يبدو أن شبح الحرب البوسنية يخيم على إقليم كوسوفا ذي الأغلبية المسلمة, ولن ينسى المجتمع الدولي ما حدث لمسلمي البوسنة في الحرب التي شنَّها الصرب ضد مسلمي البوسنة، وما حدث من انتهاكات وتجاوزات فاقت كل التوقعات والحدود, دون أي سبب إلا أنهم قالوا "نعم للاستقلال عن يوغسلافيا" في مطلع عام 1992م, فكانت الحرب التي ما زالت جرائمها عالقةً في الأذهان.

 

إن مسلمي البوسنة لم يكونوا يدركون أن موافقتهم على الاستقلال ستكون سببًا في كل ما حدث لهم من قتلٍ وتشريدٍ، واعتقالٍ واغتصابٍ للأرض والعرض, حتى إن المراقبين أنفسهم لم يتوقعوا مثل هذه النتائج؛ فقد سقط 200 ألف شهيد، وتم تشريد أكثر من مليون بوسني، وتم اعتقال مئات الآلاف في المعتقلات الصربية، وتم اغتصاب 50 ألف امرأة بوسنية.

 

البوسنيون حينما صوَّتوا لصالح الاستقلال ظنوا أن الأمر سيكون عاديًّا معهم مثلما حدث في سلوفينيا, أو حتى في كرواتيا على أسوأ الاحتمالات, علي عزت بيجوفيتش- أول رئيس للبوسنة والهرسك، ورئيس حزب العمل الديمقراطي الذي فاز في الانتخابات التي أجريت في مطلع 1992م- لم يكن يدور بخلده أن تحدث كل هذه الجرائم ضد شعبه الأعزل.

 

الأرقام والإحصاءات المفزعة التي حدثت في البوسنة والهرسك يمكن أن تتكرر في هذه الأيام في كوسوفا أو ربما قريبًا منها؛ ففي الانتخابات البرلمانية والمحلية الأخيرة التي جرت في كوسوفا في 17 نوفمبر الماضي تم التصويت أيضًا على الاستقلال عن صربيا, وجاءت نتيجة التصويت مفزعةً؛ حيث صوَّت للاستقلال حوالي 90%؛ مما ينذر بالخطر.

 

مواطنو كوسوفا لن يرضوا بغير الاستقلال بديلاً بعد الوعود الدولية لهم وبخاصةٍ من الولايات المتحدة, وأيضًا جيش تحرير كوسوفا تخلَّى عن حرب التحرير وانخرط في العمل السياسي على أمل أن تتحقق الوعود الدولية التي وعدتهم بتفكيك جيش تحرير كوسوفا والوصول إلى السلطة عن طريق صندوق الانتخاب، والإعلان عن استقلال كوسوفا بعد ذلك.

 

وهو ما حدث بالفعل؛ حيث استطاع هاشم تقي- نائب رئيس جيش تحرير كوسوفا- أن يخوض الانتخابات الأخيرة ويفوز فيها حزبه باكتساح, وهو المرشح الأبرز لمنصب رئيس الوزراء.

 

ورطة صربية

 الصورة غير متاحة

الآلاف قُتلوا في عمليات التطهير العرقي في كوسوفا

والصرب لا يقبَلون بأي حالٍ من الأحوال أن يستقل إقليم كوسوفا مقابل أي شيء, كل ما وعد به الصرب كان حكمًا ذاتيًّا للإقليم وليس أكثر من ذلك, ومع المحاولات الأوروبية والوعود أيضًا بالتخلي عن كوسوفا مقابل الدخول في الاتحاد الأوروبي, إلا أن الصرب يرفضون كل هذه الإغراءات وغيرها.

 

بل إن صربيا هددت بإعادة نشر قواتها في كوسوفا مرةً أخرى؛ بحجة أن هذا تطبيقٌ لقرار مجلس الأمن رقم 1744, ولم يستبعد الصرب الحلَّ العسكري؛ لمنع الدول الغربية من الاعتراف بكوسوفا في حال استقلالها.

 

وصربيا مطمئنةٌ تمامًا لموقف روسيا الرافض لاستقلال كوسوفا، وهذا يعنى أن مجلس الأمن لن يصوَّت أبدًا لصالح استقلال كوسوفا, بل إن روسيا حذَّرت من اتخاذ قرار استقلال كوسوفا بعيدًا عن مجلس الأمن؛ لأن هذا القرار ستكون عواقبه وخيمةً.

 

الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون تراجع هو الآخر عن تصريحاته المؤيِّدة لاستقلال الإقليم، وحينما سُئل مؤخرًا عن موقفه من استقلال كوسوفا قال إن الأمر يحتاج إلى المزيد من الوقت لاتخاذ القرار.

 

مخاوف دولية

وهناك أيضًا مخاوفُ دولية من التباطؤ في اتخاذ قرارٍ بشأن استقلال إقليم كوسوفا؛ فهناك 16 ألف جندي من قوات حلف الناتو داخل كوسوفا منذ 1999م, ويمكن أن تحدث اضطرابات في أي وقتٍ من ألبان كوسوفا إذا تأخَّر إعلان الاستقلال, والصرب لن يسمحوا بالاستقلال؛ لذلك فيمكن أن تحدث مصادماتٌ داخل الإقليم في أي وقت.

 

والولايات المتحدة تدرك تمامًا كل هذه الأبعاد والملابسات، وتعي تمامًا النتائج التي يمكن أن تترتب على تأخر إعلان الاستقلال, وروسيا متحفزة وتقف بكل جوارحها مع صربيا في معركتها مع المجتمع الدولي, وهناك دول أوروبية تخشى من استقلال كوسوفا؛ لذلك فالأيام المقبلة ستشهد المزيد من التوتر السياسي في المجتمع الدولي، وأيضًا بين الصرب وأهالي كوسوفا الألبان المتحفزين لاستقلال الإقليم.