في الوقت الذي يمارس فيه الكيان الصهيوني عنصريته ومحارقه تجاه الشعب الفلسطيني، فإنه أيضًا على الجانب الآخر يشنُّ حاليًّا حربًا شعواء غير مسبوقة على فلسطينيِّي 48 وبخاصةٍ النواب؛ تمهيدًا لنزع الشرعية عن مشاركتهم في الحياة السياسية، وتهيئة الأجواء لسنِّ مزيدٍ من القوانين العنصرية التي تضيِّق على أكثر من مليون فلسطيني استطاعوا الثبات على أراضي فلسطينيِّي 48، على الرغم من بشاعة الإجراءات الإجرامية التي استُخدمت ضدَّهم على مدى عقود لإجبارهم على مغادرة أرض آبائهم وأجدادهم.

 

حرب شعواء

وأبرز مثال على ما يتعرَّض له فلسطينيُّو 48 أو عرب 48 كما يحب أن يسمِّيَهم البعض، هي الحملة الشعواء التي يتعرَّض لها الدكتور أحمد الطيبي العضو العربي بالكنيست ورئيس الحركة العربية للتغيير بزعم أنه خالف عن قصد قانون منع زيارة ما يسمَّى "دولة عدو".

 

وكان النائب الطيبي عائدًا من اليمن على متن الخطوط اليمنية في رحلةٍ توقَّفت قليلاً في مطار بيروت ولمدة ساعةٍ في طريقها إلى عمان؛ حيث وصل د. الطيبي.

 

وأثارت أنباء عاصفة عن زيارة الطيبي للبنان، من ردود الفعل العنصرية في صفوف أعضاء الكنيست من أحزاب اليمين المتطرِّف، ودعَوا إلى محاكمة الطيبي ومنعه من خوض انتخابات الكنيست في المستقبل.

 

وهذه الحملة تعيد إلى الأذهان ما تعرَّض له النائب الدكتور عزمي بشارة النائب العربي السابق في الكنيست؛ حيث أحيل إلى التحقيق أمام القضاء "الإسرائيلي" جرَّاء زيارته إلى سوريا ولبنان، واستُند في ذلك إلى قانون التسلُّل الصادر عام 2002م، والذي يحظر زيارة لبنان وسوريا بوصفهما "دولتين عدوتين".

 

مصير بشارة

وطالب أفيجدور ليبرمان رئيس حزب (إسرائيل بيتنا) بمنع عودة الطيبي إلى داخل "إسرائيل" قائلاً: "المشكلة هي ليست في وصول الطيبي إلى بيروت، وإنما المشكلة هي عودته إلى البلاد!" وأضاف: "أتمنَّى أن يحلَّ به نفس مصير صديقه عزمي بشارة ويبقى خارج البلاد"، في حين قال أرية الداد من الاتحاد الوطني المتطرف: "الطيبي يحتقر القانون ويستخفُّ بنا جميعًا وعمليًّا؛ فهو انضم إلى أعداء الدولة، ويجب معاملته بالمثل".

 

أما زبولون أورليف زعيم المفدال فانضم هو الآخر إلى جوقة التحريض قائلاً: "الطيبي خالف القانون عن قصد؛ ولذا يجب الإسراع بسن قانون منع ترشُّح من يزور دولة "عدو" لمنعه من دخول الكنيست!".

 

أما إيفي ايتام (من الاتحاد الوطني) وعدد من التنظيمات اليمينية فقد توجَّهوا إلى المستشار القضائي لحكومة الكيان الصهيوني لفتح تحقيق بوليسي مع الطيبي ورفع حصانته البرلمانية فورًا.

 

وليس هذا فحسب، بل إن صفحات الصحف والبرامج الحوارية التي تبثُّها قنوات التلفزة العبرية تحوَّلت إلى منابر تحريض على نواب فلسطينيِّي 48 وقادتهم، وأصبح معظم كُتَّاب الرأي والمعلقين في وسائل الإعلام الصهيونية يتنافسون فيما بينهم في عرض الاقتراحات المناسبة "لردع" فلسطينيِّي 48، وإجبارهم على التخلِّي عن ارتباطاتهم الإسلامية والعربية والفلسطينية.

 

فاشيون

 وكرد فعلٍ على هذه الممارسات العنصرية، أصدرت الحركة العربية للتغيير على لسان سكرتيرها العام أسامة السعدي بيانًا استنكرت واستهجنت هذا الانفلات العنصري ضد رئيسها النائب الطيبي، كما رفض النائب الشيخ إبراهيم صرصور رئيس الحركة الإسلامية والقائمة الموحَّدة والعربية للتغيير هذه الهجمة الشرسة والمنفلتة على زميله د. الطيبي، وكذلك فعل النائب طلب الصانع رئيس الكتلة في رده على الهجمة ضد الطيبي.

