبا والعالم؛ وذلك بسبب أصوله اليهودية القديمة، ولذلك لم يكن مستغرَبًا وقوفُه إلى جانب الكيان الصهيوني في العديد من المواقف، وإعلان دعمه الصريح لها، إلى جانب دعمه الكبير للرئيس الأمريكي بوش، خاصةً في سياساته الرامية لحصار إيران، وتوجيه ضربةٍ عسكريةٍ إلى منشآتها النووية، ذلك الدعم الذي وصل لدرجة توتير العلاقات الفرنسية- الإيرانية، بعد تصريح ساركوزي الخاص بضرورة منع إيران من امتلاك أسلحةٍ نوويةٍ، والعمل سويًّا من أجل إحكام الحصار عليها.

 

وفي روسيا لم يختلف الأمر كثيرًا؛ إذ نجح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قيادة حزبه للنجاح في الانتخابات التشريعية الأخيرة؛ ليضمن بذلك بقاءه في الساحة السياسية الروسية، بل وتحكُّمه فيمن يخلفه في منصب الرئاسة، بل وقدرته على العودة مرةً ثانيةً في انتخابات 2011 ليحتلَّ منصب الرئيس إذا ما رغب في ذلك.

 

وفي باكستان استطاع مشرف- خاصةً بعد فرضه حالة الطوارئ في البلاد- في أن يضمن بقاءه في السلطة لفترةٍ غير محدودةٍ، بالرغم من محاولات الشعب الباكستاني الكثيرة للحيلولة دون حدوث ذلك؛ الأمر الذي يعني أن باكستان ستواجه العديد من المخاطر المستقبلية، والتي من شأنها أن تقضيَ على أمن واستقرار البلاد، ولعل اغتيال بي نظير بوتو خيرُ دليلٍ على ذلك.

 

ديمقراطية شافيز
 
 الصورة غير متاحة

هوجو شافيز

بالرغم من أن اقتراح شافيز الخاص بمطالبة مواطنيه بإعطائه الصلاحية للبقاء في السلطة لمددٍ غير معلومةٍ، يُعتبر ضربةً قاصمةً للديمقراطية، إلا أن قبول الرئيس شافيز بنتائج الاستفتاء وإعلانه خسارته عبر التليفزيون يمثِّل قمة الديمقراطية.

 

وقد جاءت خسارة شافيز للاستفتاء بهامشٍ ضئيلٍ جدًّا؛ حيث صوَّت 51% من بين أكثر من 9 ملايين ناخب توجَّهوا إلى صناديق الاقتراع الأحد، ضد التعديلات الدستورية، وقد وصف الرئيس الفنزويلي اليساري النظام الانتخابي في بلاده بأنه "الأكثر شفافيةً في العالم"، وأن أجهزة الاقتراع هي "الأحدث في العالم"، مضيفًا أن احترامه للنتيجة يُظهر أنه رجلٌ ديمقراطيٌّ بحق.

 

يُذكر أن الرئيس شافيز قد حصل في انتخابات عام 2000 على 56% من الأصوات التي تبلغ 3.8 ملايين ناخبٍ، بينما رفض الإطاحة به في استفتاء الأحد المنصرم حوالي 5 ملايين ناخب.

 

حلفاء بوش يتساقطون
 
 الصورة غير متاحة

سيلفيو بيرلسكوني

ومن أهم أحدث عام 2007 اللافتة استمرار ملاحقة لعنة غزو العراق العديدَ من زعماء العالم الذين تحالفوا مع الرئيس بوش، والذين بدأوا في التساقط واحدًا تلو الآخر؛ ليدفعوا ثمن اندفاعهم وتحالفهم مع بوش وتحديهم لشعوبهم ومصالحها، فبعد سقوط رئيس الوزراء الإسباني خوسيه ماريا أزنار في عام 2004، ثم رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلسكوني في عام 2006، ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير 2007، وهزيمة رئيس الوزراء البولندي كاتسشنيكي في شهر أكتوبر الماضي، جاءت الهزيمة الثقيلة لرئيس الوزراء الأسترالي جون هوارد أمام زعيم حزب العمال كيفن رود؛ ليضيف حلقةً جديدةً في مسلسل تهاوي حلفاء بوش في العراق وفي حربه على الإرهاب.

 

وبرغم أن وسائل الإعلام الغربية والأمريكية حاولت تبرير هزيمة هوارد بميل الناخبين إلى التجديد والعصرنة والقضايا الداخلية، مثل التأمين الصحي والنظام التعليمي المترهِّل؛ وذلك في محاولةٍ للتقليل من أثر تورُّط هوارد في العراق، إلا أن التحالف الواضح بين جون هوارد والرئيس بوش في الحرب على الإرهاب وفي العراق كان عاملاً حاسمًا في تلك الهزيمة.

