من العادات الجاهلية التي ما زالت سائدةً في جمهورية قيرغيزستان (إحدى الجمهوريات السوفيتية السابقة) عادة اختطاف النساء بغرض الزواج، وهناك مقولة قيرغيزية تقول: "إن كل زواج يبدأ بالدموع".. وتعتبر عادة خطف النساء، أو كما يُطلقون عليها في قيرغيزستان خطف الزوجات، ممارسة شائعة في المجتمع، ولا يُنظر إليها باعتبارها جريمة، ولا يعاقب عليها القانون عمليًّا، ونصف النساء تقريبًا في قيرغيزستان يتم اختطافهن وإجبارهن على الزواج!.

 

وترجع هذه العادة الجاهلية إلى ما قبل دخول الإسلام إلى منطقة آسيا الوسطى؛ حيث كانت القبائل الرُّحل تُغِير على بعضها وتأسر النساء وتسلب الأموال، وقد اندثرت هذه العادة من أغلبية دول آسيا الوسطى بعد انتشار الإسلام فيها، إلا أنها ما زالت سائدةً في قيرغيزستان بين أبناء العرق القيرغيزي دون غيرهم.

 

ويبدأ شبح الاختطاف يُرعب الفتاة القيرغيزية عند بلوغها سن المراهقة، وتُضطر بعض الفتيات إلى وضع خاتم الزواج حتى لا يتعرضن للاختطاف خاصةً في المدارس والجامعة.

 

طقوس متبعة

يطلق القيرغيز على هذه العادة الجاهلية اسم "ألو كاتشو" وتعني "اخطف واجرِ"، وعندما يتم خطف الفتاة تتولى بعض النسوة من أقارب الخاطف تهدئة الفتاة المخطوفة وإقناعها بقبول الزواج من الخاطف، فتقوم النسوة بإحضار غطاء رأس أبيض اللون يُطلقون عليه اسم "جولوك" ويعني "رمز الاستسلام" يحاولن وضعه على رأس الفتاة المخطوفة، فإن قبلت وضعه فهذا يعني أنها قبلت الزواج من الخاطف، وفي الغالب ترفض الفتاة وضعه وتصارع من أجل إطلاق سراحها، إلا أنها غالبًا ما تُجبر على وضعه بالقوة، وتُجبر على الزواج من خاطفها.

 

دراسات وأبحاث

تشير الإحصاءات الحديثة التي قام بها عددٌ من الباحثين الغربيين إلى أن اختطاف النساء في قيرغيزستان زاد بدرجةٍ كبيرةٍ في السنوات الخمسين الماضية، وتتفاوت النسب من باحث لآخر؛ فهناك مَن يرى أن 50% من الزيجات تتم عن طريق الاختطاف، وهناك مَن يعتقد أن النسبة لا تتعدى 30%، وهناك مَن يؤكد أنها قد تصل إلى 80%.

 

ومن أهم الدراسات التي أُجريت حول هذا الموضوع دراسة أجراها البروفيسور"روسل كلينباخ" أستاذ علم الاجتماع بجامعة "فيلادلفيا" بمشاركة عددٍ من علماء الاجتماع القيرغيز أمثال "مهريجول أبليزوفا" و"مدينه أيتيفا" من الجامعة الأمريكية بالعاصمة القيرغيزية بشكيك.. وقد توصلت الدراسة إلى أن معظم الناس في قيرغيزستان لا ينظرون إلى اختطاف النساء باعتباره جريمة بل يعتبرونه عادةً محمودةً!!.

 

ويرى الباحث "لوري هاندرامان" الذي أقام في قيرغيزستان مدة عامين وأجرى دراسةً حول هذا الموضوع، أن زيادة عمليات اختطاف النساء بعد الاستقلال عن الاتحاد السوفييتي تعود إلى النظرة الإيجابية التي ينظر بها الرجال القيرغيز إلى الاختطاف؛ حيث يعتبرونه جزءًا من الشخصية القيرغيزية.

