الانطلاقة الجديدة للمفاوضات الفلسطينية- الصهيونية حول قضايا الوضع النهائي (بعد توقفٍ دام سبع سنوات، منذ يناير 2001م)، بعد لقاء "أنابوليس" الذي انعقد في 27 نوفمبر 2007م، تُثير العديد من التكهنات والتساؤلات بشأن معطيات تلك المفاوضات والسلوك التفاوضي الصهيوني بعد أنابوليس، وهل ثمة تغيير فيه يسمح بالاعتقاد أن عملية التسوية ستحقق المطالب الفلسطينية والعربية منها؟، وهل نحن إزاء فرصة حقيقية للتسوية؟، وما هو الجديد في "مرحلة أنابوليس" كإطارٍ تفاوضي؟، وهل ثمة إستراتيجية تفاوضية فلسطينية في تلك المرحلة الجديدة من "الصراع التفاوضي" الفلسطيني- الصهيوني، خاصةً أن الفلسطينيين ينخرطون الآن في مفاوضاتٍ على تقرير المصير، وهم في أسوأ وضعٍ من ناحية توفر التلاحم السيكولوجي الداخلي، بل قل غير سوي أو منطقي، فنصفُهم يقاتل من غزة تحت قيادة حكومة منتخبة، ولكن مُقالة وغير معترف بها، ونصفهم الآخر يسالم ويفاوض في رام الله تحت قيادة حكومة غير مُنتخَبة، ولكن تحظى بكل اعتراف العالَم؟!!

 

خصوصية ومعطيات المفاوضات الفلسطينية- الصهيونية

بدايةً، فمن المُسلَّم به أن المفاوضات شكلٌ من أشكال وأدوات لجوء الدول لتحقيق أهدافها في سياق ما تملك من عناصر القوة؛ ولذلك فالمفاوضات هي توظيفٌ لعناصر القوة بهدف دفع الطرف التفاوضي الآخر إلى مزيدٍ من التنازل، وعليه تُعرف المفاوضات من بين تعريفات عديدة بأنها: فن إدارة تبادل التنازلات.

 

بيد أن المفاوضات الفلسطينية- الصهيونية شكَّلت حالةً فريدةً من نوعها في مجال العلاقات الدولية؛ فهذه المفاوضات تجري بين طرفين لا يعترف أحدهما بالآخر تمامًا، بما لذلك الاعتراف من معنًى قانوني وسياسي، وأمني وتاريخي وأخلاقي؛ إذ ترفض القيادات الصهيونية- حتى هذه اللحظة- الاعتراف ولو بمجرّد كونهم دولةً محتلةً لأراضي الفلسطينيين في الضفة والقطاع (أراضي عام 1967)!!.

 

وفوق ذلك كله، جرت هذه المفاوضات وتجري دون أي مرجعية دولية أو قانونية، أو زمنية سوى المفاوضات ذاتها؛ ما يعني أن الكيان الصهيوني- من موقعه المسيطر- هو الذي يتحكم بمسارات العملية التفاوضية وقضاياها وأولوياتها ونتائجها، وبشكلٍ خاص بمداها الزمني: التفاوضي والتطبيقي!!.

 

وفي هذا السياق يرفض الكيان تدخُّلَ أي طرفٍ بشأن مفاوضاته مع الفلسطينيين من الأمم المتحدة إلى أوروبا، حتى إنه منع العديد من التدخُّلات الأمريكية، التي كان يجد أنها لا تتلاءم مع تعريفه وأوضاعه ومصالحه، وفي كل ذلك كان الفلسطينيون عُرضةً لاستفراد الكيان، وتحت رحمة ابتزازه؛ فهو الذي يقرر ما يعطيه وما يبحثه أو ما لا يبحثه في المفاوضات؛ فليس ثمة مرجعية قانونية أو دولية بالنسبة للصهاينة!!.

