في خطوة تمثِّل تحديًا كبيرًا لدولة صربيا التي تعتبر كوسوفا جزءًا من أراضيها، أعلن زعماء الإقليم عن استقلاله، ضاربين بالتهديدات الصربية والتحذيرات الروسية عرض الحائط؛ باعتبار أن ذلك حقٌّ من الحقوق التي كفلتها لهم الشرائع والمواثيق الدولية، خاصةً أن الشعب المسلم قد عانى كثيرًا من الآلام بسبب حرب الإبادة التي تشنُّها عليه صربيا منذ فترة طويلة، راح ضحيتها الآلاف من أبناء الإقليم؛ حفاظًا على هويتهم الإسلامية، والتي تسبب- على ما يبدو- مشكلةً كبيرةً للقارة الأوروبية التي لا تريد لإقليمٍ مسلمٍ أن يوجد بين ظهرانيها، ومن ثَمَّ فهي تعمل على منع إقامة أية أقاليم إسلامية على أراضيها مهما كلَّفها ذلك من تضحيات، بما في ذلك القيم والمبادئ الأوروبية الخاصة بالديمقراطية وحقوق الإنسان.. فهل ينجح زعماء الإقليم في الحفاظ على استقلالهم المشروع والوقوف في وجه التهديدات الصربية؟ أم سيحصل للإقليم ما سبق وحصل مع الشيشان من قِبل روسيا؟.
تاريخ طويل من المعاناة
يقع إقليم كوسوفا ذو الأغلبية المسلمة في منطقة البلقان؛ يحدُّه من الشمال والشمال الشرقي "صربيا"، ومن الجنوب مقدونيا وألبانيا، ومن الغرب الجبل الأسود، وتبلغ مساحته 10887 كيلو مترًا مربعًا، وعدد سكانه ثلاثة ملايين نسمة؛ 95% منهم مسلمون.
![]() |
|
لافتة ضخمة تحمل عبارة الاستقلال لكوسوفا |
وتعتبر كوسوفا من الدول التي دخلها الإسلام منذ فترةٍ بعيدة، وبالتحديد عام 1389م إبَّان المواجهة الحاسمة بين العثمانيين والصرب في معركة "كوسوفا"، وقد هُزم الصرب في تلك المعركة، وقُتل فيها ملكهم بعد هزيمة جيشه، ومنذ ذلك التاريخ والصرب يعملون على إنهاء الوجود الإسلامي في البلقان، حتى إنهم قادوا تحالفًا مع بلغاريا والجبل الأسود واليونان لطرد الدولة العثمانية من البلقان للانفراد بالمسلمين هناك.
وعقب انتهاء الحرب البلقانية العثمانية عام 1912م وقيام الدول الغربية المنتصرة بتوزيع أجزاء من أراضي البلقان على بعضهم البعض، وحصول الصرب على إقليم كوسوفا، بدأت حرب إبادة للمسلمين، وبصورةٍ فاقت كل التوقعات، حتى إن إحدى الإحصائيات قد أشارت إلى أن عدد قتلى المسلمين في كوسوفا وحدها قريب من ربع مليون نسمة، هذا غير المهاجرين من ديارهم فرارًا بدينهم، وهم عشرات الألوف!!.
وبعد حلِّ الخلافة الإسلامية عاشت كوسوفا في ظلال مؤامرة جديدة بين تركيا العلمانية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك وحكومة يوغسلافيا، كانت تهدف بالأساس إلى إفراغ البلاد من المسلمين؛ من خلال تهجير أعداد كبيرة منهم، وبالفعل تم التوقيع على اتفاقية في عام 1938 تقضي بتهجير 400 ألف عائلة ألبانية مسلمة إلى تركيا.
أوضاع مأساوية
ونظرًا للأوضاع المأساوية التي يعيشها الشعب الكوسوفي، فقد طالبوا بالحصول على الاستقلال عن صربيا التي أُلحقت بها عقب قيام الحزب الشيوعي بتقسيم الأراضي الألبانية المحتلة بين ثلاث جمهوريات، هي: صربيا، ومقدونيا، والجبل الأسود، إلا أن صربيا قد وقفت حجرَ عثرة أمام رغبة الإقليم في الحصول على الاستقلال، بل وأمرت قياداتها العسكرية بقمع انتفاضة الشعب المسلم؛ حيث نزل الجيش وارتكب مجازر جماعية في حق سكان الإقليم، فضلاً عن قيامه بهدم البيوت، وتدمير المنشآت الخدمية، وانتهاك حرمة المساجد والمدارس الدينية.
![]() |
|
فرحة غامرة للألبان باستقلال كوسوفا عن صربيا |
وبالرغم من الانتهاكات التي تعرَّض لها سكان الإقليم إلا أن ذلك لم يثنِهم عن المطالبة باستقلال الإقليم؛ مما دفعهم إلى إجراء استفتاء عام لاستقلال الإقليم عام 1991م، إلا أن الحكومة الصربية قد تجاهلت ذلك الأمر مرةً أخرى، وواصلت اعتداءاتها على المسلمين هناك، ومن ثمَّ لم يكن أمام الشعب المسلم إلا مقاومة الظلم وكسر الهيمنة الصربية على الإقليم.
وفي سبيل تحقيق حلمهم في الاستقلال، قاموا بإنشاء جيش تحرير كوسوفا، وهو جيش عسكري يجمع الوطنيين القوميين من أبناء الإقليم، وهو ليس وحده الذي يعمل في ساحة المقاومة، بل هناك حركة الجهاد الإسلامي، وهي حركة إسلامية نشطة أسسها مجموعة من الشباب المسلم الذي تخرَّج في الجامعات الإسلامية، وشارك بعضهم في الجهاد المسلَّح ضد الصرب في البوسنة، وهم- إلى جانب القيام بأعباء المقاومة المسلَّحة- يقومون بنشاط دعوي وتربوي وتعليمي واسع للحفاظ على هوية الشعب المسلم، وإعداد الشباب المسلم إعدادًا متكاملاً للمشاركة في مقاومة العدوان الصربي على بلادهم.
