استقبل العالم اليوم مولد دولة كوسوفا عن صربيا بعد رحلةٍ طويلةٍ من المعاناة بدأت منذ أفول شمس الخلافة الإسلامية عن البلقان، في خطوةٍ بدا أن مؤيديها أكثر من معارضيها؛ لتدق كوسوفا أبواب التاريخ وتُسطِّر مرحلةً جديدةً وفاصلةً من عمر قضيتها المخضَّبة بدماء الشهداء وصرخات المغتصَبات.
تقع كوسوفا في البلقان في وضعٍ حبيسٍ؛ يُحاصرها من الشمال والشمال الشرقي "صربيا"، ويحدُّها من الجنوب مقدونيا وألبانيا، ومن الغرب الجبل الأسود، وتبلغ مساحتها 10887 كيلو مترًا مربعًا.
وتبلغ نسبة المسلمين حوالي 95% من عدد سكانها الذي يصل لثلاثة ملايين نسمة، والذين ينقسمون إلى عدة عرقيات، هي: 90% "ألبان"، و4% "صرب"، و3% "أتراك"، و2% "بشناق"، و1% "قوميات أخرى" في دلالةٍ واضحةٍ على الوجود الصربي.
احتفاء كبير
هاشم تاجي

وقد بدأ ألبان كوسوفا احتفالاتهم منذ أمس، وشهدت بريشتينا عاصمة إقليم كوسوفا احتفالات غير مسبوقة؛ خرج فيها الألبان إلى الشوارع احتفاءً بالاستقلال الذي أعلنه رئيس وزراء كوسوفا هاشم تاجي الذي كان أحد قادة المقاومة المسلَّحة للاحتلال الصربي، أنه سيتم اليوم الأحد، مشددًا على أن الاستقلال جاء لتتحقق "إرادة مواطني" الإقليم.
وأكَّد تاجي أن الدستور جاهز والشعارات جاهزة، مضيفًا أن جميع الرسائل تقول: إن كوسوفا مستعد لإعلان الاستقلال، وذكرت الصحف الكوسوفية أن البرلمان سيعقد جلسةً استثنائيةً الساعة 14:00 بعد ظهر اليوم للتصويت على الاستقلال.
جاء ذلك بعد خطة الوسيط الدولي مارتي اهتيساري التي نصَّت على استقلال كوسوفا "تحت إشرافٍ دولي".
مواقف متناقضة!
وبينما قرَّر الاتحاد الأوروبي إرسال بعثة أمنية وقضائية إلى الإقليم، وجَّهت صربيا احتجاجًا رسميًّا إلى الاتحاد الأوروبي اعتبرت فيه القرار غيرَ قانوني، خرج نحو ألف متظاهر صربي؛ تعبيرًا عن احتجاجهم على استقلال ما يعتبرونه جزءًا من دولتهم.
![]() |
|
فرحة غامرة للألبان باستقلال كوسوفا عن صربيا |
واعتمدت الحكومة الصربية قرارًا يدعو إلى إلغاء إعلان استقلال كوسوفا، وقالت في بيان مكتوب إن مثل هذا الإعلان "سيشكل خرقًا لسيادة صربيا ووحدة أراضيها".
وقال فويسلاف كوستونيتشا رئيس الوزراء الصربي: إن بلاده لن تسمح بأن تتعرَّض للإذلال على يد "دولة دمية" تُقام على أراضيها، في إشارةٍ إلى كوسوفا.
لكن السفير الصربي في الأمم المتحدة أكَّد أن بلاده ستمتنع عن اتخاذ إجراءاتٍ انتقامية، مثل قطع التجارة وخطوط المواصلات في حال أعلنت كوسوفا الاستقلال.
وحذَّر فلاديمير بوتين الرئيس الروسي- روسيا تشترك مع صربيا في مذهبٍ ديني واحد- من أن الاعتراف باستقلال كوسوفا المتوقَّع إعلانه خلال أيام سيكون غيرَ شرعي وغيرَ أخلاقي!!، رافضًا ما يُقال عن أن كوسوفا تُشكِّل "حالةً خاصة"، وأكد أن روسيا "لن تُقلِّد الغرب"، محذرًا من أن موسكو "تملك خطةً جاهزةً، ونحن نعلم ما سنفعل".
بينما قرَّرت باريس تنسيق المواقف الأوروبية من أجل الاعتراف المتزامن باستقلال إقليم كوسوفا، خاصةً في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي غدًا لبحث موقفٍ مشتركٍ من الاستقلال، وأعلنت باسكال أندرياني الناطقة الرسمية باسم الخارجية الفرنسية أن باريس تُنسِّق مع شركائها الأوروبيين بشأن الاعتراف بإعلان استقلال كوسوفا.
وأعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش دعمه لاستقلال إقليم كوسوفا، وتعهَّد خلال زيارته لتنزانيا بأن تعمل بلاده مع حلفائها لضمان عدم وقوع عنف بكوسوفا بعد الاستقلال، وقال: "موقفنا هو أنه يجب تسوية وضع الإقليم لكي تنعم منطقة البلقان بالاستقرار".
ومن المتوقَّع إعلان نحو 20 دولةً- أبرزها بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا- تأييدَها للاستقلال، في حين شدَّدت دول كقبرص واليونان وسلوفاكيا وإسبانيا ورومانيا على أنها ستتريَّث قبل أن تعترف به.
ومن المنتظر أن ينشر الاتحاد الأوروبي نحو ألفي شخص- بينهم 1500 شرطي و250 قاضيًا ومدعيًّا عامًّا- وستصل طلائع هؤلاء في غضون أسبوعين، فيما أكَّدت بعثة الأمم المتحدة التي تُدير كوسوفا منذ العام 1999 لن تنقل صلاحياتها إلى حكومة كوسوفا إلا بعد مرحلة انتقالية تستمر 120 يومًا يتمُّ خلالها تأهيل الحكومة من قِبل الاتحاد الأوروبي لاستلام مهام الحكم.
وكان الاتحاد الأوروبي وافق أمس على بعثة من 1800 فرد تحلُّ خلال أربعة أشهر محلَّ البعثة الأممية بالإقليم, مهمتها بناء أجهزة الشرطة والعدالة والجمارك, إضافةً إلى حفظ الأمن الذي يقف عليه 700 شرطي مدرب على مواجهة الشغب والمظاهرات.
مخاوف بوسنية
ومن ناحية أخرى ظهرت على السطح تخاوف بوسني من استقلال كوسوفا؛ خوفًا من انجرار منطقة البلقان إلى انتقامٍ صربي؛ حيث حذَّر زعيم المسلمين البوسنيين حارث سيلاديتش من أن البلقان ستدخل مرحلةَ عدم استقرار بعد إعلان استقلال كوسوفا, وتحدَّث عن أوساط ومنظمات تريد خلق مناخ متوتر في البوسنة.
وأوضح سيلاديتش أن اللاجئين المسلمين والكروات الذين عادوا إلى ديارهم في جمهورية صرب البوسنة- التي تشكل مع الاتحاد الكرواتي المسلم كيان بوسنة بعد الحرب- "الأكثر تعرضًا للتهديد" إذا انهار الأمن.
