فيما وُصف بأكبر انتكاسةٍ لائتلاف الجبهة الوطنية الحاكم منذ خمسين عامًا، أظهرت نتائج الانتخابات الماليزية فوزَ المعارضة بأكثر من ثلث مقاعد البرلمان، مفقِدةً ائتلافَ الجبهة الوطنية الحاكم أغلبية الثلثَين الحاسمة في البرلمان، والتي تمكِّنه من تغيير الدستور؛ لتؤكد بذلك رغبةَ الشعب الماليزي في التغيير، خاصةً بعد أن فشلت الحكومة السابقة في تلبية رغباته؛ مما دفعها لحلِّ البرلمان والدعوة لانتخابات تشريعية مبكِّرة، في محاولةٍ منها للحصول على الثقة المفقودة من الشعب مرةً ثانية.

 

إلا أن ذلك لم يحدث بعد أن تمكَّنت المعارضة، خاصةً الإسلامية، من تحقيق المفاجأة والحصول على مقاعد إضافية؛ إذ نجح الحزب الإسلامي المعارض في تحقيق انتصاراتٍ وُصفَت بأنها "مفاجِئةٌ" في ولايتَي كيدا وبيراك الشماليتَين، واحتفظ بسهولة بالسلطة في معقله في ولاية كيلانتان بشمال شرق ماليزيا.

 

وانضمَّ حزب العمل الديمقراطي والحزب الإسلامي إلى حزب العدالة في السيطرة على ولاية سيلانغور الصناعية وعلى المقاعد كلها تقريبًا في العاصمة كوالالمبور؛ وبذلك تكون ماليزيا قد مهَّدت الطريق لعهدٍ جديدٍ، قد يُسهم في القضاء على كثير من المشكلات والأزمات التي عانى منها الشعب الماليزي مؤخرًا.

 

الجغرافيا والسياسة

 الصورة غير متاحة

 ماليزيا أصبحت مركزًا عالميًّا لجذب رؤوس الأموال

تعدُّ ماليزيا صاحبة الموقع المتميِّز الذي وضعها في ملتقى الطرق التجارية أنموذجًا يُقتدى به في التعايش البنَّاء بين مختلف الأعراق والأديان والثقافات واللغات؛ إذ تؤكد الوقائع التاريخية أن الدولة لم تشهد أية أحداث عنف منذ حصولها على الاستقلال، بل لقد نجحت في بناء أنموذج تنموي أسْهَم في وضع الدولة في مصافِّ الدول المتقدِّمة.

 

ويعود ذلك في جزءٍ كبيرٍ منه إلى النظام المتوازن الموجود في البلد، والذي يحفظ التوازن بين قومياته المختلفة، وهو النظام الملكي الفيدرالي الدستوري، الذي يقوم على منح امتيازات خاصة لسكان البلاد الأصليين، والذين يشكِّلون 52% من سكان البلاد، وهؤلاء كلهم مسلمون حسب الدستور الماليزي الذي ينصُّ على أن يُنتخَب الملك لفترةِ خمسٍ سنوات من بين سلاطين الولايات الملايوية التسعة، أما الولايات الأربعة الأخرى فلا تشارك في انتخاب الملك، ويتولَّى الحكم فيها حكام إسميون.

 

ومثلها مثل العديد من الدول المتقدِّمة؛ تتوزَّع السلطات في ماليزيا بين الجهاز التنفيذي والجهاز التشريعي (البرلمان) والجهاز القضائي، وإن كانت معظم السلطات في الجهاز التنفيذي، مقابل سلطات محدودة للسلطة التشريعية.

 

ويحدِّد الدستور الماليزي في مادتيه الرابعة والأربعين والثامنة والستين السلطة التشريعية؛ إذ يشير إلى أنها تتركز في البرلمان الذي يتكوَّن من مجلسَين: (مجلس النواب) أو (ديوان الشعب) و(مجلس الشيوخ) أو (ديوان الأمة).

