رغم أن السلطات التونسية ترفع الكثير من الشعارات البراقة إلا أنها تأتي نقيضها؛ مما يضع المُتابع في متاهة الخلط والازدواجية.
ومن نماذج تلك الازدواجية ما ينص عليه دستور الجمهورية التونسية في الفصل الخامس: "الجمهورية التونسية تضمن حرية الفرد وحرية المعتقد وتحمي حرية القيام بالشعائر الدينية، ما لم تخل بالأمن العام". ونص الأمر 1876 لسنة 1988م في الفصل 64: "لا يُمنع السجين من أداء شعائره الدينية مدة إقامته بالسجن".
ولنتابع تطبيق تلك النصوص على أرض الواقع التونسي المر:
الصلاة: وعلى قدر أهمية هذه الفريضة في الإسلام على قدر الاضطهاد والعذاب الذي سُلِّط على سجناء الرأي بسببها.
فقد عُمِّم منع إقامة الصلاة جماعةً في كافة السجون قبل صدور الأحكام في المحكمتَين العسكريتَين (القضيتين 76110 و 76111) في أواخر أغسطس 1992م.
واتسم تنفيذ هذا الإجراء بالصرامة البالغة، ولا مجال هنا للحديث عن صلاة الجمعة؛ فهذه الفريضة وإن أُقيمت في فترة من الفترات في بعض السجون، فإنها لا تعدو أن تكون حالةً شاذةً لا غير، علمًا بأن معظم الإجراءات والمضايقات- إن لم نقل كلها- كانت تنطلق من السجن المدني بتونس العاصمة، المعروف بالحبس الجديد أو حبس 9 أبريل، ومنه تنتشر في بقية السجون.
حيث مُنعت صلاة الجماعة منعًا باتًّا، وأدَّى السجناء الصلاة فرادى، ولكن مقاومة سجناء الرأي جعلت الإدارة تتراجع، وسمحت بإقامة الصلاة مثنى مثنى، وفي سجونٍ أخرى كانت الصلاة تقام أفذاذًا- فرادى- في غرف، وتقام أزواجًا في غرف أخرى، بقدر إصرار السجناء على التمسك بالصلاة أزواجًا، وتصديهم للترتيبات التي تريد الإدارةُ فرضَها.
ومثال ذلك سجن "برج الرومي" في عهد مديره (ب.ك) في عام 1993م وما بعدها؛ حيث تفنَّن السجَّانون في اختلاق الترتيبات الغريبة المنظمة لإقامة الصلاة؛ من ذلك منع إقامة فردَين الصلاة في نفس الوقت؛ بحيث إذا صلَّى الأوَّل صلاة المغرب مباشرةً عقِب الأذان فإن الآخر يؤدِّي الصلاة نفسها عند أذان العشاء، وكان ذلك في عام 1994م: غرف 5، 6، 7، 8، أو جناح (ب) حاليًّا.
أما في الغرف والأجنحة التي مُنعت فيها الصلاة أزواجًا؛ فالويل كلَّ الويل لمَن يوافق ركوعُه أو سجودُه ركوعَ مصلٍّ آخر أو سجودَه في غرف 1، 2، 3، 4، التي كان يشرف عليها (ب.د)؛ لأن ذلك يُعدُّ صلاة جماعة، ومن تجرَّأ وسمحت له نفسه بذلك يكون جزاؤه العذاب الأليم في الجناح (المضيق)، مع قضاء 10 أيامٍ في الحبس الانفرادي، مع فقْده آليًّا فراشَه (سريره) ليعود من جديدٍ إلى النوم على الإسمنت- أو ما يُعرف بلغة السجن: الكدس- لمدة أشهر تطول أو تقصر، حسب واقع الاكتظاظ وعدد النائمين على الأسمنت (الكدس) السابقين له.
وبلغت الفتنة أوْجَها عندما بادر أحد مديري السجون في عام 1995م، وهو (ر.ع) بإصدار تعليمات تقضي بمنع صلاة الصبح قبل التعداد الصباحي للمساجين؛ ويعني ذلك في الواقع منعَ إقامة صلاة الصبح قبل الساعة الثامنة والنصف صباحًا.
وقد أثار ذلك القرار غضبَ سجناء الرأي الذين أصرُّوا على إقامة الصلاة لوقتها؛ فكان جزاؤهم معركة يومية مع السجَّانين المدجَّجين بأنواع الأسلحة، ناهيك عن الهراوات الغليظة والتعتيم الإعلامي البغيض والتواطؤ السياسي المقيت، وابتسامات المدير المعبِّرة عن رضاه وتشجيعه!!.
