أجيال كثيرة من الشعب الألباني قضت، وهي تحلم بدقة ساعة الاستقلال.. محطات تاريخية كثيرة عرفتها كوسوفا.. المنطقة تصارعت فوقها حضارات وأمم، وشعوب، وتحالفات، ومحاور كثيرة، لكنها صفت أخيرًا لشعبها بالاستقلال.. أحد أقدم شعبين في المنطقة، الأرناؤوط الألبان، والإليريين في البوسنة، ومع هذا عانوا من الشعوب الأخرى.. ولكن يبقى السؤال: هل الخلاص من الهيمنة الصربية هو نهاية المطاف؟ الإجابة: لا.. بل بداية الطريق نحو الحرية السياسية، والهوية الثقافية، والتنمية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية.

 

لم يكن الاستقلال سهلاً، بل دفع ثمنه دمًا ودموعًا، ومعتقلات، وحرمان وتهجير، وحصار، وصبر وقد كانت الأيام الأخيرة حبلى بالمواقف من جميع الأطراف، المحلية والإقليمية والدولية.

 

 

 هاشم تقي

وقد حرص رئيس الوزراء القوي هاشم تاتشي على التنسيق بين حركة بلاده، والمجتمع الدولي فيما يخص ترتيبات الاستقلال، وعلى تأكيد أن هناك أكثر من 100 دولة مستعدة، للاعتراف باستقلال بلاده، وأنَّ بلاده اضطرت لذلك بعد فشل مجلس الأمن فيحل قضية كوسوفا، إلا أنه حَرَصَ على تأكيد أهمية انضمام كوسوفا المستقلة إلى الأمم المتحدة، رغم أنَّ البعضَ توقَّع ألا تكون كوسوفا عضوًا في الأمم المتحدة؛ لأن قضيةَ كوسوفا حلت خارج مجلس الأمن.

 

ولم يترك رئيس الإدارة الدولية التابعة للأمم المتحدة في كوسوفا أي مجالٍ للتفكير في إحباط عمليةِ الاستقلال، عبر العنف الصربي، أو التدخل العسكري الرسمي أو من الميليشيات الصربية، إذْ قال بواكيم ريكير يوم الخميس 14 فبراير مهمتنا التعاطي مع مختلف المستجدات، وأكد أن ذلك خط أحمر، وهذا ما قلناه مرارًا، لن نسمح بالعنف في كوسوفا، وكان قد أكد في وقتٍ سابقٍ أن قوات الشرطة الدولية وقوات كي فور التابعة لحلف شمال الأطلسي، ستضطلع بمهامها كاملةً على عمومِ تراب كوسوفا.

 

أما المبعوث الأوروبي إلى كوسوفا دجوناس دجونسون فقد ذكر أن الاتحاد الأوروبي ينتظر إعداد دستور كوسوفا قبل إرسال بعثته لتحل مكان قوات الأمم المتحدة على المدى المنظور.

 

وقد وصف المبعوث الأوروبي دستور كوسوفا القادم بأنه سيكون من أفضل الدساتير الأوروبية تقدمًا في مجال حقوق الإنسان، والعلاقات الاجتماعية والحقوق الثقافية والدينية، وألمح إلى أنه لن يكون هناك دور لمجلس الأمن في الاستقلال؛ لأن مجلس الأمن تمت عرقلته، كما قال: ولذا تمَّ البحث عن حلولٍ أخرى تحقق التقدم، وهذا ما نقوم به في كوسوفا صربيا تتخبط

 

رغم أن صربيا تُدرك منذ زمنٍ بعيدٍ أن كوسوفا لم تعد سبية صربية، فقد استمرَّ سياسيوها في التباري في الحديث عن كوسوفا الصربية، وأنهم لن يسمحوا بفصلها عن الأم صربيا؛ وذلك لأسبابٍ داخلية ومنافسات بين الأحزاب.

 

فطالما كرر الرئيس الصربي بوريس طاديتش قوله: إن أي قرارٍ بخصوص كوسوفا يجب أن يتخذ داخل مجلس الأمن وليس خارجه، وهدد بدفع ثمنٍ باهظٍ في حال استقلت كوسوفا.

 

كذلك كرر رئيس وزراء صربيا فويسلاف كوشتونيتسا، مرارًا رفضه لاستقلال كوسوفا، والحيلولة دون تحقيقه، ووصف بأنه غير قانوني على معاهدة صداقة مع أوروبا، وحاولت إثارة مخاوف الأوروبيين من أن هناك 200 قضيةٍ لها علاقة بالنزاعات الانفصالية في العالم ستتأثر باستقلال كوسوفا.

 

ويبدو حجم العبث والتخبط في صربيا فيما أعلن عنه الصرب من إجراءاتٍ ستعقب الإعلان عن أن إستراتيجية بلجراد تتمثل في قطع العلاقات مع الدول التي ستعترف باستقلال كوسوفا، وفرض حظر على تزويد الإقليم بالطاقة وبالمواد الأساسية الأخرى، ورفض الرئيس الصربي توقيع معاهدة الاستقرار والصداقة مع الاتحاد الأوروبي، ووصفها بأنها بمثابة توقيع على استقلال كوسوفا، وقوله: لا يمكن أن تستدرج صربيا للتوقيع على معاهدة تمهد لجعل جزء من حدودها قاعدة عسكرية للمارينز!.

 

والغريب أن رد الفعل الصربي في رفضه لاستقلال كوسوفا يضحي حتى بالانضمام للاتحاد الأوروبي، رغم أن استطلاعات الرأي كشفت عن أن أكثر من 70% من سكان صربيا يرغبون في انضمام بلادهم للاتحاد الأوروبي.

 

تهديدات الصرب

ويبدو أن تصريحات المسئولين الصرب بشأن رد الفعل في حالة استقلال كوسوفا هي بضاعة للاستهلاك المحلي، إذْ إنَّ رئيسَ هيئة الأركان الصربي زدرافكو بونوتش، قال: لا توجد حتى الآن أي تهديدات وفق المعايير العسكرية، وذكر في حوار مع صحيفة "بليك" الصربية في عددها الصادر يوم 13 فبراير أنه: لا حاجةَ لإعلان الطوارئ داخل القوات المسلحة.

 

وفي رده على سؤالٍ حول موقف الجيش من استقلال كوسوفا، قال بونوتش إعلان الاستقلال عمل عنيف، ولكن لا يحل بالقوة العسكرية، والجيش لم يتلقَّ أي أوامر بهذا الخصوص، وعن مدى استعداد الجيش الجاد لا يتحدث عن الصدامات.

 

أيضًا لم يرد على لسان المسئولين الصرب أي حديثٍ عن التدخل العسكري ولم يشر إليه أحد، أو حتى المعارضة الراديكالية في صربيا ألمحت له، سواء كانت الحزب الاشتراكي الصربي، الذي كان يقوده سلوبودان ميلوسيفيتش أو الحزب الراديكالي الصربي بزعامة فويسلاف شيشيلي.

----------

* بالاتفاق مع المجتمع