 

ويُنتخَب أعضاء مجلس النواب (219 عضوًا) عبر الدوائر الانتخابية لفترة خمس سنوات، بينما يُنتخَب أعضاء مجلس الشيوخ السبعون لفترة ثلاث سنوات؛ 26 عضوًا يُنتخَبون مباشرةً من الولايات الثلاثة عشرة، وعضوان يمثِّلان قطاع كوالالمبور، وعضوان يمثِّلان كلاًّ من قطاع لابوان وقطاع بوتراجايا، ويعيِّن الملك 40 عضوًا.

 

وبالإضافة إلى البرلمان الفيدرالي هناك برلمان من مجلسَين لكل ولاية يُنتخَب أعضاؤه مباشرةً عبر دوائر انتخابية، وتُجرى الانتخابات البرلمانية كل خمس سنوات على الأقل، وكان آخرها في مارس 2004م، ويُختار الوزراء من بين أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب في البرلمان الفيدرالي، ويكونون مسئولين أمام البرلمان.

 

اللجنة الانتخابية

يقوم الملك، حسب نص المادة 104 من الدستور، بتعيين أعضاء اللجنة الانتخابية؛ حيث تتألَّف تلك اللجنة من الرئيس ونائبة وثلاثة أعضاء آخرين، على أن يتمتَّع هؤلاء بسمة النزاهة والاستقامة، وألا تكون لهم أية انتماءات سياسية، وتتركَّز وظائفها في تسجيل الناخبين وإدارة العملية الانتخابية؛ وذلك من أجل ضمان خروج الانتخابات بصورة عادلة ونزيهة.

 

وفي الواقع تلعب تلك اللجنة دورًا مهمًّا في الحفاظ على سلامة العملية الانتخابية؛ وذلك يعود بصورةٍ كبيرةٍ إلى ما تتمتَّع به ماليزيا من تعدُّديةٍ سياسيةٍ حقيقيةٍ وليست شكليةً؛ إذ يُعرَف عن ماليزيا أنها من الدول القلائل التي يوجد بها مستويان من التعدُّدية؛ مستوى الأحزاب الشريكة في الائتلاف الحاكم، والتي لا يقل عددها عن 14 حزبًا، والأحزاب التي تقف في الجبهة المعارضة، وهي الأخرى كبيرة العدد.

 

 الصورة غير متاحة

أنور إبراهيم

وفيما يلي عرضٌ لأهم تلك الأحزاب:

أولاً: الأحزاب المشتركة في الائتلاف الحاكم (الجبهة القومية)، والتي أُنشِئت بالأساس من أجل القضاء على الصراعات العرقية، وهي: حزب التنظيم القومي للملايويين المتحدين، حزب التجمع الماليزي- الصيني، حزب المؤتمر الماليزي- الهندي، حزب الحركة الشعبية الماليزية، حزب الشعب التقدمي، حزب شعب ساراواك المتحد، حزب ساراواك التقدُّمي، حزب شعب ساراواك الأصلي، حزب البوميبراترا التقليديين، حزب العدالة الشعبية، الحزب الليبرالي الديمقراطي، حزب صباح التقدُّمي، حزب شعب صباح المتَّحد، حزب تنظيم شعب قادازان.

 

ثانيًا: أما الأحزاب المعارضة فتتمثل في: حزب العمل الديمقراطي، الحزب الإسلامي الماليزي، حزب العدالة الوطنية، حزب روح 46، الجبهة التقدُّمية الهندية، حركة الاتحاد الماليزي، حزب صباح المتحد.

 

ويتضح لنا مما تقدَّم أن هناك تعدُّديةً حزبيةً وسياسيةً حقيقيةً في ماليزيا، تشكِّل أحد الأوجه الرئيسة للديمقراطية في ماليزيا.