وتكرَّر نفس الحظْر في صلاة الصبح في سجن "قابس" في خريف 1995م، ثم عُمِّمت تلك الجريمة في عام 1996م في سجون جندوبة وبنزرت المدينة وبرج الرومي.
عقوبات لا أخلاقية!!
وفي أحد أعياد عام 1996م أدَّى بعض سجناء الرأي صلاةَ العيد في جناح "ج" بسجن تونس، وبلغ الأمرُ الإدارةَ، فعاقبتهم بالتداول ولمدة 15 يومًا في غرفة الشواذ جنسيًّا (غرفة 8 جناح د1).
من أبرز هؤلاء السجناء: الدكتور منصف بن سالم، وطبيب الفقراء (أ. أ)، والمهندس (ع. ج)، والمناضل الكبير (م. ع)، والسجين (ع. م).
ومن التدابير الغريبة التي سنَّها بعض المديرين- ومن أبرزهم (ر. ع) و(ب. ك)- في تثبيط سجناء الحق العام عن إقامة الصلاة، نقل المصلِّين منهم من غرفة إلى أخرى؛ بحيث يفقد السجين فراشه (السرير) عند نقله، ويبدأ دوامة الانتظار؛ انتظار دوره في الحصول على فراشٍ من جديد، وقد يقضي عدة أسابيع أو أشهر وهو يفترش الإسمنت ليحصل على ما اعتبره أمر 1876 في فصله العاشر حقًّا من حقوقه يتمتع به مباشرةً عند دخوله السجن، إلا أنه لن يتمتع بثمرة انتظاره طويلاً؛ لأنه سيُنقل من جديد إلى غرفة أخرى، إن لم يُنقل قبل ذلك!!.
منع الاستحمام
ولا يفوتنا هنا أن نذكر منع الإدارة الاغتسال في الغرف، لكن ما حيلة ذلك الشاب الذي أصبح جُنُبًا؟! هل ينتظر دورة الاستحمام العام التي قد تأتي بعد أسبوع أو أسبوعين وقد لا تأتي إلا بعد عدة أسابيع؟!.
كان الاغتسال في الغرف ممنوعًا منعًا باتًّا في سجون عديدة، مثل سجن تونس وبرج الرومي والمهدية؛ لذلك ترى السجين الذي يعتزم الاغتسال يتستر ويتلطَّف كي لا يُشعِر أحدًا بما يزمع القيام به، فتراه يختار الوقت المناسب، مثل بثِّ مقابلةٍ رياضيةٍ أو مسلسل تلفزيوني ينشغل عموم السجناء بمتابعته، ثم يخفي المنشفة تحت ثيابه، ويتسلَّل إلى دورة المياه، ثم ينزع ثيابه ويضعها في سلة محجوبة عن الأنظار، ويتظاهر بقضاء حاجته، ويسكب الماء على جسده بلطفٍ من قارورة أعدَّها للغرض؛ تجنبًا لإحداث أي صوتٍ يمكن أن يشيَ به سيلان الماء، ويؤجل غسل شعر رأسه لكيلا يُقبَض عليه متلبسًا بـ"جريمة الاغتسال"!!، وكل هذه الاحتياطات قد لا تؤدي إلى تجنيبه "وليمة" في السجن المضيق، ثم 10 أيام في غرفة انفرادية.
الصوم
نلاحظ بدءًا أن عدد سجناء الحق العام الذين يؤدون هذه الفريضة قليلٌ جدًّا، ويزداد هذا العدد تقلُّصًا مع تقدُّم شهر رمضان، ومن أبرز ما يحضرني في مسألة الصيام ما أقدم عليه السيد مدير السجن المدني بالمهدية، الملازم أول (س.غ) سنة 1997م.
ففي أول يوم من شهر رمضان عمد المدير المذكور إلى بثِّ شريطٍ سينمائي إباحي في منتصف النهار عبر شبكة الفيديو، وتكرَّر الأمر عدة مرات بنهار رمضان؛ الشيء الذي استفزَّ كافة السجناء وأحدث لديهم امتعاضًا شديدًا.