 

وقد شاهد العالم أجمع بعد لقاء أنابوليس بعدة أيام انفجار "فضيحة" من العيار الثقيل "لزلماي خليل زاد، وللإدارة الأمريكية وللولايات المتحدة كقوةٍ عظمى؛ حيث سحبت الولايات المتحدة- في خطوةٍ نادرة الحدوث- مشروع قرار كانت قد تقدَّمت به إلى مجلس الأمن بدعم المفاوضات الفلسطينية الصهيونية التي انطلقت من لقاء أنابوليس؛ إذ ليس من عادة واشنطن أن تتراجع حتى بعد ضغط الحلفاء عن مشاريع قرارات تتقدَّم بها إلى مجلس الأمن، وانفردت في كثيرٍ من الأحيان بالتقدُّم بمثل هذه المشاريع، رغم معارضة بعض الحلفاء الأوروبيين.

 

لكن هذه المرة تراجعت واشنطن وسحبت مشروع قرارها الذي طرحته بصورةٍ غير رسميةٍ على مجلس الأمن، والسبب معارضة الكيان لهذا المشروع؛ (لأنه يؤدي إلى دورٍ تلعبه المنظمة الدولية في أمر المفاوضات الثنائية الفلسطينية- الصهيونية) الذي حشدت له واشنطن- قبل أن تسحبه- دعمًا واسعًا وتأييدًا مباشرًا من كل أعضاء مجلس الأمن ورئيسه الحالي المندوب الإندونيسي والممثل العربي الوحيد مندوب دولة قطر؛ ما جعل المندوب الأمريكي "زلماي خليل زاد- قبل أن يسحب المشروع- يشيد بالدعم الهائل لمشروع القرار، خاصةً من قِبل مندوبي فرنسا والصين وقطر وإندونيسيا!!.

 

لكن خليل زاد "تبخَّر" من المواجهة بعد أن اضْطُرَّ بتعليماتٍ من حكومته إلى سحب المشروع الذي أجهد نفسه في إقناع أعضاء مجلس الأمن بقبوله ودعمه، وهكذا ظهر للعالَم أجمع- في لحظةٍ كاشفةٍ وبوضوحٍ تام- كيف أن القوى العظمى الوحيدة في العالم ليس لها سياسة مستقلة تجاه منطقة الشرق الأوسط، وأنها لا تملك أن تتخذ أي مبادرة منفردة فيما يتعلق بشئون هذه المنطقة؛ لأنه يتعين عليها أن تنسِّق مسبقًا مع الكيان، وأنه عند حدوث خلاف في وجهات النظر تكون للصهاينة الكلمة الفصل الأخيرة!!.

 

خبرة المفاوضات الفلسطينية- الصهيونية

تفيد خبرة المفاوضات الفلسطينية- الصهيونية بأن الكيان يتعمَّد الإغراق بالتفاصيل التفاوضية؛ بحيث إنه استطاع تحويل عملية التسوية إلى متاهة يصعب التحرك في دهاليزها، كما يصعب الخروج منها، ودليل ذلك أن هذه التسوية التي يُفترض أنها تتطلب إنهاء الاحتلال للضفة وغزة، إذ بها تتطلب مئات من صفحات من اتفاقياتٍ ومذكراتٍ وبروتوكولات، ومئات من المفاوضين، والجلسات التفاوضية الطويلة الثنائية والمتعددة والدولية!!، وحتى في تفصيلٍ واضحٍ مثل الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين ثمة تصنيف لهؤلاء؛ فثمة مَن يده نظيفة- إذن لماذا هو مُعتقل؟!- وثمة مَن أيديهم ملطخة بالدماء، وثمة مَن قاربت فترة سجنهم على الانتهاء، وثمة جدد، دون أن يسأل أحدٌ مثلاً عن جدوى هذه التصنيفات طالما أن هؤلاء أسروا على ذمة كفاحهم ضد الاحتلال، علمًا بأن الكيان يعتقل يوميًّا العشرات!!.