 

مكاسب المقاومة العراقية
 
 الصورة غير متاحة

 المقاومة العراقية تكبد الاحتلال الأمريكي خسائر فادحة

وبالإضافة إلى سقوط حلفاء بوش الأوروبيين، فقد أدَّت ضرباتُ المقاومة القاصمة في العراق إلى هزيمة الحزب الجمهوري وخسارته أمام الديمقراطيين في انتخابات الكونجرس، فضلاً عن سقوط مقرَّبيه من مُنظِّري الحرب من غربان الإدارة الأمريكية، ابتداءً بـ"دوجلاس فيث"، و"سكوت ليبي"، و"ريتشارد بيرل"، و"دونالد رامسفيلد"، و"جون بولتون"، و"بول وولفويتز"، و"بورتر جروس" (مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية)، الذي كان من أهم المشاركين في بلوَرةِ الحرب على العراق، و"سكوت ماكليلان" (المتحدث باسم الرئيس الأمريكي والناطق باسم البيت الأبيض)، و"ألبرتو جونزالس" (حاكم ولاية تكساس سابقًا، ووزير العدل في الحكومة الأمريكية، والمستشار القانوني للبيت الأبيض)، و"كارل روف" (عقل بوش المدبِّر، وأحد أهم المخططين الإستراتيجيين لإدارته، وأقوى مستشارٍ للرئيس للشئون السياسية في تاريخ الولايات المتحدة)، و"دان بارليت" (مستشار البيت الأبيض)، و"جيدي كراوتش" (نائب مستشار الأمن القومي)، و"روب بورتمان" (مدير ميزانية البيت الأبيض)، و"هارييت مايرز" (كبير محاميِّ البيت الأبيض)، و"سارة تيلور" (المدير السياسي بالبيت الأبيض، والمسئولة عن تحسين صورة أمريكا)، وغيرهم ممن لا يتسع المقام لذكرهم.

 

مؤتمرات مشبوهة

وفي محاولةٍ من الإدارة الأمريكية لتخفيف العبء عن كاهل قواتها في العراق، عمدت إلى عقد العديد من المؤتمرات، كان آخرها عقد مؤتمرَيْ شرم الشيخ: "العهد الدولي"، و"دول الجوار"، والذي هدفت من ورائه الإدارة الأمريكية إلى تخفيف العبء عن القوات الأمريكية في العراق، عبر السعي لإقناع أطرافٍ فاعلةٍ أو مؤثرةٍ ومحرِّكةٍ في أزمة العراق، بالعمل على تبريد الأزمة نسبيًّا؛ لتسهيل مهمةِ خروج القوات الأمريكية في نهاية المطاف؛ فقد كشفت نتائج المؤتمرين عن إفلاسٍ شديد لإدارة بوش، وضعفٍ واضحٍ بلغ مداه حدَّ تعمُّد وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي عدم لقاء وزيرة الخارجية الأمريكية، رغم ترحيب رايس المعلن.

 

فمؤتمرا شرم الشيخ- شأنهما شأن 16 مؤتمرًا سابقًا- لم يخرجا بنتائج ذات أهميةٍ على أرض الواقع أو نتائج حاسمةٍ؛ إذ اقتصر الأمر على حفنة توصياتٍ لا جديد فيها، سبق تكرارها في المؤتمرات السابقة، وآخرها مؤتمر تركيا، ولا يوجد ما يضمن تنفيذها.

 

أما القضية الأساسية، وهي الاحتلال الأمريكي، فعلى الرغم من أنها لم تناقَش، فقد حدث واقعيًّا نوعٌ من التراجع الأمريكي المُخزِي هذه المرة أمام قوتَيْ "محور الشر": سوريا وإيران، فتوصيات مؤتمرَيْ "العهد الدولي" و"دول الجوار" لم تخرج عن التوصيات المعتادة حول "سيادة" العراق على أرضه، وحرص دول العالم على "وحدة العراق"، والتزامات العراق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان وغيرها، وبقيت هذه التوصيات حبْرًا على ورق؛ لأن ما يجري على أرض الواقع يختلف عما جرى في أروقة المؤتمر من كلماتٍ طيبةٍ، كما أن القوى المحلية (السنة تحديدًا) والإقليمية المؤثرة (سوريا وإيران) ظلَّتا بعيدتَين عن الخطط التي تجري داخل العراق، فضلاً عن أن المشكلة الرئيسية- وهي "الاحتلال الأمريكي"- لم يجرِ التطرق إليها رغم الإلحاح الإيراني عليها.

