مجرم حرب، بل مجرم سلام أيضًا، هذا أقل ما يمكن أن يُقال عن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية عبر الدورتين السابقتين، فلم تكن جرائم بوش ضد كيانٍ معينٍ أو ضد هدفٍ بعينه ولكنه كان كالجراد إذا وقع على شيء التهمه، فمنذ أن تولى الرئيس بوش الرئاسة في 2001 وتعامل بكل عنفٍ مع كل ما يخالف الولايات المتحدة في العالم فرأى في أفغانستان، والعراق، وفلسطين، والسودان، وسوريا، وليبيا، وغيرها من البلاد الكثير التي لاقت الأمرَّين من سياسة بوش الخارجية الخطر الحقيقي فيما يُسميه هو وإدارته الإرهاب.

 

فهو يرى أن أي مقاومة ضد الاحتلال خصوصًا إن كان هذا الاحتلال أمريكيًّا أو صهيونيًّا فهو إرهاب لا يمكن أن يتركه دون القضاء عليه، بدأها بضرب أفغانستان تلتها العراق تلاهما تهديدات لليبيا وسوريا والسودان، وأخيرًا تهديدات لإيران، وتهديدات لمصر بقطع المعونة.

 

ففي أفغانستان والتي بدأ بها بوش حربه على الإرهاب- على حد قوله- بعد تعرض الولايات المتحدة الأمريكية لهجوم ضد برجي التجارة العالمية عام 2001، فقد تعرضت أفغانستان لهجوم أمريكي بالطائرات، وصواريخ كروز وتوما هوك استهدف بشكل خاص العاصمة كابل وقندهار، وجلال آباد وهرات، لم تفرق فيه بين مدني وعسكري بين طالبني أو قاعدي، فقد ضربت كل ما وجدته أمامها، وغرقت العاصمة كابل، ومعظم المدن الأفغانية في ظلامٍ دامس، وفي أقل من أسبوع من الهجمات وصل عدد القتلى من الجانب الأفغاني إلى 550 شهيدًا بينهم أطفال ونساء وشيوخ، في الوقت الذي أعلنت فيه باكستان بضغط من الجانب الأمريكي عدم استقبالها لاجئين أفغان لتسهيل عملية قضاء بوش على أفغانستان، في الوقت الذي انعدم فيه وصول المعونات المادية، والعلاجية إلى الأراضي الأفغانية بسبب رفض توصيلها بضغوط من الجانب الأمريكي أيضًا، حتى وصلت إلى ترك جثث الشهداء في شوارع أفغانستان بالأيام لعدم وجود وسيلة لانتشالها ودفنها، حتى استطاعت الولايات المتحدة بصواريخها احتلال أفغانستان على أرواح ما يقارب من 8337 حتى عام 2004م حسب الإحصائيات الأمريكية، ولكن يتوقع أن يكون العدد مضاعفًا ليصل إلى ما يقرب من 15 ألف شهيد خلال الحرب الأمريكية على أفغانستان، ويذكر أن آخر التقارير الصادرة أن عدد القتلى من الأفغان خلال السنة السابقة وصل إلى ما يزيد على 3000 شهيد، أي أن عدد القتلى من الأفغان خلال الحرب كلها قد يتعدى الـ22 ألف شهيد.

 

أما الصورة الاقتصادية في أفغانستان فلا تقل فظاعةً؛ حيث أشار تقرير صادر عن البنك الدولي تحت عنوان "رؤية شاملة لأفغانستان في العام 2006م" إلى أن غالبية الأفغان الذين يقدّرون بـ30 مليون نسمة، يعيشون في ظروف حياتية صعبة، إذ يحصل 13 في المائة فقط على مياه آمنة، و12 في المائة يحصلون على رعاية صحية ملائمة، فيما يحصل 6 في المائة فقط على الكهرباء. أما نسبة البطالة فتُقدَّر بـ40 في المائة.