 

وبالنسبة للأراضي، فقد باتت الضفة الغربية في اتفاقات أوسلو عام 1993م وما بعدها مقسَّمةً إلى مناطق (أ، ب، ج)، وكل منطقة ثمة بروتوكول خاص بها، وثمة أراضٍ فيها مصالح "إسرائيلية" أمنية أو مائية أو دينية.

 

وبالنسبة للمستوطنات ثمة كتل استيطانية، ومستوطنات أمنية، وأخرى عشوائية، ومستوطنات شرعية وغير شرعية!!، من دون أن ندخل إلى قضايا تبدو مستحيلةً، كقضيتي القدس واللاجئين!!.

 

كما تفيد خبرة المفاوضات السابقة أيضًا أن الكيان يتعمَّد شراء الوقت، وأنه لا ييأس من توليد الاتفاق تلو الاتفاق، والمذكرة تلو الأخرى، والبروتوكول بعد البروتوكول حول أي قضية، في حين أنه طوال ذلك يتصرَّف وكأن وجوده الاحتلالي باقٍ إلى الأبد في هذه الأراضي، بدليل مضاعفة المستوطنين والمستوطنات منذ انطلاق عملية المفاوضات في مطلع التسعينيات في الضفة الغربية، ولا سيما في منطقة القدس، وبدليل تغيير معالم هذه المناطق من خلال شق الطرق الالتفافية والأمنية وإقامة المعابر- على خلافها- وتشييد الجدار الفاصل الذي يعزل المناطق الفلسطينية ويطوقها من كل جانب، ويمنع أي تواصلٍ بينها!!.

 

وبحسب التجربة التفاوضية كذلك، فإن الصهاينة عوَّقوا هذه العملية، وتعمَّدوا منذ اتفاق أوسلو عام 1993م التملصَ من الاستحقاقات المطلوبة منها؛ بحيث لم يسيطر الفلسطينيون إلا على حوالي 27% من أراضي الضفة الغربية بصورةٍ مباشرةٍ وغير مباشرة طوال المرحلة التفاوضية السابقة.

 

ويمكن ملاحظة ذلك بسهولة؛ فالكيان في ظل "شامير" عارض مؤتمر مدريد عام 1991م، وشهد مصرع واحد من أهم رؤساء حكوماته، هو إسحاق رابين (1995) على يدي متطرِّف صهيوني؛ لكونه وقَّع اتفاقًا للتسوية مع الفلسطينيين، وعندما تبوأ بيريز مكانه لم يستطع الحسم في عملية التسوية، وتوجَّه إلى انتخابات مبكرة (1996) جلبت بنيامين نتنياهو لرئاسة الحكومة؛ حيث ضيَّع ثلاثة أعوامٍ من عمر التسوية في التملصات (1996- 1999).

 

وحتى عندما وقَّع نتنياهو مذكرة "واي ريفر" (1998) المتضمنة انسحابًا متفاوتًا من 13% من مساحة الضفة- اشترط أن تبقى 3% منها كمحمية طبيعية- اضطر تحت ضغط المعارضة للتوجه إلى انتخاباتٍ مبكرة أخرجته من الحكم.

 

وبعده جاء إيهود باراك الذي ناور ببدعة التحول للمفاوضات على قضايا الحل النهائي قبل أن تفيَ "إسرائيل" بتنفيذ استحقاقات المرحلة الانتقالية، في مراوغةٍ منه للتملص من هذه الاستحقاقات، وتحميل المسئولية للفلسطينيين.

 

ومعلوم أن هذه السياسة المدعومة من إدارة كلينتون أدَّت إلى إطلاق مفاوضات كامب ديفيد 2000م في ظروفٍ غير مواتية، وبشروطٍ وأطروحاتٍ صهيونية؛ ما أدَّى إلى تقويض الثقة بين الطرفين، ومن ثمَّ تحوَّل الفلسطينيون نحو الانتفاضة.

 

وبعد ذلك جاء شارون ليحرر الكيان من استحقاقات اتفاق "أوسلو"، وحتى من تأثيرات خطة "خريطة الطريق" عام 2003م؛ بدعوى الانتفاضة والمقاومة ومحاربة الإرهاب، ثم انتقل شارون في أواخر حياته السياسية إلى خطط الانسحاب من طرفٍ واحدٍ من قطاع غزة عام 2005م.

