تقدَّم النائب العام التركي عبد الرحمن يالجين قايا بدعوى أمام المحكمة الدستورية التركية لطلب إغلاق حزب العدالة والتنمية الحاكم، وكذا عزل رئيس الدولة عبد الله جول باعتباره من أعضاء الحزب؛ بتهمة القيام بأفعال معارِضة للنظام العلماني ومهدِّدة للجمهورية والمبادئ الأتاتوركية.
كان النائب العام أعلن مساء الجمعة 14 مارس 2008م عن تقدُّمه بدعوى لغلق حزب العدالة والتنمية وفرض حظر سياسي على عبد الله جول رئيس الدولة؛ بحجة تحوُّل حزب العدالة والتنمية لمركزٍ مُعادٍ للنظام العلماني والجمهورية.
![]() |
|
عبد الله جول |
وفي أول تعليقٍ من رئيس الجمهورية عبد الله جول على القرار قال: "يلزم النظر لما سيلحق تركيا من الغلق ولنتائجه".
الدكتور ظفر أوزقول الأستاذ الدستوري وعضو حزب العدالة والتنمية ورئيس لجنة حقوق الإنسان بالبرلمان التركي علَّق على دعوى النائب العام لغلق الحزب الحاكم صاحبة الأغلبية البرلمانية قائلاً: "إن هذا القرار يبعث على الحيرة؛ لأن حزبنا لم يفعل شيئًا بعيدًا عن العلمانية والجمهورية، وهو الحزب الذي قدَّم الكثير لأجل الديمقراطية بتركيا، ولا أرى أن هذه الدعوى تستند لقانون".
دعوتان في ملف واحد
قرار النائب العام بطلب غلق الحزب الحاكم نزل مدويًّا بكل أنحاء تركيا، وبصفةٍ خاصةٍ لدى الإعلاميين، من ثَمَّ يقول بلال شتين الصحفي بجريدة "وطن" في تعليقه على القرار: "لا أعتبر هذه الدعوى مفاجئةً، خصوصًا بعد قرار الحجاب وما سبق وأعلنه النائب العام من أنه يمكن أن يرفع دعوى لغلق الحزب إذا عُدِّل الدستور بما يتعارض مع العلمانية والأتاتوركية، والمعتقد عندي أن قرار الدستورية المنتَظر بشأن تعديلات حرية ارتداء الحجاب- الدعوى المرفوعة من الحزب الجمهوري يوم 27 فبراير الماضي لإلغاء التعديلات الدستورية المساعدة على دخول المحجبات للجامعات- سيكون محدِّدًا لموقف دعوى النائب العام ضد الحزب الحاكم".
ويقول طه آقيول جريدة "ميلليت" اليسارية: "هذه الدعوى مفاجئة بكل المقاييس، وحزب العدالة والتنمية لم يبالِ بتحذيرات النائب العام من قبل، واليوم تبيَّن أن التحذيرات كانت جادَّةً، ودعوى اليوم تقول صراحةً: هذه هي قواعد النظام، وهذه هي الديمقراطية لدينا، وطلب إغلاق حزب سياسي لا يتناسب مع قواعد الديمقراطية، وإن كنت لا أدري كيف سيكون قرار الدستورية".
وقال عمر لطفي مته جريدة "بوجون": "هذه ليست دعوى قانونية، ولكنها انقلابٌ لا يختلف عن الانقلابات العسكرية التي شهدتها تركيا".
الجريدة نازلي إليجاق "صباح"- سبق وأسقط عنها عضويتها البرلمانية وعُزلت سياسيًّا في عام 1997م بسبب دعمها للنائبة المحجبة مروة قاوقجى-: "بكل تأكيد هذا قرار مفاجئ جدًّا، وربما يرفعون دعوى ضد الشعب التركي كله ويطردونه!! البعض يقول إن حزب الرفاه أغلق من وراء الحجاب- حجاب مروة قاوقجى- واليوم يتكرَّر نفس الشيء، ولكني أرى أن هناك فرقًا، وقد استغل النائب العام الأسبق قولي في مؤتمر عام "نعم.. يحق للمحجبات دخول البرلمان والجامعات" لغلق الحزب.
