في ظاهرة هي الأولى من نوعها في تاريخ أمريكا يستضيف البيت الأبيض للمرة الأولى زعيمين تركيين خلال شهرين، في إشارةٍ منه لإثبات مدى الأهمية التي توليها لتركيا التي يحكمها حزب العدالة والتنمية ذي الميول "الإسلامية" المعتدلة، خاصةً في هذه المرحلة التاريخية بالنسبة للولايات المتحدة في حربها ضد التطرف.
فبعد لقائه رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان في نوفمبر الماضي، يستضيف الرئيس جورج بوش هذه المرة نظيره التركي عبد الله جول، قبل ساعات قليلة من جولته في الشرق الأوسط، التي ستشمل مصر والسعودية والبحرين والكويت والإمارات وتل أبيب وفلسطين.
وكان جول قد التقى زعماء هذه الدول خلال العام 2007، كما زار الشهر الماضي باكستان وتركمانستان وأذربيجان وكازاخستان، وهي الدول الأخرى التي توليها واشنطن أهمية خاصة في حساباتها الإستراتيجية سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا.
مشروعات متبادلة
يرافق جول وزير الطاقة حلمي جولار الذي يبحث مع المسئولين الأمريكيين مشاريع الطاقة النفطية والنووية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والقوقاز؛ حيث سيشرح للرئيس بوش نتائج مباحثاته واتصالاته مع زعماء المنطقة، بعد أن أعلن قبل أيام أن أنقرة مستعدة لمساعدة أمريكا في العراق وأفغانستان، وبقية المناطق التي لتركيا فيها تأثير مباشر وغير مباشر، وأعرب جول عن أمله في أن تسهم مباحثاته مع بوش في دعم الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة، فضلاً عن دعم علاقات التحالف الإستراتيجي بين البلدين.
لكن مصادر دبلوماسية ترى أن تحقيق مثل هذه الأهداف يحتاج إلى اعتبارات وتكاليف؛ فواشنطن تطالب أنقرة بالمزيد من الدعم لمشاريعها وخططها الخاصة في العراق وفلسطين ولبنان وسوريا وإيران وأفغانستان، خاصةً في هذه المرحلة التي يخطط فيها بوش لحملة جديدة ضد إيران النووية وحليفتها سوريا على جميع الجبهات الصهيونية واللبنانية والعراقية، فيما تحتفظ أنقرة بعلاقات مميزة ذات طابع إستراتيجي للمستقبل مع الرئيس السوري بشار الأسد، الذي سبق له أن خوَّل المسئولين الأتراك صلاحية الحديث باسمه مع تل أبيب وواشنطن في موضوع السلام.
مصالح تركية
![]() |
|
بوش خلال لقائه مع أردوغان في البيت الأبيض |
وتأمل أنقرة أن تساعد علاقاتها الإيجابية مع واشنطن في الحرب عسكريًّا وسياسيًّا ونفسيًّا ضد حزب العمال الكردستاني التركي المحظور، وأن تمنع أكراد العراق من تحقيق حلمهم بإقامة كيان مستقل يستفز المشاعر القومية لأتراك تركيا، ويؤدي في نهاية المطاف إلى تقسيم العراق، بكل انعكاسات ذلك على مستقبل المنطقة وتركيا بشكل خاص.
دعم أمريكي
كما ترى أنقرة في الدعم الأمريكي ضمانة إستراتيجية للوضع الاقتصادي المستقر بتدفق رءوس الأموال الأجنبية إلى تركيا، على الرغم من ديونها المتراكمة التي وصلت إلى 400 مليار دولار، كما تعي أنقرة جيدًا أنه لولا الدعم الأمريكي لما تحقق لها النجاح في مد أنابيب البترول والغاز الأذربيجاني، ولاحقًا الكازاخستاني والتركمانستاني إلى تركيا التي تستقبل البترول العراقي والغاز الروسي أيضًا.
وترى حكومة العدالة والتنمية في استمرار الدعم السياسي والنفسي الأمريكي لها ضمانة مهمة لاستمرار بقائها في السلطة دون مشاكل، حيث كان هذا الدعم، على الأقل حتى الآن، كافيًا لتهدئة جنرالات الجيش الذين لم يعد يسمع أحد منهم أي شيء عن خطورة هذه الحكومة وحزب العدالة والتنمية على النظام الديمقراطي العلماني، ويتحدث الكثيرون عن دعم واشنطن له ليكتسب طابعًا إسلاميًّا معتدلاً يمكن الاستفادة منه في المستقبل.
مصالح مشتركة
في حين ترى أمريكا أن تركيا ترعى مصالح واشنطن في آسيا الوسطى والقوقاز وبخاصة النفط والغاز، كما أن لتركيا دورًا مهمًّا في منطقة الشرق الأوسط وفي العراق بصفة خاصة، وترى أمريكا أيضًا في النموذج الإسلامي التركي المتقارب مع الصهاينة والمتفهم لأبجديات السياسة العالمية الجديدة مكسبًا لها وفي التعاطي مع قضايا المنطقة من وجهة النظر الأمريكية، ودون إلحاق الضرر بالمصالح التركية.
وفي النهاية فهذه الأبجديات التي ستتعاطى معها أنقرة في التعاون مع أمريكا طالما أن واشنطن مقتنعة بالتجربة الإسلامية التركية، وتُروِّج لها في بعض الأحيان على أنها النموذج الإسلامي الأولى بالتطبيق في المنطقة، ولما لا وبخاصة أن قادة تركيا لا يرون غضاضةً في التعاون مع الصهاينة في بعض الأمور، وأيضًا يرى ساسة أنقرة أن تحالفهم مع واشنطن أفادهم كثيرًا، وبخاصة في المسألة الكردية من جهة، والأهم أنه جعل العسكر في تركيا يتراجعون عن فكرة إقصاء أردوغان ورفاقه، طالما أن العم سام يستخدمهم لمصالحه في آسيا الوسطى والقوقاز وأحيانًا في الشرق الأوسط.