 

المشهد العراقي

المشهد في العراق لم يختلف كثيرًا بل وصل إلى مدى أكبر، فبعد أن وجدت الولايات المتحدة الأمريكية مبررًا لدخول العراق بزعم أنها تقوم بعمل مفاعلات نووية في عام 2003م، فقد بدأت العمليات العسكرية على العراق في مارس من 2003م اعتمد فيها قيادات الجيش الأمريكي على عنصر المفاجأة، فكان التوقع السائد هو أن تسبق الحملة البرية حملة جوية كما هي أمريكا في كل حروبها، ولكن كان عنصر المفاجأة هنا هو البدء بالحملتين في آنٍ واحدٍ وبصورة سريعة جدًّا.

 

وتم تقدير عدد القتلى من المدنيين العراقيين الذين ثبتت وفاتهم بوثائق شهادة الوفاة هو نحو 32 ألفًا، أما أولئك الذين قضوا دون وثائق شهادة الوفاة فيتراوح عددهم ما بين 140 ألفًا و194 ألفًا حسب موقع ويكيبيديا حتى نهاية عام 2006، ويتوقع أن يصل عدد القتلى في الحرب الأمريكية على العراق في العام الماضي قرابة الـ10 آلاف شهيد، ليصل العدد الإجمالي إلى ما يزيد على 250 ألف عراقي خلال الأربعة أعوام السابقة.

 

جرائم متصلة

تسببت حربَا بوش في أفغانستان والعراق خلال نحو 6 سنوات، في مقتل 313622 شخصًا، ما بين أفغان وعراقيين وأمريكيين وغيرهم من جنود التحالف، أي ما يوازي 105 أضعاف لعدد القتلى 2973 شخصًا في برجي التجارة العالمي عام 2001م.

 

لم تنتهِ جرائم بوش عند الحروب على ما يُسميها الإرهاب فقط، بل وصلت إلى التعذيب في أكبر سجونه؛ ومعتقل جوانتانامو يشهد على جريمة لبوش في فترة ولايته، فعلى الرغم من قلة حيلة سجناء هذا السجن، ولكن إدارة السجن تتعامل معهم بتعليمات عليا من الرئيس بوش على النحو التالي حسب ما ذكره تقرير مركز الحقوق الدستورية في مارس الماضي، فقد ذكر التقرير أن الأغلبية العظمى للسجناء بريئون من أي جرم ولا ينقصهم إلا أن يثبتوا ذلك في محكمة عادلة، وقد دفعت أساليب التعذيب في السجن إلى إضراب السجناء عن الطعام.

 

كما أعلن بوش منذ بداية توليه الرئاسة الأمريكية دعمه الكامل للكيان الصهيوني وقيام دولة يهودية صهيونية على الأراضي الفلسطينية، ودعم اليهود ماديًّا وعسكريًّا، والوقوف ضد أي تصريح ضد اليهود، وأنه كان شديد التطرف في انحيازه للكيان الصهيوني منذ اللحظة الأولى لتسلمه السلطة عقب فوزه في انتخابات 2000 حتى صار التحالف أشبه بالدعم الديني أكثر منه سياسيًّا، ولم يتغير هذا الموقف حتى الآن، أما بالنسبة إلى رؤيته لحل الدولتين التي طرحها منذ العام 2002م، لم تكن في واقع الأمر سوى حلقة في عملية إدارة محددة واضحة المعالم للصراع العربي- "الإسرائيلي" تستهدف الالتفاف حول قوى المقاومة بكل أشكالها، وإعادة صياغة، وبناء التحالفات في المنطقة.

 

لم تنتهِ فقط جرائم جورج بوش عند شنِّ الحروب، والتعذيب في السجون بل تعدت لتصل إلى التدخل السافر في الشئون الداخلية للدول، وتهديد بعضها مثل التدخل في الشئون السورية، والمصرية، والسودانية، والليبية، والصومالية، واللبنانية.