 

أما الطيبي نفسه فلم يكترث بهذه الممارسات، بل إنه ردَّ على أقوال المتطرِّف ليبرمان قائلاً: "المشكلة أن هناك مهاجرين فاشيين وصلوا إلى وطني وما زالوا هناك"، مضيفًا: "سأزور بيروت متى أشاء، وتلبيةً لدعواتٍ عديدةٍ وصلتني، وهذه الحملة المنفلتة ضدي وضد زملائي النواب العرب تتصاعد وتشكِّل خطرًا على الجميع". قائلاً: "إن توقُّفًا لمدة 50 دقيقةً أثار مثل هذه العاصفة، فماذا سيكون عندما سأزور بيروت أو غيرها إن قرَّرت ذلك؟! ولكني لا أملك إلا الشعور بالازدراء لهذه الأبواق المسمومة".

 

مواجهة

 

 د. أحمد الطيبي

وبالرغم من اشتداد الحملة العنصرية ضد الطيبي إلا أنه لم يستسلم لذلك، بل إن هذه الحملة اشتدَّت ضراوةً بسبب مواجهة الطيبي لوزيرة خارجية الكيان الصهيوني تسيبي ليفني في إحدى جلسات منتدى الدوحة حول الديمقراطية والتجارة الحرة بقطر، كما هوجم من قِبل سياسيين "إسرائيليين"؛ لأنه قُدم في قائمة المدعوين إلى منتدى الدوحة ممثلاً لـ"فلسطين".

 

وردَّ الطيبي على ليفني عندما ادَّعت بأن "إسرائيل" هي الديمقراطية الوحيدة بالمنطقة، وأنها ديمقراطية للجميع، قائلاً: "إسرائيل تدير ثلاثة أنظمة حكم, الأول هو الديمقراطية المطلقة لليهود، أي ديمقراطية عرقية للغالبية اليهودية فقط (الاثنوقراطية) أو (اليودقراطية), والثاني هو نظام التمييز العنصري تجاه مواطنيها العرب في كل مجالات الحياة, أما الثالث فهو نظام الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة.. فكيف تدعين أن إسرائيل هي ديمقراطية للجميع؟!".

 

وأدَّت مواجهة الطيبي لليفني إلى قيام حملة عنصرية جديدة ضده من قِبل قيادات اليمين "الإسرائيلي"؛ حيث قال نائب وزير خارجية الكيان الصهيوني مجلى وهبي عن حزب كاديما: "آن الوقت ليقرِّر الطيبي أيَّ بلد يمثله", فيما وصفه ليبرمان بأنه طابور خامس "حريٌّ به الانتقال من الكنيست إلى برلمان السلطة الفلسطينية في رام الله", وقال إنه "ممن تماهَوا مع العدو خلال الحرب".

 

ولم تتوقَّف مواجهة الطيبي مع الصهاينة عند هذا الحد، بل إنه طالب بإرغام سلطات الجيش "الإسرائيلي" على كشف الصور التي التُقطَت في 9 أبريل عام 1948م في مجزرة دير ياسين.

 

واعتبر الطيبي الصور التي صوَّرها بعض المصوِّرين "الإسرائيليين" تشكِّل دليلاً قاطعًا على أحداث المجزرة، وأضاف: "إن القانون الإسرائيلي يلزم السلطات بكشف الصور ونشرها بعد 50 عامًا، واليوم يصادف مرور 60 عامًا على المذبحة التي نفَّذتها عصابات الليحي والاتسيل بدعم من الهاجاناه"؛ وهو الأمر الذي قد يفتح باب الهجوم الصهيوني من جديد ضده.

 

الوجه القبيح

وفي النهاية اتضح أن قيام الطيبي بإبداء رؤية مناهضة للكيان الصهيوني كشفت عن الوجه القبيح لهذا الكيان ومزاعم الديمقراطية التي يتغنَّى بها، خاصةً في التعامل مع العرب المقيمين في أراضي ما قبل العام 1948، وجعلت منه هدفًا لحملات التشويه والتحريض من قبل الدوائر الإعلامية والسياسية للكيان الصهيوني، والتي يعتقد البعض أنها لن تتوقَّف تمهيدًا لممارسة مختلف أشكال التضييق ضد الطيبي على نحو يصل إلى حدِّ إبعاده قسرًا عن الكنسيت أو اعتقاله أو حتى منعه من دخول وطنه.

 

وخلاصة القول إن الممارسات العنصرية والملاحقات من قِبل الكيان الصهيوني تجاه النواب العرب ستظل مستمرةً بهدف نزع الشرعية عن مئات الآلاف من فلسطينيِّي 48، ورفض حقَّهم في ممارسة حقوقهم السياسية؛ وهو الأمر الذي يتطلَّب موقفًا واضحًا من قِبل كلٍّ من الجامعة العربية ومنظَّمة العالم الإسلامي والأمم المتحدة إزاء المخطَّطات "الإسرائيلية" ضد فلسطينيِّي 48، لردع الدولة العبرية عن استكمال مخطَّط التهويد المتواصل من العام 48.