ما يحدث في تشاد الآن من مناورات عسكرية بين الحكومة والمتمردين، يمثِّل أزمةً حقيقيةً، ليس فقط للشعب التشادي الذي يعاني من عدم الاستقرار منذ فترة طويلة تصل لما يقرب من ثلاثة عقود، وإنما كذلك للدول العربية المجاورة بما في ذلك مصر؛ حيث يلاحظ في الآونة الأخيرة أن هناك العديد من المحاولات الخاصة بتطويق مصر، وفرض حصار شديد عليها من مختلف الجوانب، وعلى الأخص من قبل الجنوب، وهو ما بدَت ملامحُه بعدما تم تهميش الدور المصري في إفريقيا عمومًا وفي السودان خصوصًا؛ مما أدى لانفراد الحركة الشعبية لتحرير السودان بمنطقة الجنوب، وما تبعه من محاولات خارجية للسيطرة على دارفور، إلى غير ذلك من المحاولات ذات التأثير السلبي على الأمن القومي المصري، وآخرها الأزمة التي تشهدها تشاد حاليًّا، وما قد تسفر عنه من نتائج كارثية في المستقبل على السودان ومصر على حد سواء.

 

أصول عربية

تشاد تعتبر دولة من الممالك العربية الإسلامية القديمة؛ حيث قامت بها أول مملكة في القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي)، وهي مملكة كانم شمال شرق بحيرة تشاد، ثم اتَّسع نفوذها في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، حتى شمل منطقة السودان الوسطى بأكملها.

 

وقد ظلت تشاد على هذه الحال إلى أن تم احتلالها من قبل فرنسا في بداية القرن العشرين حتى عام 1960، وهي واحدة من كبرى دول إفريقيا مساحةً وأغناها تنوعًا عرقيًّا ولغويًّا، ويبلغ تعداد سكانها حوالي 10 ملايين نسمة، يشكِّل المسلمون 52% منهم، يتركَّزون في الشمال والشرق مقابل 30% من المسيحيين معظمهم في الجنوب، أما النسبة الباقية فمن الوثنيين والمعتقدات القبَلية، وعلى الصعيد العِرقي واللغوي يشكِّل العرب والشعوب الصحراوية السودانية معظم السكان المسلمين.

 

صراع قديم

تعد الأزمة الأخيرة في تشاد امتدادًا لتلك الأزمات التي مرَّت عليها؛ نتيجةً للتدخل الفرنسي في أراضيها، بدايةً من عام 1900م، وقيامها بتحويل المجتمع التشادي المسلم من مجتمع منفتح على جيرانه من الدول الإسلامية في القارة إلى وضعه في دائرة ضيّقة صغيرة عُرفت بتشاد، ثم تقسيم قبائلها تقسيمًا عشوائيًّا في عدد من الدول التي تم إنشاؤها ما بين فرنسا وبريطانيا وإيطاليا، بل وتغيير هويتها الإسلامية التي عُرِفت بها قرونًا، وذلك من أجل ديمومة الاضطرابات والصراعات؛ باعتبار أن تلك هي الوسيلة الوحيدة للحفاظ على مصالحها في هذه المنطقة الإستراتيجية لها في وسط إفريقيا.

 

فمنذ أن حصلت تشاد على استقلالها في الستينيات من القرن الماضي، وهي تعاني من عدم الاستقرار؛ بسبب التدخلات الفرنسية والغربية في مجمل الأمور الداخلية، والذي وصل لحد اختيار الرؤساء ودعمهم نظُمَهم؛ بدايةً من الرئيس فرانسو تومبالبالي، الذي أصدر قرارًا بمنع أحزاب المعارضة من العمل السياسي، وأسَّس عوضًا عن ذلك حزبًا واحدًا حكم به البلاد؛ الأمر الذي أدى إلى احتقان سياسي وصل عام 1965 إلى حدِّ الحرب الأهلية.

 

وقد أسفرت هذه الاضطرابات عن انهيار نظام حكم تومبالبالي ثم قتله عام 1975 إثر انقلابٍ قاده فيلكس ملوم، لكنَّ العنف استمرَّ حتى 1979م حيث دخل المتمردون العاصمة نجامينا وسيطروا عليها، مرورًا بوزير الدفاع السابق الجنرال حسين حبري المدعوم فرنسيا، والذي تولَّى الحكم عام 1982م بعد انقلاب عسكري، واندلعت حرب بينه وبين ليبيا انتهت عام 1987 بانسحاب الأخيرة بعد خسائر مُنِيَت بها هناك.

 

سبب الأزمة
 
 الصورة غير متاحة

إدريس ديبي

وكسابقِه حكم حبري البلاد أيضًا بحزب واحد ومنح أبناء قبيلته دازا المناصب، وشاع في إدارات الدولة الفساد واستمر العنف، ونظرًا لديكتاتورية حبري عمدت قبيلة الزغاوة إلى دعم الجنرال إدريس ديبي الذي ينتمي إليها في انقلابه على حبري عام 1990.