ويبدو أنهم لا يأخذون الدرس من الأحداث؛ فقد زادت قوة التيار المحافظ إلى ما يعادل اليوم 70% من البرلمان وأصوات الشعب بعد إغلاق حزبَي الرفاه والفضيلة.. إني أقول إن الفكر لا يُقتل ولا يُحكم عليه قضائيًّا".
من جهته علَّق الدكتور ممتازر تركونا أستاذ بالجامعات التركية، وكاتب عمود بجريدة "زمان" على دعوى النائب العام بالقول: "الإعلان جاء بعد غلق البورصة اليوم، وفي يوم الجمعة، وهو أمر يشبه تحذيرَ الجيش في أبريل 2007م لحزب العدالة والتنمية، والهدف هو إدخال الرعب في قلب الشعب، والاتهام بعبارة "التضاد مع العلمانية" عقائدي أكثر من كونه قانونيًّا؛ النائب العام بدعوته يحاكم كل مواطن أعطى صوته لحزب العدالة والتنمية وبنسبة 70%.. نحن جميعًا بحاجةٍ للمؤسسات القانونية، ولكن يجب أن تتصرَّف بدقة".
العلمانية أهم من الديمقراطية
الصحفي علي سيرمن "جمهوريت" اليسارية: "صحيحٌ أن الرفاه والفضيلة كانا من تيار ميللي جوروش- أسسه الزعيم الإسلامي الدكتور نجم الدين أربكان بألمانيا في مطلع الثمانينات- ونحن اليوم أمام موقف مدهش، ولا يمكن نسيان كيف أن هناك ما يشبه الانقلاب المدني ضد الجمهورية بدأ على أيدي حزب العدالة والتنمية الذي يضم عناصر من تيار ميللي جورورش، مثل عبد الله جول، ولعل هذا هو الذي حرَّك النائب العام، والحزب لم يهتم بتحذيرات النائب العام".
ويضيف قوله: "من ناحية الديمقراطية شيء مؤسف، ولكن من ناحية الجمهورية العلمانية شيء مفرح، رغم أن قرارًا بالغلق لن يكون مقبولاً من الشعب التركي بأي حال، والمحاكم لا يمكن أن تحاكم الإرادة الشعبية".
ويقول جنيد أولسفر جريدة "حريت": "لم أكن أنتظر مثل هذه الدعوى، وقد اندهشت كثيرًا، وفي كل وقت كنت أقول إن العدالة والتنمية يتجه نحو المحافظة الاجتماعية أكثر من المحافظة ذاتها، وأرى أن قرارَ الدستورية بشأن التعديلات الدستورية الأخيرة هي التي يمكن أن تحدِّد شكل هذه الدعوى".
الجدير بالذكر أن النائب العام عبد الرحمن يالجين قايا سبق وأعلن يوم 17 يناير 2008م عن نيته في التوجُّه ناحيةَ طلب إغلاق حزب العدالة والتنمية بسبب التصرفات المتعارضة مع النظام العلماني والمبادئ الأتاتوركية والتوجهات التي لا تعترف بحوالي 85 سنةً من تاريخ الجمهورية العلمانية، وأشار يالجين قايا إلى مسألة حرية ارتداء الحجاب التي تأتي في سياق التعديلات الدستورية الأخيرة التي صدَّق عليها البرلمان ورئيس الدولة.
كما تجدر الإشارة إلى أن حزب الرفاه (المحظور) بزعامة رئيس الحكومة التركية الأسبق نجم الدين أربكان رفع ضده دعوى مماثلة أثناء وجوده بالحكم من طرف النائب العام فورال سواش في عام 1997م وفي ظل حملة تهديدات علنية من المؤسسة العسكرية، وصدر قرارٌ من المحكمة الدستورية برئاسة نجدت سزر (رئيس الجمهورية السابق) في يناير 1998م بإغلاق حزب الرفاه مثلما أغلق حزب الفضيلة (الإسلامي) في عام 1999 بحجة أنه امتداد لحزب الرفاه.
