أثارت الأزمة الأخيرة التي شهدتها كينيا، والتي كانت توصف بأنها واحةٌ للاستقرار في شرق إفريقيا، عدة قضايا؛ بعضها يتعلق بعملية التطور الديمقراطي في دول العالم الثالث، خاصةً فيما يتعلق بعملية التداول السلمي للسلطة، وبعضها الآخر يتعلق بالعلاقة بين النظام الحاكم والمعارضة، وثالثها يتعلق بوضع قوى الإسلام السياسي، وهل يمكن أن تكون عاملاً مرجحًا في عملية التحول الديمقراطي، حتى وإن كانت أقلية، ورابعها يتعلق بالعامل الخارجي، ومدى رهان النظم الحاكمة عليه في تثبيت دعائم حكمها، حتى وإن كانت نظمًا غير ديمقراطية، في مواجهة قوى الشعب.
وفي هذا الإطار يمكن القول بوجود عدد من الدروس المستفادة في هذا الشأن، لعل أبرزها ما يلي:
1- أن كينيا بالرغم من الأحداث الأخيرة شهدت درجةً من التطور الديمقراطي لم تشهدها العديد من دول العالم الثالث، صحيح أن هذا التطور استغرق بعض الوقت (قرابة 13 عامًا هي الفترة بين الأخذ بنظام التعددية الحزبية الشكلية وإجراء انتخابات حرة ونزيهة عام 2003)، إلا أن المعارضة تمكَّنت في النهاية من حسم الأمر لصالحها؛ حيث تمكنت من الفوز في انتخابات عام 2003 بعدما تحالفت في مواجهة حزب كانو الحاكم سابقًا، كما تمكنت من هزيمة مرشح هذا الحزب (نجل الرئيس كينياتا) في تلك الانتخابات؛ ليصل كيباكي، الذي ينتمي للمعارضة، إلى القصر الرئاسي للمرة الأولى في تاريخ البلاد، وهي ظاهرة تكررت في بعض البلاد الإفريقية الأخرى، لكنها لم تحدث في الدول العربية حتى الآن.
2- أن ظاهرة فوز المعارضة في انتخابات عام 2003 ليست هي المؤشر الأوحد على درجة التطور الديمقراطي في البلاد، إذ تلاها تطورٌ آخر لا يقل عنها أهميةً، تمثل في نتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي تقدم بها الرئيس كيباكي، والتي تضمَّنت تعديلات شكلية لا ترقى لمطالب المعارضة، بما فيها القوى الإسلامية التي كانت تنادي بوجود محاكم إسلامية خاصة بها للفصل في المنازعات التي تدور بين المسلمين؛ حيث صوَّت الشعب ضد هذه التعديلات في الاستفتاء الذي تم عام 2006، بالرغم من موافقة البرلمان، الذي يسيطر عليه الحزب الحاكم عليها، إلا أن الشعب الكيني ضرب مثلاً رائعًا في الإيجابية؛ حيث رفض هذه التعديلات الشكلية (بالرغم من ارتفاع نسبة الأميَّة لديه والتي تصل إلى 78%)، وكانت المفاجأة أن أربعة وزراء من حكومة الرئيس اعترضوا على الاستفتاء، فكان جزاؤهم العزل من الوزارة!!.
3- أن المعارضة في الانتخابات الأخيرة تمكَّنت من الفوز بأغلبية مقاعد البرلمان الـ210 (حصل حزب أودينغا على 99 مقعدا مقابل 43 لحزب كيباكي)، أي أن الحزب الحاكم سقط في الانتخابات البرلمانية، وهو ما أعطى مؤشرًا إلى أن المعارضة فازت أيضًا في الانتخابات الرئاسية، وهو ما اعترض عليه الرئيس كيباكي، ومن ثم تفجَّرت الأزمة الأخيرة.
4- أن عدم وفاء الرئيس بوعوده كان سببًا في هزيمته في الاستفتاء عام 2006، وكذلك في الانتخابات الأخيرة، فكيباكي تعهد بإنجاز مشروع الدستور الجديد خلال مائة يوم من وصوله للسلطة، وهو ما لم يحدث، كما أنه قام بإعداد مسودة جديدة للدستور تحافظ على صلاحياته الواسعة في مواجهة الحكومة، بالرغم من أن هذه المسودة استحدثت منصب رئيس الحكومة، كما أن كيباكي أخلَّ باتفاق وديٍّ بينه وبين أودينجا قبل هذه الانتخابات بشأن حصول الأخير على منصب رئيس الحكومة في حالة وصول الأول إلى منصب الرئاسة، لكن هذا لم يحدث.
![]() |
|
أعمال العنف شردت الآلاف من الأطفال في كينيا!! |
5- أن انتشار الفساد والمحسوبية، فضلاً عن الاستبداد من أهم العوامل التي ساهمت في زيادة حدّة المعارضة ضد النظام؛ حيث إن تركيز السلطة والثروة في يد إثنية الكيكويو التي ينتمي إليها الرئيس ساهم في زيادة حنق أنصار الإثنيات الأخرى؛ لذا وجدنا أن الأزمة أخذت بُعدًا إثنيًّا بعدما كانت أزمة سياسية فحسب، ولعل هذا مكمن الخطورة.
6- أن زعيم المعارضة أودينجا، والذي يُعدُّ أطول سجين سياسي في البلاد، نجح في استغلال أخطاء النظام، فضلاً عن تركيزه على الشباب والنخبة الجديدة الراغبة في التغيير لتشكيل القوى الداعمة له في مواجهة النظام.
7- أن الرهان على القوى الخارجية خاصةً الولايات المتحدة في مواجهة المعارضة يعدُّ أمرًا محفوفًا بالمخاطر؛ حيث يمكن أن تتخلى واشنطن عن هذه النظم في بعض الأحيان، فكيباكي يعدُّ أحد حلفاء واشنطن، خاصةً فيما يتعلق بمكافحة القوى الإسلامية في شرق إفريقيا، لكن واشنطن لم تقف بجانبه في الأزمة الأخيرة؛ بسبب الخوف من أن تنتصر المعارضة في نهاية الأمر، ومن ثم تصبح في حالة عداء معها، ولعل هذا يفسر التحوُّل في موقف واشنطن بعد إعلان كيباكي فوزه بهذه الانتخابات؛ حيث كانت من أوائل الدول التي أيَّدته، لكن مع اشتداد حدَّة الأزمة بسبب تصعيد المعارضة، بدأت واشنطن في الحديث عن تسوية سياسية للأزمة، ونقد الرئيس كيباكي نفسه، ولعل هذا يعد درسًا مهمًّا لبعض الحكام، خاصةً العرب، الذين يحتمون في واشنطن دون أن يدروا بأن واشنطن يمكن أن تتخلَّى عنهم في أي لحظة.
8- أن قوى الإسلاميين لعبت دورًا مهمًّا في حسم نتيجة الانتخابات لصالح المعارضة، بالرغم من أن عدد أصوات المسلمين يبلغ قرابة ثلاثة ملايين من أربعة عشر مليون ناخب؛ أي ما يعادل 21% من القوى التصويتية، لكنها تعاطفت مع أودينجا، بالرغم من توجهاته الشيوعية، على اعتبار أنه قد يكون البديل المناسب لهذا النظام الذي يتحدث عن أوهام دون تنفيذ وعوده على أرض الواقع.