 

وبعد ذلك جاءت حكومة كاديما والعمل على خلفية انقسامات وتحولات في حزبي الليكود والعمل؛ حيث طرحت هذه الحكومة فكرة الانسحاب الأحادي من الضفة الغربية- بحسب الرؤى "الإسرائيلية"- ثم ما لبثت أن طويت إثر إخفاق حرب لبنان عام 2006م لصالح استئنافها من خلال إيجاد شريك فلسطيني!!.

 

خلال هذه المسيرة الطويلة لم تستطع أي حكومةٍ صهيونيةٍ- سواءٌ العمل أو الليكود أو كاديما- أن تحقق إنجازات حقيقية للانفصال عن الفلسطينيين وتمكينهم من الاستقلال وإقامة دولتهم المستقلة، بغض النظر عن حجمها ومستوى سيادتها، برغم أن مختلف الأطراف السياسية المؤثرة في الكيان باتت تجمِع على ضرورة الانفصال عنهم، وإتاحة المجال أمامهم لإقامة دولتهم.

 

وسبب هذا التمنع يكمن في الخلاف بين الصهاينة على المقابل المتوجَّب انتزاعه من الفلسطينيين، سواءٌ على حجم الأراضي التي يمكن أن ينسحب منها، أو بشأن ماهية الحل المتعلق بقضيتَيٍ القدس واللاجئين، والعلاقات المستقبلية الثنائية.

 

"مرحلة أنابوليس" كإطارٍ تفاوضي.. هل من جديد؟

حين بدأ البحث بعقد مؤتمر أنابوليس بناءً على دعوةٍ من الرئيس بوش، جرى وضع إطار زمني غير منطقي؛ حيث تم تحديد سنة واحدة للوصول إلى اتفاق- أي في عام 2008- وهي فترة قصيرة جدًّا قياسًا بكل خبرات الطرف العربي والفلسطيني في التسوية مع الكيان؛ فالحل النهائي جاء في كامب ديفيد المصرية بعد خمس سنوات، أي في العام 1983، وفي أوسلو بعد خمس سنوات أيضًا من بدء تطبيقها، أي في العام 1999، وفي خريطة الطريق في عام 2005، أي بعد ثلاث سنوات من إعلانها، لكن شيئًا من هذا كله لم يحدث لعوامل وتعقيدات معروفة، فإذا بلقاء أنابوليس يضع إطارًا زمنيًّا أضيق من كل ما سبقه، لا يتجاوز سنةً واحدةً لحل صراع طال عمره قرنًا من الزمان، وتشعبت قضاياه!!.

 

وإذا تجاوزنا هذه النقطة "الشكلية"- ربما- وانطلقنا إلى معطيات التفاوض فسوف نجد أنه خلال فترة الإعداد للمؤتمر منذ إعلان فكرته في يوليو 2007م وحتى موعد انعقاده في أواخر نوفمبر 2007م، جرى الكثير من الجدل والشد والجذب بين طرفي التفاوض؛ حيث طرح المفاوض الفلسطيني ثلاثة مطالب أساسية: أن يتم تحديد موضوعات الحل النهائي التي سيبتُّ فيها المؤتمر، وأن يتم تحديد إطار الحل (المرجعية) لكل قضية من قضايا الحل النهائي؛ بحيث يتضح مضمون الحل المنشود، وأن يتم تحديد سقف زمني للتفاوض- بناءً على البندين السابقين- لا يتجاوز ستة أشهر.

 

المفاوض الصهيوني من جهته رفضَ هذه المبادئ الثلاثة لانعقاد المؤتمر، وقبِل فقط بأن يتم ذكر قضايا الحل النهائي في وثيقة تقدم للمؤتمر، ولكن ليس من شأن المؤتمر أن يبتَّ فيها، بل يشير إلى أن هذه القضايا ستكون موضوع التفاوض- بتشجيع منه- بين الفلسطينيين والصهاينة.

