يرى محللون سياسيون أن سقوط الحزب الحاكم السابق في الانتخابات الباكستانية لم يكن إلا بسبب تأييده لسياسات الرئيس "برويز مشّرف" من التحالف مع الولايات المتحدة والعمليات العسكرية في المناطق المختلفة في البلاد، وأخيرًا أزمة الطحين والغاز والكهرباء وغلاء الأسعار التي جعلت الأمور تتدهور بشكلٍ أكبر.
البروفيسور "رشيد أحمد خان" مدير معهد دراسات جنوب آسيا، والرئيس السابق لقسم العلوم السياسية بجامعة "البنجاب".. يشرح الأسباب عبر هذا الحوار:
* كيف تفسرون هزيمة الحزب الحاكم في الانتخابات الأخيرة؟
** أرى أن نتائج الانتخابات تعكس ردَّ فعل شعبي لأسباب؛ منها: أن الجنرال مشرّف حكم البلاد ثمانيَ سنوات، لكنه لم ينجح في منح نظامه شرعية قانونية وسياسية ودستورية، ولم يقبل الشعب بنظامه؛ لأنه وصل إلى الحكم عن طريق انقلاب غير شرعي، ثم أدام حكمه باستخدام طرق غير شرعية، وتلاعب بالدستور حسب رغباته، وعندما وجد الشعب فرصةً استغلها للتعبير عن رفضه له، كما أن سياساته لم تفرز أية نتيجة؛ فمثلاً الحرب على الإرهاب لم تقضِ على الإرهاب بل زادته، وقد بدأ المفاوضات مع الهند ولم يحصل أي تقدمٍ يُذكر، أضف إلى ذلك أن الحكومة ادَّعت بأنها أصلحت الوضع الاقتصادي، لكن أزمة الطحين والكهرباء والغاز والسكر والزيت والغلاء المتزايد نفت هذا الادعاء.
ولعبت عودة "بي نظير بوتو" و"نواز شريف" إلى البلاد دورًا في تغيير المشهد السياسي، كما أدَّت عملية عزل قاضي القضاة والحركة التي تَبِعت ذلك دورًا مهمًّا في توعية الشعب، واعتُبرت الانتخابات الأخيرة استفتاءً شعبيًّا ضد مشرف وسياساته.
* يرى البعض أن البرلمان القادم لن يدوم طويلاً.. هل توافقون هذا الرأي؟
** كان الناس يقولون نفس الكلام عن البرلمان الماضي، مبرِّرين ذلك بأنه قائم على أغلبية صوت واحد فقط، إلا أنه أنجز فترة خمس سنوات.. وحسب رأيي الخاص، فإن حزب الشعب وحزب الرابطة (نواز شريف) قد استفادا دروسًا من حكمهما لباكستان مرتيْن لكل واحدٍ منهما بين عامَي 1988 و1999م، وكلاهما يعرفان أنهما حظيا بحكومة، إلا أنهما كانا يفقدان الصلاحيات، وبناءً على ذلك قام النظام بطردهما من الحكم.
![]() |
|
بي نظير بوتو |
وسبب عدم الاستقرار السياسي في باكستان في الماضي أن النظام أو "البيروقراطية" كانت تنجح في إنشاء تَخاصُم بين الأحزاب السياسية، كما حدث مع نواز شريف بعد عام 1988م، ومع بي نظير بوتو في 1990م؛ حيث تم حل حكومتها وحكومة نواز شريف في 1993م، لكني اليوم أرى أنهما تلقيا دروسًا من الماضي وعرفا جيدًا أن تخاصم القوى السياسية سيؤدي إلى عدم تمكُّن ممثِّلي الشعب من إدارة الحكم في أي وقت، ويدل على ذلك التسامح الذي نراه في صفوف الحزبين بعد الانتخابات؛ حيث يتحدثان عن التفاهم والمصالحة والعمل معًا بدلاً من الوقوع في صراع لتشكيل الحكومة.
وقد برز حزب الشعب وحزب الرابطة والحزب الشعبي الوطني كأحزاب كبرى على الساحة السياسية، والتحالف بينها حدث تاريخي في باكستان، وهو لا يقل عن ثورة سياسية، وأرى أن النظام أيضًا سيفكر مائةَ مرة قبل محاولةٍ لشقِّ عصا الاتفاق بينها.
توقفت العمليات الإرهابية قليلاً بعد الانتخابات ثم عادت إلى الساحة باغتيال أكبر جراح عسكري الفريق "مشتاق بيك" في "روالبندي" في حادث أليم، وهناك من يرى أن الحكومة تقوم بتلك العمليات لإقناع العالم بأن هناك حاجةً لبقاء مشرّف في الحكم.. فهل يُعقل هذا؟!
صحيح.. الانطباع السائد هو هذا، لكني أرى أنه لا يمكن لأية حكومةٍ سياسيةٍ أو غير سياسية أن تقوم بإراقة دماء المواطنين الأبرياء، طبعًا هذه العملية أيضًا من فعل القوى التي قامت بتنفيذ عمليات مماثلة في الماضي، لكن من الصعب علينا تحديد مَن وراءها، والأمر الواضح في هذا الصدد أن هناك يدًا خفية تريد عرقلة طريق باكستان في إنجاز العملية الديمقراطية وإحلال الاستقرار، وهذه الحوادث حلقة من هذه السلسلة.
