- مقتل بي نظير يزيد مشكلات الرئيس مشرف وحكومته
- خبراء: إبعاد مشرف ينقذ باكستان من مخطط غربي لتفكيكها
كانتا رصاصتين فقط أطلقهما قناصٌ ماهرٌ بالقرب من موكب بي نظير بوتو- رئيسة حزب الشعب الباكستاني (أكبر حزب معارض في البلاد)- أعقبهما تفجير انتحاري، ولكنهما كانتا كافيتَين لإنهاء الحياة السياسية المثيرة للجدل لأول امرأة مسلمةٍ تحكم بلدًا مسلمًا، وإثارة الخوف من اقتراب مخطط لتفكيك باكستان عبر الفوضى الهدَّامة.
ومع أن الهجوم على موكبها يوم 27 ديسمبر 2007م في مدينة روالبندي أخذ طابعًا شبيهًا بهجمات القاعدة في العراق وباكستان، فهو قد أخذ في الوقت نفسه طابعًا محليًّا يتقنه رجال المخابرات، وهو استخدام القناصة في قتل خصومهم والوصول إلى أهدافهم مباشرةً.
المثير أن ساحة التجمع التي قُتلت فيها زعيمة حزب الشعب هي نفسها الساحة التي قُتل فيها أول رئيس حكومة باكستاني، وهو السيد لياقت خان في عام 1951م، فضلاً عن أنها المحاولة رقم 19 في تاريخ الاغتيالات السياسية في البلاد.
أما الآثار السياسية لحادث الاغتيال، فيكاد يجمع المعلِّقون السياسيون في إسلام آباد على أنه سيشكِّل تحديًا للحكومة التي أصبحت في موقف المُدان، فضلاً عن أن الحادث يتوقَّع أن يزيد مشكلات الرئيس مشرف أضعاف ما هي عليها اليوم، خصوصًا لو تأكَّد سيناريو ضلوع الجنرال مشرف في قتل زعيمة حزب الشعب المقربة من أمريكا والغرب؛ إذ سيؤدي ذلك إلى تحرُّك المجتمع الدولي بشكلٍ غير سارٍّ للرئيس مشرف، وقد تُفرض عقوباتٌ على باكستان.
عملية تفكيك باكستان!!
ويربط الباكستانيون وزعماء الأحزاب السياسية بين اغتيال بوتو وما يسمُّونه مخططًا لتفكيك باكستان عبر أصحاب المصالح الذين يفعلون أي شيء للحفاظ على مصالحهم، ويطرحون هنا نظريتين تفسران الاغتيالات واستمرار عملية تفكيك باكستان.
![]() |
|
قاضي حسين |
وفي مقدمة هؤلاء زعيم الجماعة الإسلامية قاضي حسين، وأمير جمعية علماء إسلام مولانا فضل الرحمن، وزعيم حزب الرابطة راجا ظفر الحق، ورئيس الاستخبارات العسكرية السابق الجنرال حميد جلن؛ حيث يرون أن النظريتين هما:
الأولى: تقول إن الرئيس مشرف فقد السيطرة على أجهزة الأمن والمخابرات؛ الأمر الذي أدَّى إلى حدوث مثل هذه المأساة، وهو ما ستترتب عليه- من وجهة نظرهم- أخطارٌ تتعلق بتوجيه باكستان نحو الانهيار والتفكيك خطوةً خطوةً؛ جرَّاء انفلات الأوضاع من يد الرئيس مشرف، سواءٌ داخل الجيش أو داخل المخابرات، واحتمالات تحوُّل باكستان إلى دويلات صغيرة داخل دولة، منها: دولة المخابرات، ودولة النفعيين والوصوليين وأصحاب المصالح الذين لا يهمهم سوى مصالحهم، حتى ولو كان ذلك على حساب تفكيك دولة باكستان الإسلامية التي لم يمضِ على تأسيسها سوى 60 سنةً.
أما النظرية الثانية فتقول: إن الجنرال مشرف ما زال مسيطرًا على الأوضاع، وإنه قد يكون متورِّطًا في تصفية حساباته السابقة مع زعماء المعارضة، وإنه خشي من سيطرة زعيمة أكبر حزب معارض بي نظير بوتو على الحكم بعد كشف آخر الاستطلاعات عن أنها ستكون الفائزة الأولى، وبعد التأييد الذي باتت تتمتع به من قِبَل أمريكا والغرب وعددٍ من دول العالم، راح يتخلَّص منها بهذه الطريقة.