وطيلة شهر رمضان لا غضاضةَ في أن يسهر السجناء إلى حدود انتهاء بثِّ التلفزة التونسية لبرامجها دون أي قيدٍ أو تخفيضٍ للأصوات، لكن بمجرد انتهاء الإرسال التونسي فإن أي صوتٍ أو حركة يعرِّض صاحبه للمؤاخذة والعقاب، وهو ما وقع للسجين (ب. ب) وجمع من رفاقه في الأيام الأولى من شهر رمضان 1994م في سجن برج الرومي؛ لأن الصائمين عامةً يفضِّلون تناول السحور قبل الفجر بقليل؛ وهو ما يعني تناوله بعد انتهاء الإرسال بثلاث ساعات تقريبًا.
أما صلاة التراويح فلم تدِّخر إدارة برج الرومي جهدًا لمنعها؛ فترى أعوان الحراسة الليلية يلهثون من غرفةٍ إلى أخرى؛ بحثًا عن المخالفين، أما داخل الغرف فكل شيء مباح: الغناء الشعبي، الميسر، الشطرنج، وحتى الفاحشة كما حدث في سجن جندوبة عام 1996م، وفي الليالي الأولى من شهر رمضان!!.
تلاوة القرآن الكريم
في بداية رحلة العذاب (1990- 1991م) كان من المسموح به جلْب كتب التفسير، وكتب السيرة، والفقه، وأصوله، وكتب اللغات، ثم بدأت الانتكاسة بعد صدور الأحكام في المحكمتَين العسكريتين، وتربَّع (أ.ح) على كرسي المدير العام في أواخر صيف 1992م، ثم مُنع جلْب الكتب.
وفي مرحلة تالية سُحبت الكتب التي سبق أن جلبها أصحابها، وحُجزت في حملات تفتيش، ولم تكتف الإدارة بذلك، بل عمدت إلى حجز المصاحف التي تضم بين دفتيها زيادةً على سور القرآن الكريم شرحًا للألفاظ أو أسباب النزول، مثل تفسير الجلالين، أو شرح ألفاظ القرآن الكريم للشيخ حسنين مخلوف.
ثم تلت مرحلة أخرى عمدت فيها الإدارة إلى حجز المصاحف التي تحتوي على دعاء ختم القرآن؛ فترى كثيرًا من السجناء الذين بلغهم هذا الإجراء يعمدون إلى تقطيع تلك الصفحات؛ سعيًا منهم للاحتفاظ بالمصحف.
وليت الأمر وقف عند هذا الحد في سجن صفاقس، بل حرَّموا الكتب الفكرية ووسائل التثقيف المختلفة، ومنعوا سجناء الرأي من مواصلة دراستهم، بل حرموهم من وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية.
وإن كانت تلاوة القرآن من المقرِّبات إلى ربِّ العزة، فإنها في السجون التونسية سببٌ لأنواع شتى من العقوبات؛ من ذلك أن العريف أول (ع.ر) هدَّد السجين (ق.ب.س) الذي كان يتلو القرآن بصوت مسموع، بوضعه في بالوعة المياه المستعملة في يوليو 1995م في السجن المدني بـ"الهوارب".
أما أولئك الذين كانوا في غرفة1 من جناح (ه) بالسجن المدني بتونس، فقد حُِرموا كلهم من أسرتهم؛ لأن السيد الوكيل (ع.ح) رأى في تلاوتهم للقرآن رموزًا يريدون تمريرها إلى سجناء الرأي في جناح (ج)!!.
ولا يجوز لنا أن نختم هذا العنصر دون ذكر فعل شنيع أقدم عليه من سمَّى نفسه "شارون"!!، وكان يومها مديرًا لسجن "حربوب" بولاية "مدنين" في الجنوب التونسي؛ فقد سمح لنفسه بالدَّوْس على المصحف على مرأى ومسمع من العام والخاص!!.
الأمر نفسه قام به (ش.ب) الذي تولَّى إدارة سجن قابس ثم صفاقس.
سب لفظ الجلالة!!
إن كان من المؤسف تفشي ظاهرة سبِّ الله في المجتمع التونسي عمومًا، فإن هذه الظاهرة قد استشرت في الفضاء السجني بصورةٍ مفزعةٍ، ومع ذلك فهي لا تقابَل بأي استهجان أو ردعٍ لها، بل تجد شيئًا من التشجيع بغضِّ الطرف عن مرتكبها وعدم تحرج الأعوان؛ بل إن من الضباط والمسئولين مَن يتفوَّه بها!!.
وكثيرٌ هم المديرون ومساعدوهم وأعوانهم الذين لا يرون أي حرجٍ في سبِّ لفظ الجلالة، ولا يستنكفون من ذلك أبدًا!!.