 

وربما لهذا كان من الطبيعي أن ينتقد سنة العراق- على سبيل المثال- وثيقة "العهد الدولي العراقي"، وأن تطالب "جبهةُ التوافق العراقية السنية" حكومةَ المالكي ذات الأغلبية الشيعية بـ"عهدٍ وطنيٍّ" يسبق العهد الدولي الذي أقرَّه مؤتمر شرم الشيخ في 3 مايو 2007م، خصوصًا أن التمييز بين العراقيين والفصل بين أحياء السنة والشيعة بجدران عازلة على غرار الاحتلال "الإسرائيلي" قائمٌ على قدمٍ وساق، كما أن الميليشيات المسلَّحة التي تقتل على أساس المذهب، وتخترق أجهزة الشرطة والجيش، ما تزال تعمل بحرية.

 

شهادة إبراء الذمة
 
 الصورة غير متاحة

جورج بوش

في خطوةٍ غير مسبوقةٍ في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، قدَّم تقرير وكالة الاستخبارات الأمريكية لإيران شهادة إبراء ذمة فيما يتعلق ببرنامجها النووي، واعترافه بأن الجمهورية الإسلامية أوقفت برنامجها للتسلح النووي منذ العام ٢٠٠٣.

 

وقد اعتبر المراقبون التقرير بمثابة فضيحةٍ للرئيس الأمريكي جورج بوش، إلا أنهم وفي الوقت نفسه قد أشاروا إلى أن ذلك ليس معناه أن بوش في أيامه الأخيرة لن يتخلَّى عن سياسة التشدد تجاهها، خاصةً أنه قد أصيب بالدوار السياسي، ويشعر حاليًّا- ومعه الصقور- بأنهم في مأزقٍ حقيقيٍّ، ويخططون للخروج منه ولو بإشعال حربٍ أخرى في المنطقة ضد إيران تتنافى ولغة المنطق والعقل؛ لأنهم لم يلقوا بالاً لأي منطقٍ أو ينصتوا لأي عقلٍ في حربهم على العراق.

 

أحداث هامة
 
 الصورة غير متاحة

بوش وعباس وأولمرت خلال مؤتمر أنابوليس

يعتبر العام الحالي على الصعيد العربي من أسوأ الأعوام؛ حيث شهدت منطقتُنا العربية العديدَ من الأحداث الهامة، سواءٌ على المستويات الداخلية أو الخارجية؛ ففي فلسطين قامت حركة المقاومة حماس- خاصةً بعد اشتداد التهديدات الداخلية والخارجية بإقصائها عن الساحة بعد تجريد مقاوميها من أسلحتهم وفك منظماتها الداخلية- بالسيطرة على قطاع غزة؛ الأمر الذي دفع الكيان الصهيوني لأن يُحكِمَ حصاره على القطاع، وتثير داخله بمعاونة السلطة الفلسطينية العديدَ من الأزمات؛ من أجل دفع الحركة لفكِّ سيطرتها على القطاع وسط فشل جميع الوساطات العربية الساعية للَمِّ الشمل الفلسطيني، عن طريق إعادة فتح وحماس لطاولة الحوار مرةً ثانية.

 

ولقد وصل الأمر لدرجة دعوة الرئيس الأمريكي بوش لعقد مؤتمر دولي في مدينة أنابوليس الأمريكية؛ من أجل التوصل لتسويةٍ شاملةٍ بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني، وإن كان الواضح أن الهدف من المؤتمر هو القضاء على حركة المقاومة الفلسطينية حماس وغيرها من فصائل المقاومة، دون أية التزاماتٍ مسبقةٍ من قِبَل الكيان الصهيوني تجاه الشعب الفلسطيني، وهو ما كان له أثره في إفشال المؤتمر، بعد أن ثبت للجميع فشل الإدارة الأمريكية وعجزها عن إلزام الكيان الصهيوني بتنفيذ ما هو مطلوبٌ منها.

 

لبنان المختلفة

 الصورة غير متاحة

 الموالاة والمعارضة في لبنان إلى أين؟!

وفي لبنان لا يختلف الأمر كثيرًا؛ فالاختلافات ما بين الموالاة والمعارضة قد وصلت- بسبب الاختلاف حول من يتولَّى منصب الرئاسة- إلى درجةٍ يُخشَى معها من دخول البلاد في حربٍ أهليةٍ على غرار تلك التي حدثت في الماضي؛ حيث إنه من الواضح أن كل طرفٍ يريد تطبيق رؤاه الخاصة، حتى ولو كان ذلك على حساب الصالح اللبناني العام.