![]() |
|
بيريز مشرف |
ولكن التطورات اللاحقة- لو تأكَّد أنه كان ضالعًا بالفعل في قتلها- لن تكون لصالح مشرف، وقد يعطي هذا الضوء الأخضر للمجتمع الدولي لفرض إرادته على سيادة باكستان واستقلالها.
ومع تضارب تصريحات الحكومة التي أقرَّت بدايةً أن بوتو تم التخلص منها من قِبَل قناص، ثم تراجعت عن تلك الرواية، ثم مطالبتها الأطباء الذين أشرفوا على محاولة إنقاذها من الموت بالكف عن الحديث عن رصاصتين أصاباها بمطالبتهم بالقول "إن الانتحاري قتلها"، جعل الجميع يشكِّك في الرواية الحكومية، خصوصًا أن الحكومة قالت إنها تُوفِّيت بعد ارتطام رأسها بسقف السيارة، في حين قال أنصارها إنهم شاهدوا رصاصة في رأسها لحظة تكفينها.
مستقبل باكستان بعد اغتيال بوتو
ويرى المحللون في إسلام آباد أن الخطر من تفجير حربٍ أهليةٍ في باكستان أو انضمامها إلى كلٍّ من العراق وأفغانستان وتفككها إلى كيانات عرقية ودينية بات اليوم واردًا بكل قوة؛ لأن أنصار حزب الشعب- الذي هو أكبر قوة معارضة في باكستان اليوم- لن يميلوا للصمت على ما حدث لزعيمتهم؛ فلديهم مؤيدون داخل الجيش والمخابرات والإدارة والحكومة، وسبق لهم في الماضي استغلال هذا النفوذ في الانتقام لزعيمهم السابق (الرئيس الباكستاني في السبعينيات ذو الفقار علي بوتو الذي أعدمه الحاكم العسكري السابق الجنرال ضياء الحق)، فانتقم حزبه بشكلٍ أو بآخر بتفجير طائرة الجنرال ضياء وقتله.
ويقولون إن استهداف زعيمة هذا الحزب يريد من يقفون وراءه تفجيرَ حربٍ داخليةٍ بين الإسلاميين والعلمانيين وشرائح مختلفة من أبناء الوطن الواحد، وهو ما تأكَّد حينما راحت الحكومة- ومن دون تقصٍّ للحقائق- تتهم الإسلاميين المتشددين بالضلوع في قتلها؛ لإشعال نيران الغضب الداخلي، وإحداث الفتنة التي إن اشتعلت فسيكون من الصعب جدًّا إطفاؤها في بلد مثل باكستان تعيش على براكين عرقية ومناطقية ودينية.
![]() |
|
بي نظير بوتو |
وترى هذه الطائفة من الإعلاميين والخبراء والمحللين- تعليقًا على هذه الأحداث- أنه ما دام حكم الجنرال المتقاعد مشرف مسلطًا على الحكم في باكستان ومتبعًا سياسةً واحدة، وهي مواصلة الحرب على القبائل المحافظة وتنفيذ واضح لمخططات الأمريكيين في المنطقة، فإن الأسوأ ما زال في انتظار باكستان، وقد تشهد مأساةً أخطر مما شهدته اليوم، وأنه إذا لم يبعد الرئيس مشرف من الحكم ويتغير المشهد السياسي الحالي، فإن هناك في المقابل خطةً أخرى سينفّذها، هي شنُّ حملةِ تطهيرٍ عسكرية واسعةٍ على مناطق القبائل خاصةً في وزيرستان، ثم إعلان حربٍ شاملةٍ عليها؛ لتصفيتها من المسلَّحين الذين يُعدّون الانتحاريين ويرسلونهم لتدمير مؤسسات الدولة والأمن والجيش وقتل الزعماء السياسيين كما تقول الحكومة.
ويرى عددٌ من الشخصيات الباكستانية- منها الرئيس السابق رفيق تارار- أن هناك ضرورةً للبحث بين هذه النظرية وتلك وأيهما مفيدٌ للبلاد؟! هل في تدمير وزيرستان ومناطق القبائل وقتل المزيد من الأبرياء بحجة أنهم مصدر القلاقل؟! أو في إبعاد مشرف عن قيادة البلاد ومطالبته بالاستقالة من أجل حماية باكستان المسلمة من التحوُّل إلى دولةٍ منهارةٍ قد تنضم إلى العراق وأفغانستان وتتفكك؟!