ففي شهر يونيه 1994م دخل السجينان (ق. ب. س) و(ب. ل) في إضرابٍ عن الطعام؛ لتعمُّد (م. ح) مساعد مدير السجن المدني بالمهدية، سبَّ الله- تعالى- أثناء تأديتهما للصلاة (صلاة المغرب داخل الغرفة 17)!!.
وكذلك عاقب (م. ز) مدير سجن برج الرومي في عام 1991م السجين (ع. المجتمع) وبعد تقييد يديه ورجليه، وضعه على سرير حديدي وهو عارٍ تمامًا، وشرع في جَلْده، طالبًا منه سبَّ لفظ الجلالة إن أراد لنفسه السلامة!!.
ولا يزال في سنة 2003م من يتباهى من مسئولي السجون بسبِّ لفظ الجلالة، وأذكر هنا "باديس" مساعد المدير بسجن صفاقس الجديد (سجن طينة).
الإرشاد الديني والأخلاقي
أما ما ورد في أمر 1876 في الفصل 65 والذي ينصُّ على أن "تُنظَّم للسجناء برامج للإرشاد الديني والأخلاقي بواسطة وعَّاظ مختصين، أو بواسطة الإطار التربوي التابع للإدارة العامة للسجون والإصلاح"، فإنه لا يعدو أن يكون حبرًا على ورق.. نعم، كانت هناك في بداية المحنة بعض البرامج للإرشاد الديني والأخلاقي في بعض السجون، لكن سرعان ما توقَّفت بعد ذلك؛ فهل يُنتظر من واعظ أن ينهَى عن الصلاة وأن يأمر بالتصدي لصلاة الجماعة، وأن يشجع على سبِّ لفظ الجلالة وأن يدعوَ إلى الفواحش؟!.
وقد تكفَّّل بهذه المهام الإطار التربوي للإدارة العامة للسجون والإصلاح وبعض وجوه "الفن والثقافة" بعد ذلك، ومن وعْظهم ما كان يقوم به (س. ق) المرشد النفساني بسجن الهوارب سنة 1993م 1994م تحت إدارة (ف. ر) بجمع سجناء الرأي، ويشرح لهم أن اللواط ممارسةٌ عاديةٌ، لكنّ الفكر الظلامي الديني يستقذره ويستبشعه لا غير، ولا بأسَ من تعاطيه!!.
وعلى عكس المسلمين من السجناء، ما كان يتمتع به السجين اليهودي أو المسيحي في السجون التونسية بالسماح لهم بحريةٍ كاملةٍ في إقامة طقوسهم وشعائرهم بحضور رجال دياناتهم، وتؤدَّى هذه الطقوس في مكاتب أُعدِّت للغرض، ولهم أن يقرءوا كتبهم المقدسة!!.
حظر سجادة الصلاة
وفي سعيه للتصدي لكل ما له علاقة بالدين، ارتأى (ف. ر) مدير سجن الهوارب حجْزَ كل السجادات، وقام بحملات تفتيش للغرض، وعمد السيد المدير بعد حجزها إلى تزيين المكاتب الإدارية المختلفة بها، فتراها معلَّقةً أو ملقاةً على الكراسي في المكاتب الإدارية، لكن لا يجوز للمعتقلين أن يصلوا عليها.
وكذلك فعل (ر. ع) مدير سجن المسعدين الذي قد يكون آذاه برد أرضية مكتبه، فوضع سجادة محجوزة تحت قدميه؛ وذلك ما عاينه السجين (أ. ع)، كما حجز (ع. ع) مدير سجن برج الرومي سجادتي في أغسطس 1999م ولم يُسمح لي باسترجاعها حينما نُقلت من هناك.
هذه بعض ملامح التعامل مع شعائر الدين ومظاهره في السجون التونسية، ونحن على يقين من أن هناك من الممارسات الكثير الذي لم يبلغنا عنها شيء، ولعلها أشد فظاعةً مما أوردنا في هذه العجالة، لكن حسبنا أن شرعنا في عملية التوثيق لهذه الفترة، وعساها تكمل الصورة، ويطلع مَن يريد الاطلاع على واقعٍ مريرٍ حرصت الإدارة طويلاً على التعتيم عليه بمعاقبة كلِّ مَن سمحت له نفسه بنقل شيء من حياته التعيسة في غياهبِ السجون إلى العالم الخارجي!!.
------------
* بالاتفاق مع المجتمع