 

فيلم وثائقي

وقد قام أحد منتجي الأفلام الوثائقية ويُدعى "بيتر لوم" عام 2004م بإنتاج فيلمٍ وثائقي عن اختطاف النساء في قيرغيزستان عُرض في مهرجان الأفلام الوثائقية الذي ترعاه الأمم المتحدة عام 2005م، وبثته العديد من محطات التلفزة الأمريكية، ويعرض الفيلم مشاهد حقيقية لعمليات اختطاف النساء، وعلى سبيل المثال هناك مشهد واقعي لأسرة قيرغيزية تخطط لخطف عروسٍ لابنها، يدور الحوار بين أفرادها، بعد أن تم تحديد الفتاة التي سيقوم عددٌ من رجال الأسرة باختطافها، ويتابع الفيلم رحلة الخاطفين وهم يتجولون في شوارع البلدة لتعقّب الفتاة التي يبغون خطفها، لكنهم يفشلون في العثورِ عليها فيقررون أن يخطفوا أي فتاةٍ يقابلونها في الطرقات، وبالفعل يقومون باختطاف فتاةٍ لا يعرفون عنها أي شيء، ويحضرونها إلى منزل العريس بالقوة ويُجبرونها على الزواج من ابنهم.

 

وغالبًا لا يتم توثيق عقد الزواج لدى الجهات الرسمية المختصة، بل يقوم أحد رجال الدين بإتمام العقد بدون مراعاة موافقةِ الفتاة، من أجل حصوله على المال.

 

دوافع الاختطاف

- تحريض الأهل: غالبًا ما يحرض أهل الخاطف ابنهم كي لا يتحملوا نفقات الزواج والخطبة، ولكي يحضر لهم الابن زوجةً تُعينهم على شئون المنزل، أو بمعنى آخر خادمة بدون أجر.

 

- الضغوط الاجتماعية: يواجه الشباب القيرغيزي ضغوطًا اجتماعيةً كبيرةً إذا لم يتمكنوا من الزواج في العشرينيات من العمر، وتحت ضغوطٍ من المجتمع والأسرة يلجأ العديد من الشباب إلى اختطاف أي فتاة.

 

- رفض الفتاة أو أهلها للزوج: أحيانًا يلجأ بعض الشباب إلى خطف الفتاة بسبب رفضها أو رفض أهلها له، وغالبًا ما يكون الرفض لأسبابٍ اجتماعيةٍ أو أخلاقية أو صحية.

 

- نظرة المجتمع الإيجابية للخاطف: ينظر المجتمع القيرغيزي إلى الخاطف على أنه بطل شجاع، ويفخر الخاطف بفعلته، وترى عائلة الخاطف أنهم فعلوا معروفًا لأهل الفتاة بخطف ابنتهم.

 

- الحالة الاجتماعية السيئة للرجل أو إعاقته البدنية أو الذهنية: في بعض الأحيان تقوم أسرة الشاب بخطف أي فتاةٍ لتزويج ابنهم المعاق بدنيًّا، أو عقليًّا، أو بسبب وضعه الاجتماعي السيئ الذي يصعب معه الزواج.

 

وتقول إحدى الناشطات في مجال حقوق الإنسان في جنوب قيرغيزستان: "إن هناك العديدَ من حالات الاختطاف التي تم فيها إجبار الفتيات على الزواج من رجالٍ معاقين بدنيًّا وذهنيًّا، ومن أرباب السجون والمجرمين، وفي بعض الأحيان من رجالٍ مصابين بأمراض نفسية وعصبية خطيرة".

 

- المهر: يرى القليل من الرجال القيرغيز أن خطف النساء للزواج أيسر من الزواج المتعارف عليه أو الزواج بالتراضي والتوافق؛ ففي حالة الخطف يكون الرجل غير مكلف بدفع المهر ونفقات الزواج (المهر حسب التقاليد القيرغيزية من حقِّ والد الزوجة)، إذْ تجد المرأة المخطوفة نفسها وحيدة أمام خاطفها وأهله؛ لذلك تكون مجبرةً على قبول الزواج من خاطفها بدون شرطٍ أو قيد.