أيضًا يرى محللون- على رأسهم كبار الباحثين في كلٍّ من معهد الدراسات السياسية ومعهد دراسات جنوب آسيا في باكستان في أحدث تقاريرهم- أن باكستان ستبقى مرشَّحةً لكل الاحتمالات، وأن على زعمائها العسكريين العملَ قبل فوات الأوان من أجل إنقاذها من التفكُّك؛ وذلك بالبحث عن المصلحة الكبرى وإعلان وفاقٍٍ وطني يضم الإسلاميين والوطنيين الغيورين، مثل ما اقترحه زعيم الجماعة الإسلامية قاضي حسين أحمد.
أما حدوث المزيد من الانقلابات العسكرية فلن تزيد باكستان سوى عزلةٍ، اللهم إلا إذا جاء وطنيون يرفضون انقسام باكستان وتفككها، فضلاً عن مخاوف التدخل المباشر للأمريكيين تحت ذريعة حماية المنشآت النووية والصواريخ الباليستية؛ حتى لا تقع في يد الأصوليين.
إنقاذ باكستان من مؤامرات الغرب
![]() |
|
بوش يقود حملة غربية لتدمير باكستان |
وكشف عددٌ كبيرٌ من زعماء الجماعات السياسية الباكستانية- البالغ عددها 34 حزبًا وأكثر من 25 مؤسسةً مدنيةً وإعلاميةً- النقابَ عن أن بلادهم باتت تتجه إلى وضعٍ خطيرٍ، قد يكون شبيهًا بما هو عليه الحال في العراق وأفغانستان، وقالوا في تصريحاتٍ خاصةٍ لمراسل المجتمع إنهم يناشدون العالم الإسلامي التعاونَ والتدخُّلَ لإنقاذ بلادهم.
وطالب كلٌّ من أمير الجماعة الإسلامية قاضي حسين أحمد، وأمير جمعية علماء إسلام مولانا فضل الرحمن، وزعيم جماعة الدعوة حافظ سعيد، وأمير أهل الحديث البروفيسور ساجد الأمير، والأمين العام لحزب الرابطة راجا ظفر الحق العالمَ الإسلاميَّ بالتعاون مع بلادهم؛ من أجل إنقاذها من خطر التحول إلى دولةٍ فاشلةٍ ومنهارةٍ.
كما طالبوا العالم الإسلامي بعدم الوقوف مكتوفَ الأيدي متفرِّجًا على بلادهم وهي تنهار وتتفكَّك، مؤكِّدًا وجود خطر حقيقي على وحدتها وتماسكها وبقائها؛ لأن الغرب واليهود لم يعودوا مرتاحين لامتلاك دولةٍ إسلاميةٍ سلاحًا نوويًّا مثلها مثل الدول الكبرى في العالم، وأنه بامتلاكها السلاح النووي يجب تدميرُها وإنهاؤها؛ لأنها بكل بساطة دولةٌ إسلاميةٌ.
وكانت مؤسساتٌ حقوقيةٌ ومدنيةٌ تتقدَّمها منظماتٌ نسائيةٌ وطلابيةٌ وإعلاميةٌ وشخصياتٌ بارزةٌ- من بينهم الرئيس الباكستاني السابق رفيق تارار- وقادة الجيش السابقين (ومنهم الجنرال أسلم بك) قد أعربوا عن المخاوف من أن يكون هناك مخططٌ خطيرٌ يستهدف باكستان.
وقالوا إن هناك هدفًا للقضاء على دولةٍ اسمها "باكستان"، وإن استهداف زعيمة حزب الشعب قد يكون مقدمةً لتدمير باكستان وإنهائها إلى الأبد.
تفكيك باكستان مخطط أمريكي صهيوني
وفي هذا الصدد أعاد معهد دراسات جنوب آسيا- الذي يشرف عليه البروفيسور رشيد أحمد- إلى الأذهان المخطط الأمريكي الذي نشرته الصحف الأمريكية في عام 2007، والذي تم إعداده من قِبل مؤسسةٍ أمريكيةٍ يهوديةٍ توقَّعت انتهاء دولة باكستان المستقلة وتفككها إلى دويلاتٍ صغيرةٍ.