 

وبالفعل نجح ديبي في إعادة التعددية السياسية، وتصالحت الفصائل المسلَّحة فيما بينها، وأصدر دستورًا جديدًا حَظِي بموافقة المواطنين في استفتاء عام؛ ونتيجةً لهذه الإصلاحات فاز بسهولة عام 1996 في انتخابات رئاسية تنافسية، وفاز أيضًا بولاية رئاسية ثانية بعد خمس سنوات.

 

وعلى عكس ما توقَّع الكثيرون عاد العنف مجدَّدًا بسبب قيام الرئيس ديبي بإدخال تعديلات على الدستور في يونيو 2005 تسمح له بالترشُّح لولاية ثالثة، ملغيًا نصًّا كان يقصر ترشيح الرئيس على مدتين.

 

وقد قوبل هذا التعديل بمعارضة شديدة من الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، وقرَّروا مقاطعة الانتخابات واعتبروها غير شرعية، ورغم ذلك فاز ديبي في مايو 2006 بولاية ثالثة؛ الأمر الذي دفع المعارضة إلى تشكيل تكتُّل أطلقوا عليه "الجبهة المتحدة من أجل الديمقراطية والتغيير"، وقد حاول هذا التكتل السيطرة على العاصمة نجامينا في أبريل 2006، لكنهم فشلوا وقُتلت منهم أعداد كبيرة.

 

وقد كرَّروا نفس المحاولة مرةً ثانيةً، وباءت محاولتهم أيضًا بالفشل؛ الأمر الذي يعني أن حالةً من عدم الاستقرار ستشهدها تشاد خلال الأيام والشهور القادمة؛ إذ لا يزال كل طرف يصر على مطالبه، فالجبهة تعتبر انتخابات الرئاسة غير شرعية وتعترض على إلغاء النص الدستوري سابق الذكر، في حين يصر الرئيس على أن خطوته تمَّت بموافقة شعبية، وأن الدستور قابل للتغيير إذا أراد الشعب.

 

والحقيقة أن المشكلة هنا ليست في تجدُّد الصراع، وإنما في انعكاساته السلبية على الدول المجاورة، خاصةً على إقليم دارفور، ذلك أن الصراع في دارفور وتشاد مترابط؛ ولذلك سبق أن حذَّر الاتحاد الإفريقي من محاولة تفجير الخلافات التشادية؛ لأنه سيمتدُّ إلى دارفور والمنطقة كلها.

 

موقف الأطراف الخارجية

 الصورة غير متاحة

جندي تشادي في أحد شوارع العاصمة نجامينا

كما هو متوقع لعبت الأطراف الدولية والإقليمية دورًا كبيرًا في حدوث أزمة سياسية وإنسانية كبيرة في تشاد، أو بعبارة أكثر دقةً في الحفاظ على مصالحهم في تشاد وغيرها من الدول الإفريقية، التي تلعب فيها التدخلات الخارجية دورًا كبيرًا، وهذا في الواقع ما أدَّى إلى هزيمة المعارضة في الأزمة الأخيرة في آخر اللحظات، بعدما كانت متقدمةً وبشكل مريب إلى العاصمة، بعدما نجح الرئيس ديبي وبحنكته السياسية المعروفة في أن يقنع الفرنسيين ويجعلهم في اللحظات الأخيرة من الصراع في العاصمة إلى جانبه.

 

فالموقف الفرنسي وكما هو معروف عنه مع القبيلة أو الطرف المنتصر والأقوى، ولها مصالح إستراتيجية في البلاد، وتدعم كل من يحافظ على هذه المصالح؛ لذا دعمت بكل الوسائل حركة إدريس ديبي ضد الرئيس السابق حسين حبري وأوصلته إلى سدَّة الحكم، وهي الآن كذلك تدرك جيدًا ماذا تريد من الأزمة الحالية، وإن تقيَّدت ببعض القيود التي تفرضها عليها صاحبة النظام العالمي الجديد؛ أمريكا.

 

كرازاي التشادي

أما أمريكا فإنها بعد المحاولات الانقلابية الفاشلة وحالات التمرد والسخط العام الذي يواجهه الرئيس الحالي، بدأت في إعداد العدة لتنشئة مجموعات شبيهة بـ"كرازاي، وإياد علاوي" لتسلم زمام الأمور في تشاد، مع دور محوري لها في توجيه بعض الأطراف إلى وجهتها في الوقت الراهن، وأن أي حكومة ستأتي يجب أن تضع في أولى أولياتها الحفاظ على مصالح أمريكا وعلى رأسها النفط واليورانيوم والذهب، بالإضافة إلى القضاء على كل مظاهر التدين في البلاد.

