أعلن طيب أردوغان رئيس الحكومة التركية ورئيس حزب العدالة والتنمية في اجتماعٍ نسائي للحزب بمحافظة سيرت أن الدعوى القانونية المرفوعة من النائب العام لإغلاق الحزب هي ضد إرادة الشعب وتركيا، وليس ضد العدالة؛ لذا لن نسمح بالعودة للأيام المظلمة أو تقويض الاستقرار؛ وذلك باسم إرادة 70 مليون مواطن.
كان طيب أردوغان رئيس الحكومة التركية ورئيس حزب العدالة والتنمية شارك في اجتماع نسائي للحزب بمحافظة سيرت ظهر أمس، فعلَّق على دعوى النائب العام (45 صفحة) التي طلبت إغلاق الحزب وفرض حظرٍ سياسي على عدد 71 شخصيةً من أعضاء الحزب البرلمانيين والوزراء ورؤساء البلديات العامة والفرعية؛ بتهمة تحوُّل الحزب لمركزٍ مُعَادٍ للعلمانية، وأن الحزب يمثِّل امتدادًا لحزبَي الرفاه والفضيلة (المحظورين)، ويتخذ من رأي علماء الدين والإسلام السياسي نبراسًا- وليس من أتاتورك والعلمانية ولائحة الحزب وبرامجه- ضد الدستور، ويعمل على تشكيل كوادر إسلامية بمؤسسات الدولة بقوله: ليس هناك حق لأحد في وضْع حزب نال أكثر من 16 مليون صوت في مواجهةٍ مع العلمانية، وما حدث رفع دعوى الغلق ضد الإرادة الوطنية وليس حزب العدالة والتنمية.
وأضاف أردوغان القول: "نفَّذنا قسمًا كبيرًا من الأهداف التي وضعناها عام 2002 والحمد لله، وتركنا خلفنا الأيام المظلمة والتردِّي الاقتصادي.. الشعب هو الذي اتخذ قرار إنشاء حزب العدالة والتنمية، وليس جهة أو شخص محدَّد، وهو الحزب الذي يحتضن الشعب دون النظر لزمرة أو جبهة".
ثم أردف أردوغان يقول: "كما قال الشاعر عاشق فيصل: نسير صباحًا ونسير مساءً، ولن يستطيع أحدٌ أن يبعدنا عن طريقنا.. لا يوجد لدينا تفرقة بين مناطق الشرق أو الغرب أو غيرهما، ولا مكانَ لدينا للعرق أو المذهب، ولكن كل تركيا وملايينها لها نفس الحب والتقدير.. نحن سننظِّف الحدود مع سوريا من الألغام وسنزرعها بالنباتات إذا كان هذا ممكنًا، ولدينا خطة تنمية خمسية سننفق فيها 54 مليار، وسنستمر في الحفاظ على الدولة الديمقراطية العلمانية، وسنتجاوز لما بعد الديمقراطية والرفاهية بعزيمة الشباب..
هذا التصرُّف لا يمكن أن يقضيَ على إرادة الشعب، ولا يمكن استخدام القضاء لتقويض إرادة الجماهير، ولن يفلتوا من حسِّ الخجل هؤلاء الذين يفعلون هذا، ولن نسمح بضرب الاستقرار.. إن تعريض مكتسبات الشعب بهذه التصرفات المضطربة يعبِّر عن عدم مسئولية، وتركيا لن تعود للأيام المظلمة".
وفي إشارةٍ موجَّهةٍ لأكراد وعرب تركيا قال أردوغان: "هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية تُعدُّ الآن مشروعًا لمحطة تلفزيونية بالعربية والكردية لمدة 24 ساعةً يوميًّا".
أردوغان الذي كان يخاطب تجمُّعًا نسائيًّا للحزب بمحافظة سيرت (الدائرة الانتخابية التي أدخلته البرلمان والحكم، وهي مسقط رأس زوجته) قال: "أرى أن المرأة تلعب دورًا فعَّالاً في تركيا، وهي أهم مصدر لأبناء هذا الوطن، وأنتظر منكن الكثير في الانتخابات القادمة (البلدية)، واليوم يصادف السنة الخامسة لي في رئاسة الوزراء، وهذا له معنى كبير؛ يقصد التصادف بين خطابه بسيرت عام 2003 على هامش حملته الانتخابية لعضوية البرلمان، ونحن الحزب الذي يكافح لأجل الديمقراطية، وليس لدينا شيء اسمه كسر الأيادي والأرجل، ردًّا على هتافات الشباب بكسر الأيادي التي تمتد لكم وللحزب، ولكن هناك شيء اسمه الصندوق.
تركيا بحاجةٍ لدستورٍ جديد
موقف أردوغان من الدعوى القانونية انتظره الكثير من المحلِّلين السياسيين بتركيا وخارجها؛ لمعرفة توجُّه الحزب وتعامله مع هذه المشكلة الصعبة؛ لذا يقول طرخان أردم الباحث والمحلل السياسي التركي إن تعليق أردوغان على الدعوى القانونية لم يكن مبعثًا للأمل بشكلٍ كبيرٍ؛ لأن أردوغان كان يلزم عليه أن ينتقد أيضًا رفع دعوى ضد حزب المجتمع الديمقراطي (كردي) طالما أنه يرى مثل هذه الدعاوى معيبةً وضد الديمقراطية، واستناده لمسألة "كل شيء يعالج في الصندوق" التي تحدَّث عنها.. أقول: ليس كل شيء يُحلُّ في الصناديق، وإلا ما كنا واجهنا اليوم وأمس مثل هذه الدعاوى.. إن تركيا بحاجةٍ إلى دستور جديد، وحديثه عن وصاية القضاء على الديمقراطية والإرادة الشعبية لا فائدةَ منه في ظل الأوضاع القائمة، وأعتقد أن حديثه سيزيد الاستقطاب الداخلي".