وذكَّر المعهد بما توصلت إليه مؤسسةٌ أمريكيةٌ للدراسات مقربةٌ من البنتاجون من توقعِ تفكك باكستان قبل عام 2012م إلى عددٍ من الكيانات العرقية والدينية؛ لتتحوَّل بعد مواجهاتٍ مسلَّحةٍ إلى عددٍ من الدول الصغيرة المتناطحة مع بعضها البعض؛ حيث قال مدير المعهد: إن ارتفاع حجم الأحداث الخطيرة في باكستان في الأعوام الأخيرة والتي مسَّت أمن واستقرار باكستان وهدَّدت نسيجها الهش، قد كشفت أن الأيديَ الخفيةَ باتت تحرِّك فعلاً هذا المشروع ليتحقق قبل عام 2012م.
ويتساءل المراقبون في هذه المعاهد البحثية: لماذا بدأت عملية تدمير باكستان منذ فبراير عام 2007م بسلسلةٍ من الهجمات الانتحارية حتى بلغت أكثر من 40 عمليةً انتحاريةً نوعيةً خلَّفت أكثر من ألف شخص غالبيتهم من مؤسسة الجيش والاستخبارات؟! ولماذا استمرت العمليات في التطور بصورٍ خطيرةٍ أدَّت إلى مقتل بي نظير بوتو وحمْل أنصارها على التمرد وتدمير ممتلكات الدولة؟! ولماذا يتم استهداف الجيش ثم المخابرات ثم مؤسسات الدولة المختلفة ثم اللجوء إلى استهداف زعماء أكبر الجماعات السياسية؟!
إلى أين تذهب باكستان؟!
لقد أصبح كل شيءٍ مرتبطًا اليوم برحيل الجنرال مشرف؛ لأنه في نظر الجماعات المسلحة الباكستانية- سواءٌ في مناطق القبائل أو خارجها- بات متورِّطًا في نظريةٍ هدفها قلع باكستان من جذورها وهويتها الدينية، وإلحاقها بدول الغرب، وإنهاء حلم باكستان في التحوُّل إلى دولةٍ إسلاميةٍ نوويةٍ في العالم الإسلامي.
هكذا يتحدَّث اليوم كلٌّ من زعيم حركة المجاهدين مولانا فضل الرحمن خليل، ومولانا مسعود أظهر (زعيم جيش محمد) وحاجي عمر (زعيم فدائيي إسلام) وبيت الله محسود (زعيم مسلحي وزيرستان الجنوبية) وكلٌّ من مولانا صادق نور، ومولانا عبد الخالق في وزيرستان الشمالية، وزعماء المسجد الأحمر، وزعيم حركة تنفيذ الشريعة مولانا فضل الله، والعديد من علماء الدين.
فالجميع يربط مصير الاستقرار في باكستان وعودة الهدوء إليها بنهاية مشرف وإبعاده عن الحكم وعودة المدنية للسلطة، فيما ترى الجماعات المسلحة أن الجهاد سيبقى قائمًا، وحمْلَ السلاح سيكون المهمةَ الرئيسيةَ، وطريق الانتحار سيظل وسيلتهم.
مطامع مشرف في تحويل باكستان إلى دول علمانية
ويرى الخبراء في باكستان أن الوضع الباكستاني ليس معقَّدًا بمثل ما هو عليه الحال في العراق ومناطق أخرى من العالم؛ إذ إن الاستقرار يمكن تحقيقه إذا زالت دولة المخابرات- كما يقولون- وعادت دولة القانون.
ولا يشك أحدٌ في أن ظاهرة الجماعات المسلحة أوجدتها باكستان من خلال جهازها الاستخباري أيام حكم الجنرال ضياء الحق، ولم تخلق نفسها بنفسها، ويمكن لهذه الأجهزة- إن فكَّرت في مصلحة باكستان- إنهاء هذا المشهد؛ فإفهام مشرف أن الطريق الوحيد هو تغيير نمط الحكم ووقف تعاونه اللا محدود مع الأمريكيين، والاستجابة لجميع مطالبهم بما فيها تدمير باكستان ووحدتها، هو ما تجسِّده عمليات الجيش الباكستاني في مناطق القبائل ومحاولته فرض سلطته عليها بالحديد والنار.
--------
* نقلا عن (المجتمع).