 

وفي الأزمة الأخيرة لوحظ تطابق رؤى أمريكا وفرنسا، من خلال تقييمهما الخاص للهجوم الذي شنَّه خصوم ديبي، بوصفه عبارة عن عملية سودانية بالوكالة، هدفها إفشال نشر "يوفور" و"القوات المختلطة" في دارفور، مع التصريحات النارية التي يُطلقها المسئولون في نجامينا ضد الرئيس عمر البشير وحكومته؛ بتهمة الإعداد لحرب من أجل إسقاط النظام التشادي؛ إذ تتهم نجامينا الخرطوم بالوقوف وراء الهجوم على نجامينا، وذلك كله بهدف تمهيد السبيل لنشر القوات الدولية في دارفور، ومن ثم تمهيد الطريق للقضاء على الحكومة السودانية الحالية، وبسط الهيمنة الأمريكية على حقول النفط الموجودة هناك.

 

أمن مصر القومي

 الصورة غير متاحة

ضحايا المواجهات العسكرية ملقاة في أحد شوارع نجامينا

يؤكد الخبراء والمحللون أن الأمن القومي المصري لا يقتصر على الحدود المصرية فقط, وإنما يبدأ من دارفور ومنابع النيل جنوبًا, والبحر الأحمر شرقًا, وليبيا في الغرب, إلى حدود سوريا في الشمال، ومن ثم فإنه لكي يتم حفظ الأمن القومي المصري يتعيَّن على الحكومات المصرية المختلفة الحفاظ على الأمن في تلك الدول, وإن كان الواقع يشير إلى تراجع دور مصر في تلك المناطق, ليس هذا فحسب، بل ولم يعُد لديها تصورات لحماية الأمن القومي والتعامل مع الأزمات التي تنشب هناك.

 

وخوفًا من تأثير تلك الأحداث السلبية على المصالح المصرية في المنطقة دعا الخبراء مصر إلى التحرك فيما يخص الأزمة التشادية، خاصةً أن تشاد تعتبر خلفية وادي النيل، كما أن منطقة غرب إفريقيا ستكون إحدى مناطق صراع القوى الكبرى، خاصة أنها مهيأة لأن تكون مصدرًا للبترول بديلاً لبترول الدول العربية؛ إذ أكد هاني رسلان رئيس وحدة السودان وحوض النيل بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية أن الاضطرابات التي تشهدها القارة الإفريقية حاليًّا ستنعكس بشكل كبير على مصر، خاصةً الاضطرابات القريبة من مصر نسبيًّا، مثل الصومال وتشاد وكينيا والسودان.

 

وأضاف الدكتور حلمي شعراوي رئيس مركز الدراسات العربية والإفريقية أن الصراع في تشاد له تأثير كبير على مصر؛ حيث إن تشاد تمثِّل خلفيةً لحوض وادي النيل والصحراء الليبية، مؤكدًا أن سبب الصراع يرجع إلى أن هذه المنطقة الممتدة من تشاد إلى نهاية الغرب الإفريقي تحتوي على احتياطي بترولي كبير جدًّا؛ لدرجة أنها مرشحة لتنافس منطقة الشرق الأوسط؛ ولذلك يتصارع عليها الأمريكيون والفرنسيون.

 

وعلى الصعيد الرسمي ونظرًا لخطورة ما يحدث على أمن مصر القومي أكد سليمان عواد المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية أن مصر تشعر بالقلق إزاء كل ما يزعزع استقرار إفريقيا واستقرار الشرق الأوسط، مضيفًا أن تشاد كان دائمًا يمثل أهميةً كبيرةً للأمن القومي السوداني بكل ما يحمله من أبعاد تتصل بالأمن القومي المصري على محوره الجنوبي.

 

وأوضح أن الأزمة في دارفور ألقت بانعكاسات إنسانية وسياسية وأمنية على الأوضاع في المناطق الحدودية المتاخمة لإقليم دارفور ومحافظة أديشا التشادية ومنطقة جنينة السودانية، معربًا عن أمل مصر في أن تسفر التطورات الأخيرة عن حقن الدماء وإنهاء الأزمة الحالية في تشاد بما يحفظ استقرار تشاد والسودان ومنطقة وسط إفريقيا ككل.

 

نخلص من ذلك إلى أنَّ هناك مخططًا يتم تنفيذه من قِبَل الإدارة الأمريكية ومن يدور في فلكها من القوى الغربية، وعلى رأسها فرنسا؛ من أجل تطويق المنطقة من جهة، والاستيلاء على ثرواتها من جهة ثانية، والوقوف في سبيل تحقيق ذلك ضد كل من يقف أمام تلك المخططات ويعرقل سيرها، حتى ولو أدى ذلك إلى الإضرار بأمن واستقرار الدول والشعوب.