 

وعند البحث في قضايا الحل النهائي طلب الكيان حذف قضية الانسحاب الكامل من أراضي 1967، كما طلب حذف قضية حق العودة للاجئين، وطلبت أيضًا حذف قضية القدس، ولم يعد أحد يدري بعد ذلك لماذا إذن سينعقد هذا المؤتمر؟!، وبدا واضحًا أن الجواب المطروح هو أن المؤتمر سيكون مناسبةً لإطلاق مفاوضات "جدية" و"معمقة" و"جوهرية" بحسب توصيفات كونداليزا رايس- وزيرة الخارجية الأمريكية- وهي توصيفات كلامية لا علاقة لها بالسياسة.

 

وعليه، بدا واضحًا أن الكيان كان يعمل- قبل الاجتماع- على أساس تخفيض سقف المطالب الفلسطينية، وكان يعمل- بالتحديد- على إعادة إنتاج مفاوضات تقوم على قاعدتين:

 

الأولى: التفاوض حول اقتسام الضفة الغربية، وليس حول الانسحاب الكامل منها!!.

 

الثانية: رفض البحث بالقضية الفلسطينية الأصل، من خلال البند الوحيد المطروح حولها، والمتعلق بحق العودة للاجئين؛ وذلك كإعادة إنتاج لمفاوضات كامب ديفيد 2000م، والتي رفض فيها عرفات خطة باراك، استغرق العمل بهذا التكتيك الصهيوني أشهرًا عدةً، وجاءت كونداليزا رايس إلى المنطقة ثمانيَ مرات دون أن يتغيَّر شيء، إلى أن بدأت "إسرائيل" قبل انعقاد المؤتمر بأسبوعين بوضع تكتيك تفاوضي جديد موضع التطبيق، يقوم على ضرورة "اعتراف الفلسطينيين بيهودية دولة الكيان" كشرطٍ لانطلاق المفاوضات!!.

 

وهنا بدا أن هذا التكتيك التفاوضي الصهيوني الجديد يستهدف قلب قاعدة التفاوض؛ إذ بدلاً من أن يقدِّم الكيان في أنابوليس شيئًا للفلسطينيين، أصبح المطلوب أن يقدِّم الفلسطينيون شيئًا للكيان الصهيوني!!.

 

المفاوض الفلسطيني إزاء ذلك- وبعد أن صوّبت الضغوط الأمريكية تجاهه- انطوى موقفه على تراجعات عدة؛ حيث بدأ أبو مازن مفاوضاته مع أولمرت قبل المؤتمر مطالبًا- كما سبقت الإشارة- باتفاق تفاوضي تفصيلي يتناول القضايا التفاوضية الخاصة بالوضع النهائي ومرجعياتها، وعلى أساس جدول زمني للتطبيق، ثم تراجع نحو القبول ب"وثيقة مشتركة" عامة تذكر قضايا الحل النهائي فقط، ثم تراجع ثانيةً نحو القبول ببيان منفصل لكلا الطرفين.

 

أما حين ذهب إلى المؤتمر فقد وافق على وثيقة ثلاثية (أمريكية- إسرائيلية- فلسطينية)، لا يرد فيها ذكر لقضايا الحدود والقدس واللاجئين والمياه، بينما هي واردة بالتحديد في اتفاق أوسلو 1993.