 

وكما هو معروفٌ هناك عناصر كثيرة متداخلة في الوضع اللبناني، بعضها داخلي والكثير منها خارجي؛ ففي الوقت الذي تقف فيه سوريا وإيران مع حزب الله وفريق المعارضة، تقف الدول العربية والمجتمع الدولي وعلى رأسها الولايات المتحدة مع فريق الموالاة، وبين هذا وذاك يظل الشعب اللبناني أسير كل تلك التجاذبات.

 

السودان يقاوم التقسيم

 الصورة غير متاحة

السودانيون يحرقون العلم الأمريكي تعبيرًا عن رفضهم التدخل في دارفور

ما يحدث في لبنان لا يختلف كثيرًا عما يحدث في السودان، وإن كان الوضع في السودان مختلفًا شيئًا ما؛ حيث يبدو الدور الخارجي- خاصةً من قِبَل الإدارة الأمريكية- واضحًا في العراق؛ إذ تسعي الإدارة الأمريكية الحالية لبسط نفوذها على السودان، شمالاً وجنوبًا.. شرقًا وغربًا؛ وذلك في محاولةٍ منها للهيمنة على حقول النفط المتواجدة هناك، ومنع الدول المنافسة- وخاصةً الصين التي تملك نصيب الأسد في الاستثمارات النفطية في السودان- من امتلاك زمام الأمور هناك.

 

وفي سبيل ذلك تعمل الولايات المتحدة على إثارة القلاقل، وبث نار الفرقة في العديد من أقاليم السودان، خاصةً إقليم دارفور الذي شهد توتراتٍ كثيرةً في الفترة الماضية، بل واتهام الحكومة السودانية بأنها المسئولة عما يحدث هناك من مجازرَ وأزماتٍ؛ وذلك كله في ظل غيابٍ عربيٍّ ملحوظٍ عما يحدث في السودان، بالرغم من تأثير ذلك السلبي على الأمن القومي العربي عامةً والمصري خاصةً.

 

معاناة عراقية
 
 الصورة غير متاحة
 

وفي العراق لم يختلف الأمر كثيرًا، خاصةً بعد قرار مجلس الشيوخ الأمريكي الخاص بتقسيم العراق، والذي أنهى الجدل الطويل الدائر حول رغبة الإدارة الأمريكية في تقسيم العراق؛ من أجل إحكام سيطرتها عليه؛ إذ حرصت الإدارة الأمريكية منذ احتلالها للعراق على نفي وجود مخططٍ مسبقٍ لتقسيم العراق؛ وذلك من أجل طمأنة الدول العربية المتخوفة من تكرار ما حدث في العراق معها، والحصول على دعمها الكامل في تحقيق الأمن والاستقرار في العراق، إلا أنه- وبعد أن صارت الأمور لا تحتمل المواربة- تم الإعلان صراحةً عن مخططِ التقسيم؛ ليتأكد بذلك ما سبق وقاله الرئيس العراقي السابق صدام حسين من أن الولايات المتحدة الأمريكية إنما جاءت لتقسيم العراق، وتحويله إلى فرقٍ متنافرةٍ، يقتل بعضها بعضًا، والخطورة في هذا مثلما يؤكِّد الخبراء والمحلِّلون تكمن في كون ذلك بدايةً لتقسيم المنطقة برمَّتها وليس العراق فحسب.

 

نخلُص من ذلك إلى أن عام 2007 كان مليئًا بالأحداث الهامة والمؤثرة في مسيرة المجتمع الدولي، إن كان الواضح أن الأوضاع في منطقتنا العربية مقبُلةٌ على منعطف خطير في ظل حالات الانقسام الداخلية الشديدة، والمحاولات الخارجية لإذكاء نار الفتنة، والسعي الدءوب لشرذمة الدول العربية؛ حتى يَسهُل لها السيطرة عليها، فإما أن تعيَ الدول العربية مخاطر المخططات الغربية الموضوعة لها، وتعمل جاهدةً على تفاديها، وإما سيقع ما نحذر منه منذ فترةٍ طويلةٍ.

 

وما يحدث في لبنان والسودان وما يحاك ضد سورية وإيران وغيرهما من الدول العربية، لَهُوَ خيرُ دليلٍ على خطورة ما يحدث، خاصةً أن ما نراه في منطقتنا العربية لا نجدُ له مثيلاً في العديد من دول العالم الأخرى البعيدة عنا، سواءٌ الغربية أو الآسيوية؛ حيث إنه من الواضح أن تلك الدول قد بدأت تُعلِي من مصالح شعوبها فوق أية اعتباراتٍ أخرى.. فهل نتعلم الدرس؟!!