 

وفي الواقع أدَّت تلك التعدُّدية إلى إجراء انتخابات دورية عادلة ونزيهة؛ فمنذ استقلال ماليزيا عام (1957) تمَّ إجراء انتخابات عامة للأعوام (1959، 1964، 1969، 1974، 1978، 1982، 1986، 1990، 1995، 1999، 2004)، وبالنسبة لانتخابات عام (2004) فقد حصلت الجبهة القومية على (173) مقعدًا من أصل (193) مقعدًا، في حين حصلت المعارضة على (20 مقعدًا) في البرلمان، ومع ذلك فإن هذا الأمر يدل على عمق التنافس السياسي بين الأحزاب السياسية الماليزية المتمثِّلة في وجود كتلتَين متقابلتَين؛ فمن جهةٍ يوجد هناك الجبهة القومية التي تشكِّل الحكومة، وهناك الجبهة البديلة التي تشكِّل المعارضة من جهة أخرى، ويمكن تلمُّس ذلك من خلال نتائج الانتخابات، فضلاً عن توفر المقومات الأخرى لقيام الديمقراطية، والتي تتمثَّل في وجود المشاركة السياسية والثقافة السياسية وقيام الأسس الفاعلة للمجتمع المدني.

 

تراجع الجبهة

 الصورة غير متاحة

 بدوي فشل في الحفاظ على أغلبية الثلثين

على عكس حال الانتخابات الماضية التي حصلت فيها الجبهة على 173 مقعدًا، أخفق ائتلاف الجبهة الوطنية الحاكم، والذي يتزعَّمه رئيس الوزراء عبد الله أحمد بدوي، في الحفاظ على أغلبية الثلثَين التي كان يتمتَّع بها منذ عقود، والتي تُتيح له تغيير بنود الدستور، ولم ينَل سوى 139 مقعدًا من أصل مقاعد البرلمان الـ219.

 

وبالرغم من الإخفاق الذي مُنيَت به الجبهة إلا أن بدوي قد رفض الاستقالة، بالرغم من المطالبات الكثيرة من قِبل الزعماء السياسيين، وعلى رأسهم مهاتير محمد لبدوي بتقديم الاستقالة؛ حيث أكَّد بدوي أنه بالرغم من الخسارة إلا أن ذلك ليس نهاية العالم، مشيرًا إلى أنه سيواصل الجهود من أجل أن يتخطَّى تلك المرحلة.

 

ومن جانبه رحَّب نائب رئيس الوزراء الماليزي السابق أنور إبراهيم، وهو من رموز المعارضة وتتزعَّم زوجته حزب العدالة، بالنتائج قائلاً إنه "حان وقت التغيير في ماليزيا"، وقد فاز حزب العدالة بـ31 مقعدًا من بين 82 مقعدًا حصلت عليها المعارضة.

 

يُذكر أنه تمَّت الدعوة إلى الانتخابات قبل موعدها الذي يحين في مايو 2009؛ وذلك لتفادي منافسة أنور إبراهيم الذي يخضع لحظر من أي نشاط سياسي حتى أبريل المقبل، حسب رأي الكثيرين.

 

التراجع والصعود

يعزي كثير من الخبراء أسبابَ تراجع الجبهة الحاكمة إلى ما تشهده البلاد من التوتُّر العرقي ومظاهرات في الشوارع واستياء عام ناجم عن ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية الأساسية؛ الأمر الذي تسبَّب في تدني شعبية رئيس الوزراء.

 

كما كان لنجاح المعارضة في توحيد صفوفها دور كبير في القضاء على سيطرة الجبهة على مقاليد الأمور في البلاد، ونجاحها في حصد كثير من الأصوات، والتي أدَّت إلى حيازتها على أكثر من ثلث مقاعد البرلمان.

 

وبعد أن اتضحت معالم الخريطة التشريعية في مجلس النواب الماليزي، يبقى على الجميع، خاصةً أحزاب المعارضة، أن تؤكَّد للشعب الماليزي أنها قادرةٌ على تحقيق طموحاته وتلبية رغباته؛ وذلك عن طريق تكاتف الحكومة والمعارضة من أجل معالجة الثغرات التي تسبَّبت في "تأزيم" الأمور ما بين طوائف الشعب الماليزي المختلفة.. هذا من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى من أجل دفع ماليزيا لتبوُّؤ مكانتها في مصافِّ الدول المتقدِّمة، وهذا كله لن يتحقَّق إلا من خلال الإعلاء من قيَم العدل والمساواة، ونشرها بين الجميع، على أساس أنه لا فرقَ بين الشعب الواحد بسبب الجنس أو اللون أو الدين.. فهل تنجح الحكومة والمعارضة في تحقيق ذلك؟!