* هل يمكن للرئيس مشرّف أن يستمر مع البرلمان الجديد علمًا بأنه سيكون معارضًا له؟
** أرى أن الجنرال مشرّف قام بإدارة الحكم خلال السنوات الماضية وحده ودون اكتراث بالبرلمان، وقد أعطى لنفسه جميع الصلاحيات، وقام بإدخال تعديلات في الدستور حسب رغبته، ولا أرى أن البرلمان الجديد سيقبله ومعه كل تلك الصلاحيات، كما أنني لا أرى أن البرلمان سيقوم بإجراءٍ ضده، إلا أنه سيقوم بتقليل صلاحياته بالضرورة، وإذا وافق الجنرال مشرّف على منح النظام البرلماني طريقه سيمكنه التعايش مع البرلمان الجديد، لكنه إذا أصرَّ على الاحتفاظ بجميع صلاحياته فلن يتمكَّنا من التعايش معًا.
* هل ترى أن الانتخابات الأخيرة غيَّرت شيئًا من الواقع على الساحة السياسية الباكستانية؟
** أرى أن باكستان تجاوزت عهدًا قديمًا لتدخل في عهد جديد، والرئيس مشرف رمزٌ للعهد الذي قد ولَّى، وبناءً على ذلك لا يمكن له أن يساير العهد الجديد.
* لم تُشكَّل حكومة بعد الانتخابات العامة، وطلب الرئيس مشرّف من بعض الدول الصديقة مساعدته في نقل الحكم، فهل يمكن لأية دولةٍ في هذا المنعطف الخطر مساعدته؟
** لا يمكن لأية دولةٍ تقديم يد العون له، ولا تستطيع أية دولة أجنبية حتى الولايات المتحدة نفسها أن تساعده، وإذا قام أحد بمساعدته ضد الرأي الشعبي، فإن رد فعل الشارع سيكون أقوى.
* أصبحت "الطلبنة" في باكستان حديثَ الشارع في كل مكان، ومبرِّرًا لشنِّ العمليات العسكرية في المناطق القبلية الباكستانية.. كيف ترى الوضع هناك بعد قتل الكثير من عناصر القوات المسلحة والمسلحين والمواطنين الأبرياء؟
** قبل كل شيء، لا يمكن نفي حقيقة أن قيادات حركة "طالبان" لجأت إلى تلك المنطقة بعد القصف الأمريكي لجبال "تورا بورا" في ديسمبر 2001م، وكان يجب على الحكومة أن تراقب الوضع في ذلك الوقت؛ لأنها قد تعهَّدت في قمة "بون" بمساعدة الحكومة الأفغانية التي أُنشئت بعد الإطاحة بـ"طالبان"؛ بيْد أنها غضت الطرف عن عملية إعادة تنظيم "طالبان".
وعندما قامت الحكومة بعملية عسكرية هناك قبل أربع سنوات قامت بقصف أعمى تسبَّب في قتل الأبرياء من المدنيين، ونجا المسلَّحون، وهذا ما زاد من غضب الشعب على الحكومة وتوسع نطاق التعاطف مع "طالبان".
وأعتقد أن على الحكومة الآن التمييز بين الإرهابيين والمواطنين العاديين، كما يجب أن تكون العمليات ضد الإرهابيين وليس الشعب؛ لأن القضاء على الإرهاب بدون مساعدة الشعب أمر مستحيل، وإلى أن تُنشَأ علاقات طيبة مع الشعب فإن نطاق الإرهاب سيزداد سعةً بدلاً من العكس.
أُطُر متعددة
* إذن كيف يمكن الخروج من هذا المأزق؟
** الشعب في المناطق القبلية محروم من الحقوق السياسية الأساسية التي يحظى بها السكان في باقي أنحاء باكستان؛ فليست لديهم حريات سياسية، أضف إلى ذلك الفقر والبطالة، ومن هذا المنطلق فإن ذهاب أحد إلى سكان المنطقة لإقناعهم بأنه جاء لحل مشكلاتهم أمر صعب، أما إذا تمكَّن من كسب ثقة الشعب، فإنه سينجح.
كما أني أرى أن هناك حاجة ماسّة للنظر إلى هذه القضية في أُطُر سياسية واجتماعية واقتصادية وأمنية واسعة، بدلاً من رؤيتها في إطار أمني ضيق، وهناك أمل بأن تعمل الحكومة الجديدة في ضوء هذه الرؤية.
* سؤال أخير.. هل يمكن إيقاف الحرب في تلك المناطق حاليًّا؟
** لا يمكن إيقاف الحرب في الوضع الراهن؛ لأن الولايات المتحدة تراقب الوضع من أفغانستان، وإذا توقَّفت القوات الباكستانية عن مواصلة الحرب فهناك مخاوف من أن تقوم الولايات المتحدة بشنِّ عمليات عسكرية قد تهدد أمن واستقرار باكستان.
--------
* نقلاً عن "المجتمع"