مواقف متناقضة
يبدو من خلال تتبع مواقف المجتمع الدولي حول مسألة استقلال كوسوفا، أن هناك جملةً من المواقف المتناقضة؛ ففي الوقت الذي يؤيد فيه البعض أحقية الإقليم في الحصول الاستقلال مثله مثل غيره من الأقاليم التي حصلت على استقلالها عقب انهيار يوغسلافيا السابقة، إلا أن البعض الآخر- وعلى رأسهم روسيا وصربيا- يرفض ذلك الأمر رفضًا قاطعًا، معتبرًا أن إقليم كوسوفا جزء من صربيا، ومن ثم لا يحق له ولا لأحد أن يطالب باستقلاله عن الدولة الأم.
وفي هذا الإطار كشف المتحدث باسم حكومة الإقليم "فاضيل حسيني" أن دول الاتحاد الأوروبي ستعلن بشكلٍ فردي كلٌّ على حدة اعترافَها باستقلال كوسوفا، مشيرًا إلى أن هناك ثلاث دول أو أربعًا ضمن الاتحاد ستؤجل قرار الاعتراف إلى وقتٍ لاحق؛ بسبب أوضاعها وظروفها الخاصة.
وأضاف أن قوات الناتو العاملة في كوسوفا قد أعلنت منذ أيام حال التأهب والاستعداد؛ تحسبًا لأعمال شغب قد تقوم بها عناصر من الأقلية الصربية التي تقطن شمالي كوسوفا حول مدينة ميرتوفيتسا التي يتوقَّع أن يعارض الصرب فيها قرارَ الاستقلال، ويتوقَّع أن يجري فيها مسيرات احتجاجية ضد استقلال الإقليم.
وأكَّد أن حكومة كوسوفا ستضمن سلامة جميع الأقليات وأمنها، وأن برلمان كوسوفا سيقر تشريعات محددة وواضحة تضمن سلامة الأقلية الصربية خاصةً الكنائس الأرثوذكسية وآثارها الموجودة على أراضي كوسوفا.
أما رئيس الوزراء الصربي فويسلاف كوشتونيتسا فقد جدَّد موقف بلاده الرافض لاستقلال كوسوفا وما وصفه بتغيير الحدود الدولية، معربًا عن أمله في التوصل إلى حلٍّ وفق القانون الدولي، مشيرًا إلى أنه لا تزال هناك محاولات لخرق القانون الدولي من خلال الدعوة إلى استقلال كوسوفا، وهذا مخالف لقرار مجلس الأمن رقم 1244.
الولايات المتحدة الأمريكية من جانبها أكدَّت حقَّ كوسوفا في الاستقلال عن صربيا، مشيرةً إلى إن استقلال كوسوفا أصبح حقيقةً واقعةً، خاصةً أن حوالي نصف صرب كوسوفا قد رحلوا عن المنطقة تاركين ألبان كوسوفا يحاولون إعادة تأسيس النظام السياسي والقضائي الخاص بهم.
وعلى عكس الموقف الأمريكي والأوروبي، كان الموقف الروسي متناقضًا؛ إذ إنه في الوقت الذي صرَّح فيه وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بأن موسكو لا تنوي فرض عقوبات على إقليم كوسوفا أو الدول التي ستعترف باستقلاله، وجَّهت روسيا تحذيرًا مُشدَدًا للولايات المتّحدة والاتحاد الأوروبي بأنها ستتخذ سلسلةً من الإجراءات والتدابير الانتقامية لو تمَّ إعلان استقلال إقليم كوسوفا عن صربيا من جانب واحد.
ورفض المسئول الروسي المختص بمتابعة قضية استقلال كوسوفا ألكسندر بوتسان خاريشينكو، أن يدليَ بتفاصيل تلك الخطوات التي تهدِّد موسكو باتخاذها، لكنه أكَّد أن بلاده ترى أن اعتراف العالم الغربي باستقلال كوسوفا كدولةٍ سيؤدي إلى كارثة في المنطقة!!.
وقد وصف المحللون للموقف الروسي بأنه محاولة لاستعراض النفوذ على المسرح العالمي؛ بالتهديد بتلك الخطوات الانتقامية المحتملة من خلال معادلة دبلوماسية شديدة الحساسية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بقضية كوسوفا، مستعملةً صلاحياتها القوية في مجلس الأمن الدولي لعرقلة خطوة الاستقلال.
نخلص من ذلك إلى أن نجاح كوسوفا في الحصول على الاستقلال والذي يعد حقًّا من حقوقها المشروعة، قد يواجَه بمجموعةٍ من الإجراءات غير المنضبطة من قِبل صربيا وروسيا على حدٍّ سواء، والتي قد تصل إلى حد شن حرب خاطفة على الإقليم، على غرار تلك التي فعلتها روسيا في السابق مع الشيشان من أجل السيطرة على الإقليم وفرض أمر واقع على المجتمع الدولي الغارق- على ما يبدو- في العراق وأفغانستان وفلسطين؛ الأمر الذي يتطلَّب من العالم العربي- ومعه الدول الديمقراطية في العالم والتي تؤيد الحق المشروع لإقليم كوسوفا في الحصول على الاستقلال- أن تقف بحزم أمام أية محاولات صربية أو روسية لتهديد أمن واستقرار الإقليم، خاصةً أن العالم لم يعد قادرًا على تحمُّل مآسٍ إنسانية جديدة.