 

ما بعد أنابوليس؟

وبعد أن انفض اجتماع أنابوليس، وبين يدي انطلاقة عملية المفاوضات، وبينما كان المفاوض الفلسطيني يتأهب للذهاب إلى المفاوضات من جديد؛ إذ بالحكومة الصهيونية تتخذ قرارها في 4/12/2007م بتوسيع مستوطنة جبل أبو غنيم (هارحوماه) جنوب القدس بإضافة 300 منزل جديد؛ الأمر الذي شكَّل تحديًا من النوع الذي لا يمكن قبوله، ثم جاء تبرير الكيان لقراره هذا ليمثِّل بدوره تحديًا أكبر أمام المفاوض الفلسطيني؛ حيث برَّر الكيان قراره بالقول: إن الاستيطان الجديد لا يمثل انتهاكًا لما تم الاتفاق عليه في أنابوليس؛ ذلك أن منطقة القدس هي جزء من الكيان، وتوسيع المستوطنات فيها هو جزء من القرار السيادي الصهيوني؛ وبهذا يكون الكيان قد وضعت تحديًا مزدوجًا أمام المفاوض الفلسطيني: المستوطنات والقدس!!.

 

ولا تنحصر مشكلة الاستيطان في الاستمرار بتوسيعه في القدس، بل إن حكومة أولمرت شرعت- قبل أنابوليس وواصلت بعده- في "تبييض" ما يسمى بالبؤر الاستيطانية غير القانونية في القانون الصهيوني؛ وذلك من خلال توسيع مساحة المستوطنات الكبيرة؛ بحيث تصبح البؤر العشوائية ضِعْفَ مساحتها، وتصبح حينها شرعيةً!!.

 

هذا ما أكدته نتائج اجتماعات اللجنة الحكومية "الإسرائيلية" المعنية بالبؤر العشوائية، وما لم تقم به الحكومة الصهيونية يتولاه المستوطنون؛ حيث أعلنوا مؤخرًا عن عزمهم بناءَ ثماني بؤر استيطانية جديدة!!.

 

وفوق هذا وذاك، فالقبول بالمنطق الصهيوني- أي بالتسليم بالمستوطنات، وبالقدس خارج نطاق التفاوض- يعني من جهة ثالثة أن تعديل حدود عام 1967 أصبح أمرًا مقبولاً أو مسلَّمًا به في مسيرة المفاوضات، لا سيما وأن الموقف الصهيوني من مسألة الحدود يتعمَّق باستمرار، وهو أن حدود الدولة الفلسطينية العتيدة هي حدود الجدار، أما المستوطنون الذين داخل الجدار فاقتراح باراك أن يقر الكنيست قانونًا يقضي بتعويضهم عن إخلائهم من أماكن سكناهم الحالية؛ وهذا يعني في التحليل الأخير أن ثلاث قضايا أساسية من قضايا الحل النهائي قد حُسمت بالفعل لصالح المفاوض الصهيوني، وقبل أن تبدأ المفاوضات!!.

 

ولا يتبقى بعد ذلك من قضايا الحل النهائي سوى قضية اللاجئين، وهذه بدورها يصرُّ الكيان أيضًا على أنها غير مدرجة أصلاً على جدول الأعمال، وإذا أصرَّ الجانب الفلسطيني على إدراجها، فإن "إسرائيل" تصرُّ بالمقابل على إدراج "ضرورة الاعتراف بيهودية إسرائيل"!!.

 

وفي سياقٍ كهذا، فإن عدم التمسك بوقف المفاوضات ومقاطعتها طالما استمرت سياسة التوسع الاستيطاني، معناه الوقوع في المحظور مرةً أخرى، وإعادة إنتاج أخطاء أوسلو، ويدفع بالأمور فورًا نحو منهج تفاوضي مناقض، لا يستطيع أن ينتج دولة فلسطينية مستقلة، وإنما ينتج- وينتج فقط- كيانًا فلسطينيًّا يعمل في إطار "التقاسم الوظيفي" مع الاحتلال؛ حيث تتولى السلطة الفلسطينية إدارة شئون السكان اليومية، ويتولَّى الصهاينة شئون السيادة، وتصبح السلطة الفلسطينية في هذه الحالة أداةً تعمل في خدمة الاحتلال الصهيوني، بل وتقدم لهذا الاحتلال خدمةً جليلةً، أساسها استمرار الاحتلال دون دفع ثمن هذا الاحتلال؛ حيث تتولَّى الدول المانحة (مؤتمر باريس) تقديم ثمن الاحتلال ونفقاته!!.