 

نهاية مأساوية

معظم الزيجات التي تتم عن طريق الاختطاف تنتهي بشكلٍ مأساوي؛ فإن أبت الفتاة المخطوفة الإذعان لطلب الخاطف وأهله بقبول الزواج، تتعرض للاغتصابِ حتى لا تجد سبيلاً للخلاص إلا الزواج من خاطفها، وفي أحيان أخرى تنتحر الفتاة المخطوفة، وفي معظم الأحيان تنتهي هذه الزيجات بالطلاق.

 

وتشير الإحصائيات إلى أن 80% من المخطوفات يقبلن بالزواج من الخاطف تحت ضغوط المجتمع الذي لا يرحم النساء المخطوفات، وفي بعض الأحيان تحت ضغوطِ أهلهن الذين يخشون الفضيحةَ والعار، فإن عادت الفتاة من بيت الخاطف دون الزواج منه فإن هذا يعني العار لها ولأهلها، مع أنه في نفس هذا المجتمع لا يُنظر إلى انحلالِ النساء وارتكابهن الكبائر والمحرمات بنفس هذه الصورة الجاهلية.

 

القانون لا يُعاقب الخاطفين!

من الناحية النظرية تمَّ تجريم خطف النساء في العهد السوفييتي، وكذلك في ظل القانون الجنائي القيرغيزي لعام 1994م؛ فالمادة 155 من القانون الجنائي تنص على أن "إجبار المرأة على الزواج أو الاستمرار في زواجٍ لا تقبله، أو اختطافها بغرض الزواج بدون رضاها جريمة يعاقب عليها القانون"، إلا أنه من الناحية العملية لم يتم تفعيل هذه القوانين.

 

وتذكر منظمة مراقبة حقوق الإنسان "Human Rights Watch" في تقريرها الصادر عام 2006م أنه الرغم من غزارة الأدلة الجنائية ضد العديد من الخاطفين فلم يتم تجريم أي منهم إلا في حالات نادرة تم فيها اغتصاب الفتاة، وفي الغالب تكون العقوبة غرامة مالية زهيدة يدفعها الجاني وينتهي الأمر".

 

وفي لقاءات للمنظمة مع العديد من المسئولين الحكوميين القيرغيز؛ لم يقرّ أحد منهم بأن اختطاف النساء جريمة، وأصروا على أنه عادة قيرغيزية.

 

وكذلك ترى الوكالة الحكومية القيرغيزية للدفاع عن حقوق المواطنين أن اختطاف النساء بغرض الزواج "عادة تُسعد النساء"، وأنه لم تصدر أية شكوى بخصوصها، وقال مستشار الرئيس القيرغيزي لحقوق الإنسان في لقاءٍ مع المنظمة الحقوقية: "إن معظم مشكلات الناس تُحل بقوانين الناس"! وهذا يعني أن اختطاف النساء من وجهة نظره ليس بالمشكلة التي تحتاج إلى القوانين المنصوص عليها.

 

إن جريمة اختطاف المسلمات وانتهاك أعراضهن في قيرغيزستان أحد أشكال الإساءة إلى الدين الإسلامي الحنيف الذي حرّر المرأة وكرّمها، وقدَّم لها الحماية، وهذا يستدعي أن تقوم الدول العربية والإسلامية والمنظمات الإسلامية العاملة في قيرغيزستان بدورها في حماية النساء من العادات الجاهلية التي ما زالت تمارس ضدهن، وتعريف الناس بالإسلام وتكريمه للمرأة وصيانته لحقوقها.

----------

* المصادر Wikipedia

http//en.wikipedia.org/wiki/Bridekidnapping

تقارير منظمة "هيومان رايتس ووتش":- Bride kidnapping 2006

ttp//hrw.org/reports/2006/kyrgyzstan0906/3.htmToc145487948

Kyrgyzstan Bride-Kidnapping, Domestic Abuse RampantBishkek,

eptember 27, 2006))http//hrw.org/english/docs/2006/09/27/kyrgyz14261.htm

--------

* بالاتفاق مع المجتمع