أما الدكتور محمد ألطان أستاذ الاقتصاد بجامعة إستانبول ورئيس حركة أوروبا 2000 قال في تعليقه على خطاب أردوغان اليوم السبت أمام الاجتماع النسائي المذكور: "كان يلزم الحديث عن السير في طريق المعدلات الدولية لحقوق الإنسان والديمقراطية للخروج من هذا النفق، وليس الاعتماد على الداخل؛ لأن الاستمرار في طريق المعدلات الداخلية والتركيز عليه يكلِّف تركيا فاتورةً ثقيلةً"، وأضاف ألطان القول: "تخلُّص تركيا من الأساليب الإيديولوجية المتحكِّمة في مسيرة الحياة يحتاج لبلوغ معايير عالمية".
وفي بيان صحفي صادر عن جمعية موصياد لرجال الأعمال المستقلين التي يرأسها الدكتور عمر بولاط، اعتبر رفع دعوى بغلق حزب العدالة وفرض حظر سياسي على قياداته عيبًا قانونيًّا يجب أن يُرفَض من أصله.
وأصدر أيّخان كوتشوق رئيس فرع إستانبول لجمعية الدفاع عن المظلومين التركية بيانًا صحفيًّا يوم السبت أكَّد فيه رفض الدعوى وعدم قبول التضحية بالحياة الديمقراطية؛ بحجة منظومة القضاء، معتبرًا الدعوى بقعةً سوداء جديدة أضيفت لثوب الديمقراطية التركي، وقال البيان إن المحكمة الدستورية أمام امتحان تاريخي.
غلق الحزب.. وارد
وسائل الإعلام التركية علمانية التوجُّه والمرتبطة بمجموعة الملياردير أيدين دوغان الإعلامية الضخمة، أشارت يوم السبت 15/3/2008م إلى إمكانية غلق حزب العدالة والتنمية بقرارٍ من المحكمة الدستورية؛ لأن أغلب أعضاء المحكمة عُيِّنوا من طرف الرئيس التركي السابق نجدت سزر المعروف بانتمائه اليساري العلماني الأتاتوركي، والذي سبق واستخدم صوته وقت أن كان رئيسًا للدستورية في غلق حزبَي الرفاه والفضيلة عامي 98- 1999، يأتي هذا في وقتٍ تشنُّ فيه جريدة (جمهوريت) اليسارية الأتاتوركية حملةً على حزب العدالة والتنمية بوضع إعلان تلفزيوني يصوِّر الفرق بين فتاة غير محجَّبة ترتدي اللون الأبيض وأخرى محجَّبة ترتدي اللون الأسود.
الأحزاب قلوبها شتى
ردود الأفعال على دعوى النائب العام بغلق حزب العدالة والتنمية تتوالى بتركيا؛ ففي الوقت الذي ذكرت وسائل الإعلام التركية أن حزب العدالة والتنمية أصدر تعليماتٍ مشدَّدةً لأنصاره وفروعه بالمحافظات بالتزام الهدوء والسكون؛ أعرب أرجان مُومجُو رئيس حزب الوطن الأم المعارض من خارج المجلس عن أسفه للدعوى، معتبرًا المسألة تدخلاً في الحياة الديمقراطية من طرف القضاء.
وقال محسن يازجي أوغلو رئيس حزب الاتحاد الكبير المعارض البرلماني: "إن غلق الأحزاب السياسية ليس من الديمقراطية"، وعلَّق باشاجي نائب رئيس حزب الحركة الوطنية المعارض بالبرلمان بالقول: "نشعر بأسفٍ لمثل هذا القرار"، وقال العضو البرلماني محمد شاندير من نفس الحزب: "إنه من الأسف السماع عن مثل هذه الدعاوى في هذا الزمن المعاصر".
وجاءت هذه العبارة في بيان صحفي للحزب: "هذه الدعوى ستخلق أوضاعًا سياسيةً خطيرةً" واعتبر سليمان صُويلو رئيس الحزب الديمقراطي المعارض أن هناك من يسعى لجذب تركيا نحو أزمة سياسية، وحمل أعضاء حزب الرفاه (المحظور) بشدِّة على قرار النائب العام بتأكيدهم حماية الإرادة الشعبية، وإلا اتجهت تركيا ناحية نفق مظلم.
هذا وقد تعرَّض قرار النائب العام لانتقاداتِ حزبي الديمقراطي والمجتمع الديمقراطي (كردي)، غير أن الأحزاب اليسارية: الجمهوري، واليساري الديمقراطي، والشيوعي، والحرية، والتضامن الديمقراطي، اتخذت مواقفَ بين الصمت والدعم أو الانتقاد على استحياء بسيط.